علي حرب: الخطر على الهوية ينبع من المحافظين على تكلسها ضد سيرورة الواقع وتحولاته

في «حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية» حدد ملامحها وطرق الاشتغال عليها

علي حرب: الخطر على الهوية ينبع من المحافظين على تكلسها ضد سيرورة الواقع وتحولاته
TT

علي حرب: الخطر على الهوية ينبع من المحافظين على تكلسها ضد سيرورة الواقع وتحولاته

علي حرب: الخطر على الهوية ينبع من المحافظين على تكلسها ضد سيرورة الواقع وتحولاته

إذا كان بعض المفكرين العرب أو المغاربة، قد تعرضوا لموضوع العولمة من منطلق «الهاجس / الدفاع عن الهوية والخصوصية»، فهي عند علي حرب كما بين في كتابه «حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية»، ليست هاجسا مخيفا يجب أن ننهج تجاهه سياسة الاحتراز، أو أن نقف ضدها كحراس للقيم.. بل هي إمكان منفتح يعطي قابلية للتطويع والتحويل لما يتلاءم معنا. وفي صميمية عملية التحويل هذه والتطويع، يمكن للهوية أن تتجدد وتتمدد. فالهوية ليست شيئا ثابتا، بل هي إبداع مستمر للذات والمجتمع.
ويمضي علي حرب في التحليل، ليكشف أن خطاب الهوية خطاب طوباوي حول معطى ديناميكي، يبنى بشكل مستمر في عملية تفاعلية مع العناصر المشكلة للواقع. ومن هنا يعلن علي حرب نهاية كل الخطابات التقليدية حول التراث والحداثة، لأن «ثنائية الهوية والعولمة» تتجاوز، بقدر ما تستبطن، المتعارضات التي كانت متداولة حتى الآن، كثنائية التراث والحداثة، أو الأصالة والمعاصرة، أو الخصوصية والعالمية. فلكل عصر قضاياه كما له فتوحاته واختراعاته. والسؤال الأساسي الذي ينبغي أن يطرح، حسب علي حرب، لفهم ظاهرة العولمة هو: كيف يتشكل العالم ويسير؟ وما هو دور الأفكار في ظل الانفجار التقني لوسائط الإعلام؟ وما مستقبل الهويات الثقافية في عصر المعلومة الكونية؟ وبنظرنا فخطاب العولمة والهوية عند علي حرب يمكن توصيفه ومقاربته من خلال النظر للعولمة باعتبارها:
التدفق السيّال للمعلومة والبضائع، تحريك للأفكار والقيم والثقافات، إمكان قابل للاستثمار والخلق والتحويل، التحالف بين الثالوث: المعرفة / السلطة / القوة في تشكيل العالم.
1. العولمة كتدفق سيّال للمعلومة والبضائع.
بتأثير من فلاسفة الاختلاف وتيار ما بعد الحداثة، يتبنى علي حرب تصورا للواقع الذي خلقته العولمة بكل آلياتها الجديدة، مؤسسا على مفهوم الافتراضي الزمني والمكاني، والافتراضي هنا، ليس المتخيل، بل هو النسخة المتعددة الأصل SUMOLACRE، ومن دون أي أصل. وهكذا حسب علي حرب، «نحن إزاء فتح كوني يتغير معه سير العالم على ما كان يجري عليه حتى الآن، سواء في عصر المصنع أو في عصر الحقل، حيث كان التعاطي مع الواقع يتم عبر المصنوعات المادية من السلع والأدوات، أو عبر الإنتاجات الذهنية من الأساطير والعقائد أو من المثل والنظريات».
مع الدخول في عصر الحاسوب تنقلب الأمور بالكلية. إذ يصير التعاطي مع العالم، بأدواته المادية وأجهزته الآيديولوجية، من خلال خلق عالم آخر اصطناعي، أصبح يتحكم بالواقع ومعطياته، عبر أنساق المعلومات وأنظمة الأرقام التي تجوب الفضاء السبراني. وتلك هي مفاعيل ثورة المعلومات التي هي الآن مدار الاختلاف والسجال. إنها تشكل واقعة العصر الأولى، عند من يحاول قراءة العولمة، ظاهرة مفردة، قراءة فعالة ومثمرة. هذا الانقلاب الكوني حسب علي حرب، يجعل نسق المعلومة وطريقة اشتغالها «بمثابة نظام الأنظمة في التفكير والعمل والبناء، في إدارة الكلمات والأشياء، إنها ما يغير قواعد اللعبة الوجودية». فالعولمة عند علي حرب، كما قلنا، يمكن قراءتها من منطلق التدفق السيّال للمعلومات والبضائع، حيث يقول إن نظام المعلومة هو بنية العولمة ومكمن قوتها السيّالة والجارفة، فالعولمة استطاعت أن تتيح للجميع الحق في المعلومة وفي المشاركة في المعلومة، بل وفي صياغتها وتحريرها وتعديلها في الآن نفسه. لنأخذ مثال Bloggers أو المواقع الإخبارية، فهي تتيح للقارئ التعليق والنقد في الآن نفسه، بل إنشاء موقع أو مدونة لنشر معلومات أو أفكار ورؤى، أو الاعتراض على سياسات حكومية، وتكوين رأي عام متعاطف، أو قراء متابعين.
2. العولمة تحريك للأفكار والقيم والثقافات:
يقول المثل الصيني: الصورة بألف كلمة في تكثيف عميق لفلسفة الصورة، ما يصنع العالم اليوم هو الوسيط البصري، وارتباط الأفراد والمجتمعات والثقافات بشكل وثيق الصلة اليوم بأجهزة الحاسوب، والشبكة العنكبوتية، والهواتف النقالة، وأجهزة التلفاز، والصحون اللاقطة للأقمار الاصطناعية. فالفرد اليوم أصبح غير مقيد بزمن ومكان محددين، فهو موجود في جميع الأمكنة، وحتى إن لم يكن وجوده فيزيائيا. فالوجود السبراني كما يحدده علي حرب، أو الوجود الافتراضي، أو المصطنع، بتعبير أدق، حسب بودريار، يتيح للفرد معرفة الأخبار وتلقيها من أي مكان وأي ثقافة في العالم، بل ومن أي نقطة مرجعية يوجد فيها فوق كوكب الأرض. لذلك فالحديث عن قيم أو ثقافة أو أفكار مشتركة لجماعة معينة هو عقم إبستمولوجي وعلمي خطير لا بد من التنصل منه أو استئصاله، لأنه لا يعي بالتحولات الجذرية التي أحدثتها العولمة في العالم وفي المفاهيم التقليدية التي كان يدرك من خلالها العالم، والواقع المشكّل لذات العالم. فلم تعد مفاهيم من قبيل السلب، التناقض، الجدل، مسعفة في إدراك مفهوم الواقع. بل لا بد من فكر جذري كما ينادي بذلك بودريار، أو فكر أثيري كما يسميه علي حرب، قادر على مد الفرد بالعدة المنهجية لفهم منطق العالم / الحدث، والمشاركة فيه من أجل استيعابه، فالعولمة تطال الثقافة بالذات، بما هي منظومة من الرموز والقيم، يخلع بواسطتها الإنسان المعنى على وجوده وتجاربه ومساعيه. فالثقافات بما هي مرجعيات للدلالة وأنماط للوجود والحياة، خاصة بكل أمة أو دولة أو مجتمع، تجد نفسها الآن عارية أمام تدفق الصور والرسائل والعلامات التي تجوب الكرة على مدار الساعة. فالعالم يتشكل اليوم بطريقة مختلفة وبواسطة قوى جديدة، الأمر الذي يعني أن الثقافة بدأت تتغيّر، سواء من حيث أطرها ومضامينها، أو من حيث وسائطها ومسالكها، أو من حيث آليات تشكّلها والقوى التي تسهم في إنتاجها واستهلاكها. والمهم في ذلك أن الوسائط تؤدي إلى عولمة المعرفة، إذ تتيح للمرء الاطلاع على كل معارف العالم عبر الشبكات الإلكترونية التي بدأت تحل مكان المكتبات العامة، وهكذا حسب علي حرب، نقلا على فنليكرو في كتابه «الإنسانية الضائعة»، فنحن إزاء إمكانيات جديدة، للوجود والحياة، تنبثق على نحو لا نظير له من قبل. وهي تسفر ليس فقط عن عولمة السوق والمدينة والسياسة، بل تفضي إلى عولمة الأنا بما هي حامل للدلالة ومولد للمعنى ومنتج للثقافة والمعرفة.
3. العولمة إمكان قابل للاستثمار والخلق والتحويل:
يقول علي حرب، «لقد حسبنا طويلا من قبيل التهوين أو التهويل، أن بإمكان المرء أن ينسلخ عن تراثه أو ينقطع عن ماضيه وذاكرته. في حين أن الماضي هو ما يقودنا إلى ما نحن عليه في حاضرنا. فإما أن نستثمره بصرفه إلى أعمال ومنجزات، وإما يتحول إلى عائق يصرفنا عن فهم الواقع وصناعة العالم. كذلك الموقف من الحداثة، فالبعض لا يزال يظن أنه لم ندخل عالم الحداثة بعد، مع أننا ننتمي إلى الزمن الحديث منذ الطهطاوي، بل منذ دخول المطبعة إلى جبل لبنان. فإما أن نكون حداثيين خلاّقين ومنتجين، وإما أن نكون مجرد مستهلكين. من هنا لا جدوى من إقامة التعارض بين الخصوصية والعالمية، لأنه لا يوجد خصوصيات، مع الفارق هو أن هناك خصوصيات قوية تفرض نفسها على مسرح الأمم بالخلق والابتكار. بهذا المعنى إما أن تكون خصوصية ثقافية مبدعة أي عالمية أو لا تكون. والمشكل حسب علي حرب ليس في العولمة أو الأمركة، بل لا خوف على الهوية، فالخطر الأخطر عليها نابع منا نحن دعاة حمايتها والمحافظين على تكلسها ضد سيرورة الواقع وتحولاته. من هنا فإن مشكل هويتنا الثقافية ليست اكتساح العولمة والأمركة، على ما نظن ونتوهم، بل في عجز أهلها عن إعادة ابتكارها وتشكيلها في سياق الأحداث والمجريات، أو في ظل الفتوحات التقنية والتحولات التاريخية، أي عجزهم عن عولمة هويتهم وأنظمة اجتماعهم وحوسبة اقتصادهم وعقلنة سياستهم وكوننة فكرهم ومعارفهم. تلك هي المشكلة الحقيقة التي نهرب من مواجهتها: عجزنا، حتى الآن، عن خلق الأفكار وفتح المجالات، أو عن ابتكار المهام وتغيير الأدوار لمواجهة تحديات العولمة على صعدها المختلفة. فالعولمة إمكان يمكن استثماره لما يخدم الذات ويحررها.
4. العولمة هي التحالف بين الثالوث: المعرفة، السلطة، القوة في تشكيل العالم
لا يمكن فهم ظاهرة العولمة في العالم المعاصر وكيف تتشكل الهوية، من دون فهم للتحول الجذري الذي مس تاريخيا العلاقة بين القوة والمعرفة والسلطة. فكل هذا الثالوث أصبح عبارة عن ممارسة خفية تسهم في تشكيل وقولبة الهوية، وهو ما يشكل ماهية واستراتيجية العولمة. فآليات اشتغال الخطاب الإعلامي لا يمكن فهمها من دون استحضار الأبعاد الثلاثة، السلطة والمعرفة والقوة. فالرأسمال المادي الذي يشكل قوة المؤسسة الإعلامية، وكذلك الخبراء والمادة المعرفية الموظفة في البث الإعلامي، بالإضافة إلى سلطة القائم على الاتصال، ودور المادة الإعلامية التي يقدمها في تشكيل وعي الرأي العام وقولبته، هي الأسس الصلبة للعولمة. تلك هي بعض ملامح العولمة وآلياتها وطرق اشتغالها كما أوضحها المفكر علي حرب.



السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي


«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
TT

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية.

يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً، وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة، والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار.

الصدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين. تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً، متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة، تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة.

ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر. الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية، على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان، ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود، ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء.

يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة، كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى.

في الخلاصة، تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.


السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر
TT

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.

ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد.

وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات، مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال.

بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران، لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.

اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور، واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات، حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة.

والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية.

وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.