في الكويت.. هل ينزع المثقف فتيل العقول المفخخة؟

دعوات لنشر بذور القيم الإنسانية والتسامح وإيصالها إلى أكبر شريحة من الناس

الكويتيون في تشييع ضحايا مسجد الإمام الصادق
الكويتيون في تشييع ضحايا مسجد الإمام الصادق
TT

في الكويت.. هل ينزع المثقف فتيل العقول المفخخة؟

الكويتيون في تشييع ضحايا مسجد الإمام الصادق
الكويتيون في تشييع ضحايا مسجد الإمام الصادق

ليست المشكلة فقط في الأجساد المفخخة، فهذه تنفجر مرة واحدة، بل المشكلة في العقول المفخخة، فهذه تنفجر بشكل دائم.
قبل الأحداث الإرهابية المنتشرة اليوم، كان الأديب الدكتور خليفة الوقيان قد أطلق مصطلحا سماه «الأمن الفكري»، ونشر عنه سلسلة من المقالات، بدأها كما قال لي في عام 1983، مع محاولة اغتيال أمير دولة الكويت الراحل المغفور له الشيخ جابر الأحمد الصباح، واعتبر يومها أن المسألة تتعلق بالعنف الفكري أولا، كون أفكار التطرف هي التي تصنع انتحاريين، ولكن يومها كان مصطلح «الأمن الفكري» غريبا على الواقع حسب اعتقاده، لأن الأمور لم تكن بهذا الشكل الذي تبدو عليه اليوم، لذلك لم يدرك الناس ماذا يعني الدكتور الوقيان بالأمن الفكري، وكعادة الفجوة التي تحصل بين المفكر الذي يقرأ الواقع بعقل «زرقاء اليمامة»، وبين الشارع الذي يرى الواقع يوما بيوم، فإن هذا المصطلح لم يأخذ صداه يومها حتى قبل أسابيع من وقوع حادث الاعتداء الإرهابي على مسجد الإمام الصادق في الكويت، حيث جرت ندوة في رابطة الأدباء الكويتيين عن جمع السلاح، ويومها أجرى الدكتور الوقيان مداخلة قيمة قال من خلالها إن المشكلة صحيح أنها تكمن في وجود السلاح لدى الناس، لكن هناك خطرا لا يقل شأنا هو خطر أفكار العنف، فهذه أولى بنزعها أولا، لأن الاعتداء حسب اعتقاد الدكتور الوقيان يمكن أن يرتكب بشتى الوسائل طالما وجدت عقلية العنف. وطالب الدكتور خليفة الوقيان بأن تنهض الجامعات والمدارس والمثقف بالدور الأهم في هذا المجال والمتمثل في انتشال الشباب من «إغواء» الأفكار العنيفة.
أي دور للمثقف؟
وهنا قمتُ بطرح عدة أسئلة على عدد من المثقفين في دولة الكويت، منها: هل قام المثقف بما يجب القيام به لتنوير العقول ضد الفكر الإرهابي؟ وما الذي يتوجب عليه القيام به في هذه الظروف؟ فأجابني عدد من الأدباء والمثقفين والأكاديميين.
الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان، قال: «إذا كان المقصود المثقف الكاتب في الصحافة، فأعتقد أن الصحف في السنوات الأخيرة كانت حافلة بمقالات المثقفين الذين يحذرون من الإرهاب ويهاجمون مصادر الإرهاب، ولكن دون تأثير يذكر، فالإنسان العادي المسالم غير معني بما يكتب، والإرهابي لا يعبأ بما يكتب، القضية أكبر من ذلك، المطلوب خطة وطنية تشمل مختلف الجهات في المجتمع لإعادة تشكيل شخصية المواطن منذ الصغر وزرع القيم الإيجابية فيه مثل التسامح واحترام حرية الآخرين وعقيدتهم وتعزيز الروح الوطنية، والمحافظة على مقدرات البلاد. من خلال الوسائل المتاحة في المجتمع: المدرسة والإعلام والنشاط الثقافي والأندية ومنظمات المجتمع المدني. وهنا يبرز دور المثقف سواء كان مبدعا أو مفكرا في المساهمة الفعالة من خلال إبداعاته وكتاباته في تكريس القيم الإيجابية التي يسعى إليها المجتمع، بدلا من هذه الفوضى العارمة حيث تخرب وسائل الإعلام ما تبنيه التربية مثلا، وحيث يسير المنتوج الثقافي من غير تخطيط أو هدف، ونترك الأبناء للشارع يربيهم ويشكل شخصياتهم.
أما الدكتورة أفراح الملا علي فتدخل إلى موضوع التطرف من باب آخر بمدخل تاريخي، فتقول إن الكويت تاريخيا كانت مثالا حيا للتعايش السلمي والاحترام بين الكثير من الجنسيات والأديان. وبسبب ظروف العيش القاسية آنذاك، كان الكويتي يسافر من أجل لقمة عيشه، لهذا احتك بكثير من الجنسيات. لذلك فإن فكرة التطرف والعنف من دون شك هي ظاهرة خبيثة وجديدة على هذا المجتمع المسالم والذي أطلق عليه: «كوزموبوليتي» إن صح وجاز التعبير. وبما أنها ظاهرة جديدة مربكة فقد تم تسليط الضوء عليها من باب «ماذا يجري؟! ومن أين أتى هذا الفكر؟!». لهذا ترى د. أفراح الملا علي أنه لا بد من نشر ثقافة تقبل الآخر ومواجهة الفكر بالفكر والمنطق والتحليل وليس بالعنف كما جرى سابقا مع كتب ابن رشد حين أُحرقت ولم يصلنا إلا القليل منها. للأفكار أجنحة كما وصفها ابن رشد، لهذا السبب لا بد من دراسة تحليلية والبحث عن الكتب ذات الفكر التطرفي، فهي من دون شك المنبع الأساسي والرئيسي لأي عنف، والذي بدوره يؤدي إلى تمزيق هذا النسيج الاجتماعي الآمن. والتصدي لهذه الأفكار بحرية فكرية ورد فكري ثابت، والتي بدورها تحبط وتزعزع هذا الفكر التطرفي. فنحن بالنهاية مجتمع وسطي وديننا الحنيف يدعو لهذه الوسطية واحترام الأديان، والجنسيات، بل وحتى الأفكار، حتى نغير هذه النظرة العالمية والوصمة التي أساءت للإسلام والعرب.
الدكتور أسامة المسباح يعرب عن اعتقاده قائلا: «إنه في مجتمعنا الكويتي لم يقم المثقف بهذا الدور كما يجب، فما زالت النعرات بمختلف أشكالها تحكم كثيرا من نتاجنا الثقافي والأدبي».
أما أمين عام رابطة الأدباء الكويتيين، طلال سعد الرميضي، فيؤكد أن الرابطة كمؤسسة ثقافية تقوم بدورها التنويري، وهي على الدوام تقيم أنشطة يحاضر فيها مثقفون ينشرون فكر التسامح، كما أن الرابطة تضم أدباء على مستوى فكري عالٍ. وكشف عن أن هناك برنامجا مقبلا بهذا الشأن بعد أن أصبحت الضرورة أكثر إلحاحا.
الدكتور عبد السميع الأحمد يعتقد أن المثقف العربي والمسلم لم يقم بواجبه الكامل تجاه أفكار التطرف والعنف، إذ لا تكفي الإدانة والاستنكار في مثل هذه الظروف، كما لا تسد الثغرة تغريدة هنا، وعبارة هناك. المطلوب من المثقفين، بحسب اختصاصاتهم، تجييش أقلامهم وأفكارهم لزرع روح التسامح في نفوس الناشئة منذ الصغر، وبطريقة محببة لهم، دون مباشرة ولا تقريرية سمجة، وهذا يشمل رجال الدين، فهؤلاء يتحملون العبء الأكبر، لأن تواصلهم أوسع، ويتكرر في خطبة الجمعة وصلاة الجماعة.
الكاتب ماجد المطيري يرى أن «ضعف الطبقة المثقفة أو النخبة في الوطن العربي ظاهرة جديرة بالوقوف على أسبابها، فهي منذ البداية فقدت التواصل مع عموم الشعب مما جعل الأفكار الإقصائية والفكر المنحرف يحتلان مكانة المرشد والموجه للوعي الجمعي العربي، وهذا المد المتطرف سيتبين للجماهير ألمه على المدى البعيد، لكن على المدى القصير علينا أن نبشر بالقيم الإنسانية وننشر بذور ثقافة تسامح من خلال وسائل تصل إلى أكبر شريحة من الناس، وذلك عبر كتابة النصوص المعدة للتلفزيون خصوصا مثل المسلسلات والبرامج التي تنبذ العنف والتطرف والتكفير، ولكن للأسف أغلب الكتاب لا يزالون يسلكون طرقا نخبوبة واستعلائية عندما يناقشون قضية الإرهاب».
الدكتور جابر حمدان يتحدث عن عموم الفكر المتطرف في كل الوطن العربي فيقول إن السياسة أضعفت دور المثقف في المجتمعات وقللت من تأثيره، وكان ذلك هو السبب الأساسي في وجود التطرّف وازدهاره. لذلك كانت محاولات المثقفين - وهي كثيرة - تذهب أدراج الرياح. ويضيف د.حمدان: «إن توالي الهزائم والخيبات جعل صوت العقل صرخة في واد ودور المثقف محدودا ضيقا».
أيضا نقلت السؤال إلى الناشطين الثقافيين الذين ظهرت لهم آراء جديرة بالاهتمام في الأحداث الأخيرة من خلال المنتديات الثقافية، فتقول الناشطة الثقافية شمسة العنزي: «أعتقد أن المثقف يحاول في إطار محيطه فقط لكن يبقى - شاء أم أبى - يراعي فروق التفكير والعادات والتقاليد، فلا يجتهد بالتغيير على أرض الواقع بقدر اجتهاده على الورق، وهنا مشكلة الأدباء والمثقفين من وجهة نظري أنهم يحتاجون لطرف آخر يوصل فكرهم ويحفز على التطبيق بأرض الواقع، وهنا دور الإعلام والجهات الرسمية كالمدارس والجامعات لتبسيط المعقد ونبذ الطرف وزرع المحبة.
بينما يرى أحمد حسين البدري أن أقلية من المثقفين قامت بدورها، ولكن في اعتقاده أنه لم يعد اليوم للمثقف دور كما كان في السابق أيام أحمد مطر وناجي العلي والماغوط وغيرهم.
لكن بدور العيسى ترى أن المثقف غائب عن هذا الدور، فتقول: «غاب المثقف عن الساحة، وجل المؤسسات أسهمت في غياب دوره، وإن كانت للمثقف مسؤولية اجتماعية فيجب ألا يتنازل عنها إلا أنه أعطى الحق للآخرين لتغييبه. المؤسسات الرسمية أسهمت بشكل كبير في ذلك مثل الإعلام والمؤسسات الثقافية والمدارس لتغييبها، لدور الكتاب المساند للكتب المدرسية، فلم توفر له مساحة في المنهج الدراسي. أيضا غياب الأنشطة المدرسية الثقافية لم نوله اهتماما، وأصبحت الأغلبية تحمل شعار: (ماكاري)».
وبرأي الناشطة الثقافية فجر صباح فإن مواجهة التطرف ضرورة حتمية سواء على المثقف أو غير المثقف، ولكن يتوجب على المثقف أن يستغل قدراته الكتابية بالكتابة ضد التطرّف، وقد كتب فعليا الكثير من المثقفين عن هذا الموضوع بأشكال متعددة وأساليب مختلفة وعن أفكار العنف بشكل عام وتأثيرها السلبي وإن لم يكن الجميع فالأغلب فعل ذلك، وفي وقتنا هذا نحن في أمس الحاجة لكتاب ومثقفين يتناولون تلك المواضيع للتوعية ومعرفة مدى خطورة التطرّف وآثاره السلبية وعواقبه الوخيمة، والحد من العنف في المجتمع.



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.