رئيس «أسترازينيكا»: يجب أن نتعايش مع «كورونا»... ولن أنسى لحظة «اختراعنا» اللقاح

حث في حديث لـ«الشرق الأوسط» على معالجة التغيّر المناخي بـ«وصفة مواجهة الوباء»... وقال إن الصين لا يمكنها الاستمرار في الإغلاق إلى الأبد

السير باسكال سوريوت (شركة أسترازينيكا)
السير باسكال سوريوت (شركة أسترازينيكا)
TT

رئيس «أسترازينيكا»: يجب أن نتعايش مع «كورونا»... ولن أنسى لحظة «اختراعنا» اللقاح

السير باسكال سوريوت (شركة أسترازينيكا)
السير باسكال سوريوت (شركة أسترازينيكا)

قال الرئيس التنفيذي لـشركة «أسترازينيكا»، السير باسكال سوريوت، في حديث الى «الشرق الأوسط»، إن وباء «كوفيد-19» (كورونا) لم ينتهِ، و«وعلينا فقط التكيف مع الأمر كما تعايشنا مع فيروسات الإنفلونزا. معظم الأشخاص الذين يصابون بها يمرضون بشكل أساسي لبضعة أيام فقط، ولا يحتاجون إلى تلقي العلاج في المستشفيات؛ لأن اللقاحات توفر المناعة الأساسية اللازمة»؛ مشيراً إلى ضرورة الانتباه إلى «عدوى (كورونا) طويلة الأمد، وحماية مناعة الأشخاص المعرضين للخطر». وعن شعوره الشخصي لدى سماعه نبأ وصول شركته إلى لقاح ضد «كوفيد-19»، قال: «شاركت بشكل كبير في المناقشات التي أجريت مع باحثي جامعة أكسفورد، وفي عمليات تطوير اللقاح. وعندما علمنا أن لدينا لقاحاً فعالاً وقال فريقنا إنه يمكننا تصنيعه، كنت سعيداً للغاية؛ لأننا اعتقدنا أنه يمكننا إحداث فرق». وقال: «نصيحتي للناس هي أن يستمعوا إلى العِلم وليس إلى وسائل التواصل الاجتماعي». وسئل عن سياسة الصين الخاصة بـ«صفر كوفيد»، فأجاب: «كنت أتفهم هذه السياسة في المرحلة الأولية من انتشار الوباء... ولكن يجب أن أقول اليوم إنه يتعين عليهم في مرحلة ما الانتقال، الصين لا يمكنها الاستمرار في الإغلاق إلى الأبد. فهم بحاجة إلى إعادة الفتح لتسهيل الاتصال والتجارة مع بقية العالم، وحتى يلتقي الناس بعضهم ببعض». ودعا إلى نسخ تجربة التعاون في مواجهة التغير المناخي. وهنا نص الحديث الذي جرى عبر تطبيق «تيميز» أول من أمس:
> ندرك جميعاً أن اهتمامات «أسترازينيكا» تتجاوز وباء «كوفيد-19»؛ لكن هل تعتقد أن هذه الجائحة قد انتهت؟
- مع الأسف، لا أعتقد أن وباء «كوفيد-19» قد انتهى؛ بل أتصور أن هذه الجائحة ستبقى معنا لبعض الوقت، وعلينا فقط التكيف مع الأمر كما تعايشنا مع فيروسات الإنفلونزا. وأعتقد أن أكبر مشكلة سنواجهها هذا العام هي فيروسات الإنفلونزا، وعدوى الفيروس المخلوي التنفسي (RSV). صحيح أن عدوى «كوفيد-19» لا تزال موجودة، ولكن معظم الأشخاص الذين يصابون بها يمرضون بشكل أساسي لبضعة أيام فقط، ولا يحتاجون إلى تلقي العلاج في المستشفيات؛ لأن اللقاحات توفر المناعة الأساسية اللازمة.
فيروس «كوفيد-19» سيظل موجوداً، وسنحتاج إلى معالجته، ولكن الأمور التي تحتاج أن نركز انتباهنا عليها هي عدوى «كورونا» طويلة الأمد، ومناعة الأشخاص المعرضين للخطر.
> كما ذكرت، علينا الآن أن نتعلم كيف نتعايش مع وباء «كوفيد-19»، وذلك بفضل بعض الرواد وبعض القادة والمديرين التنفيذيين والشركات الذين ساعدونا في الحصول على بعض الحصانة، والتعايش مع الوباء. وتعد شركة «أسترازينيكا» بالتأكيد واحدة منهم، وكذلك أنت. ولكن، كيف كان شعورك عندما سمعت لأول مرة عن «كوفيد-19»؟ وكذلك عندما سمعت الأخبار السارة من جامعة أكسفورد ومختبرات شركتك، بأنه قد تم التوصل إلى لقاح؟
- لقد تطور الأمر شيئاً فشيئاً في ذلك الوقت؛ لأننا سمعنا عن عدوى «كوفيد-19» تماماً مثل بقية سكان العالم في يناير (كانون الثاني) 2020. لدينا وجود كبير في الصين، ولدينا مقر في شنغهاي، ونحو 20 ألف موظف في الصين. وكما يمكنك أن تتخيل، فقد سمعنا عن «كوفيد-19» وتأثيره على الناس في الصين في وقت مبكر للغاية، وكنا نتتبع ما كان يحدث، وفكَّرنا في الكيفية التي يمكننا المساعدة من خلالها.
3 مليارات جرعة لقاح
> ماذا حصل؟
- في بداية الأمر، ساعدنا ببساطة في شراء الأقنعة الواقية (الكمامات)؛ حيث تمكنَّا من تسليمها إلى المستشفيات التي لا يوجد فيها أي منها، ثم تساءلنا: ماذا يمكننا أن نفعل أيضاً؟ وبدأنا في النظر إلى بعض الأدوية التي تنتجها شركتنا وكيفية إعادة استخدامها، لنرى ما إذا كان يمكن استخدامها لعلاج عدوى «كوفيد-19»، وبعد ذلك بدأنا تطوير تركيبات الأجسام المضادة طويلة المفعول الخاصة بنا (Evusheld)، ثم في وقت ما، في أبريل (نيسان) 2020 تقريباً، عندما كنا نبحث عن مزيد من الأمور التي يمكننا القيام بها، علمنا بأمر اللقاح الذي تم التوصل له في أكسفورد، واتفقنا مع الجامعة على أنه يمكننا التعاون معهم. وكان تعاوننا ناجحاً للغاية. ويسعدنا جداً أننا تمكنَّا من المشاركة في هذا الجهد والمساعدة.
لم يكن الأمر مجرد رحلة بسيطة؛ لأنه كما يمكنك أن تتخيل، أخذنا لقاحاً كان فريق عظيم من العلماء في الجامعة قد قاموا بإنشائه في مختبر أكاديمي، وبدأوا تطويره، ولكنهم كانوا يطورونه ويقومون بالتجارب بالطريقة التي تستخدمها المراكز الأكاديمية، وليس بالطريقة التي يستخدمها قطاع الصناعة. لقد كان الأمر صعباً في بعض الأوقات. فعلى سبيل المثال، الولايات المتحدة طرحت جميع الأسئلة الممكنة؛ لأن الطريقة التي تم بها إجراء التجارب الأولية في أكسفورد لم تكن مماثلة للطريقة التي تعمل بها الصناعة، ولذلك كان علينا اللحاق بالركب، والقيام بجميع الخطوات اللازمة لتكييف البرنامج مع معيار الصناعة ومعيار إدارة الغذاء والدواء (FDA).
وكانت هناك أسابيع وشهور من العمل المكثف، وكان الأمر يمثل تحدياً كبيراً بالطبع، ولكنه كان مجزياً للغاية؛ لأننا أحدثنا فرقاً كبيراً. وكما تعلم، فقد قدمنا أكثر من 3 مليارات جرعة من اللقاح، وهناك تقديرات مستقلة بأن اللقاح أنقذ حياة 6.3 مليون شخص على مستوى العالم.
> على المستوى الشخصي، كيف شعرت عندما سمعت الأخبار من فريقك بأن «أسترازينيكا» طورت اللقاح، وتمت الموافقة عليه؟
- لقد شاركت بشكل كبير في المناقشات التي أجريت مع باحثي جامعة أكسفورد وفي عمليات تطوير اللقاح. وعندما علمنا أن لدينا لقاحاً فعالاً، وقال فريقنا إنه يمكننا تصنيعه، كنت سعيداً للغاية؛ لأننا اعتقدنا أنه يمكننا إحداث فرق.
وقد أنشأنا سلاسل التوريد في جميع أنحاء العالم، لتزويد مناطق جغرافية مختلفة من خلال سلاسل التوريد المختلفة، حتى نتمكن من تزويد الجميع باللقاح، ولكن حدث شيء واحد أدى إلى حدوث مشكلة، وهو أننا اتفقنا على الشراكة مع معهد الأمصال في الهند الذي يملك قدرة كبيرة على التصنيع على نطاق واسع، واتفقنا مع المعهد والحكومة الهندية على أن نصف إنتاج المعهد سيبقى في نيودلهي، أما النصف الآخر فسيتم تصديره إلى عدد من الدول حول العالم. ولكن، عندما ازدادت حالات الإصابة بفيروس «كوفيد-19» بشكل كبير في الهند، اضطرت الحكومة إلى إعطاء الأولوية لمواطنيها، وقررت الاحتفاظ بكل جرعات اللقاح المصنعة لسكان البلاد. وقد أدى ذلك إلى حدوث مشكلات في الإمداد في كثير من البلدان. فقد واجهنا تحديات عديدة بلا شك، ولكن الجميع في «أسترازينيكا» كان سعيداً بتأمين هذا اللقاح.
> نجحتَ في تحقيق ذلك من خلال العمل مع العلماء والأشخاص المختلفين. فما الدروس المستفادة من هذه العملية؟ وهل أصبحنا أكثر استعداداً الآن لمواجهة أي جائحة محتملة في المستقبل؟
- باعتبارنا مجتمعاً، ربما نكون أكثر استعداداً. فعلى الرغم من أن الوضع ليس مثالياً، فإننا أكثر استعداداً بالفعل، وذلك يرجع بشكل أساسي إلى أن الناس يضعون التحديات التي فرضها الوباء في اعتبارهم. ولكن السؤال المهم الآن هو: ماذا إذا لم تظهر أوبئة أخرى في غضون السنوات العشر المقبلة؟ -وآمل ألا تظهر أي أوبئة- عندها قد يركز الناس على أولوياتهم، ويقل تركيزهم على التأهب لمواجهة الأوبئة.
وقد بات هناك الآن شيئان موجودان:
1- هناك مراكز حول العالم ترصد ظهور الفيروسات الجديدة، وتتعاون فيما بينها.
2- بالنسبة لفيروس «كوفيد-19»، اعتقد الناس في البداية أن المشكلة تخص الصين فقط. وأستطيع أن أخبرك أنني كنت في أوروبا في ذلك الوقت، وكان الفيروس قد وصل إلى إيطاليا. وعديد من الناس وعديد من البلدان في جميع أنحاء أوروبا اعتقدوا أن الأمر يخص إيطاليا فقط، كما لو كان هناك حدود بين إيطاليا وبقية أوروبا يمكنها إيقاف انتشار العدوى، إذ كان هناك إنكار في ذلك الوقت في عديد من الأماكن. ولكن، لا أعتقد أنه سيكون هناك مثل هذه الحالة من الإنكار مرة أخرى.
> أبداً؟
- الآن، توجد مراكز ترصد ظهور الفيروسات الجديدة، ومن المرجح أن الحكومات ستبالغ في رد فعلها تجاه بعض الفيروسات الجديدة بدلاً من تجاهلها، وسيكون لدينا تقنيات جديدة يمكنها تقديم لقاحات جديدة للمرضى بشكل أسرع. فقد تعلم العالم أنه من أجل الحصول على لقاحات على هذا النطاق، فإننا بحاجة إلى تعاون بين القطاعين الخاص والعام، وعلينا أن نجعل الحكومات تعمل مع القطاع الصناعي الخاص ومع الأكاديميين، لتقديم اللقاحات إلى العالم بشكل أسرع.
ومن الجدير بالذكر أنه لولا استثمارات الحكومة الأميركية، لا أعتقد أننا كنا سنحصل على تلك اللقاحات بهذا الحجم الذي تمكنا من تصنيعه بهذه السرعة؛ حيث موَلت حكومة الولايات المتحدة تطوير عديد من اللقاحات؛ لأن الأمر كان يمثل خطوة محفوفة بالمخاطر، إذ إنه كان لدينا فيروس جديد، ولقاح جديد، ولا نعرف ما إذا كان سينجح أم لا. وكانت تكلفة تطوير اللقاح ستبلغ مئات الملايين من الدولارات، كما كان علينا إنشاء شبكة تصنيع ستكلفنا كثيراً من الأموال أيضاً، وكنا بحاجة لاستثمار الأموال الطائلة قبل أن نعرف مدى فعالية اللقاح. وقد قامت حكومة الولايات المتحدة بإرسال الطلبات بشكل مسبق، وخاطرت بالأموال في سبيل تطوير اللقاح. ولذا، فإنه من دون الولايات المتحدة، لا أعتقد أن العالم كان سيتفاعل مع الأمر بالشكل الذي رأيناه.
التطعيم
> تختلف وجهات نظر الأشخاص حول كيفية تعاملهم مع اللقاح، وكيفية تعاملهم مع عدوى «كوفيد-19» وكيفية تعاملهم مع الوباء. فما نصيحتك للجمهور؟
- أنا أقود مؤسسة علمية، ولذلك فأنا بالطبع أؤمن بالعِلم، وأؤمن بالنظر في البيانات. ونصيحتي هي أن ينظر الناس إلى هذه البيانات. فقد كان رد فعل المجتمع سريعاً بشكل لا يصدق تجاه هذا الفيروس، وكان هناك كثير من الأمور التي لم نكن نعرفها عن هذا الفيروس، وكثير من الأمور التي لم نكن نعرفها أيضاً عن اللقاحات المضادة له. وقال بعض الناس إن اللقاح لم يتم تطويره بالسرعة الكافية، وإن البلدان الفقيرة لم تحصل على اللقاحات بالسرعة الكافية. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء، فإننا سنجد أن الاستجابة كانت سريعة بشكل لا يصدق. لم تكن بالسرعة الكافية لبعض البلدان بالطبع؛ لكنها كانت سريعة عموماً. كما كان هناك كثير من الأمور المجهولة؛ حيث لم نكن نعرف كيفية استخدام اللقاحات، ولم نكن نعرف عواقب هذه التطعيمات، ولم نكن متأكدين بشكل كافٍ من الأشخاص الذين يجب تطعيمهم. وعندما لا يكون لديك كافة هذه المعلومات، فإنه سيأتي أشخاص مختلفون بحقائق أخرى خاصة بهم.
واليوم، باتت هناك بيانات كثيرة متوفرة بشكل أكبر، ويمكن للأشخاص الاطلاع على هذه البيانات. ومن الواضح الآن من خلال النظر إلى هذه البيانات أن التطعيم ضد عدوى «كوفيد-19» يعد مفيداً جداً بشكل حقيقي للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 50-55 عاماً، وهؤلاء الذين يعانون من أمراض مزمنة حادة. أما بالنسبة للأشخاص الأصغر سناً، فربما يكون التطعيم أقل أهمية، ويمكن أن يتم أخذ جرعتين فقط، وقد لا يحتاج هؤلاء إلى كثير من الجرعات المعززة؛ لأن لديهم مناعة أساسية يوفرها اللقاح، ومن المرجح أن تستمر لفترة طويلة.
وقد ظهر كثير من البيانات الآن، ويتعين على كل فرد أن يتخذ قراره بنفسه. فالأمر يعد مسألة صحية شخصية، وعليك أن تقرر كيف ستعالج نفسك، وعلى الجميع أن يختاروا. ولكن يجب أن ينظر الناس بشكل أساسي إلى البيانات، وليس الاكتفاء بالنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ يجب أن يسألوا العلماء وألا يعتمدوا على الإعلام.
وأكرر مرة أخرى أن المشكلة تكمن في أنه كان هناك عديد من الأشياء المجهولة، كما أننا كنا نتحرك بسرعة كبيرة؛ حيث قال بعض الخبراء في بداية الأمر أشياء ثبت أنها خاطئة، ما خلق بيئة جعلت الناس يقولون: انظروا إلى هذا الخبير، فقد قال كذا وكذا، ولكنه كان مخطئاً بشكل كامل؛ إذن، فلماذا نستمع إلى الخبراء؟ ولكن لدينا اليوم كمية كبيرة من البيانات، كما أصبحت الرؤية العلمية أكثر تماسكاً.
> ما نصيحتك؟
- نصيحتي للناس هي أن يستمعوا إلى العِلم، وليس إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
> أحد الأسباب التي مكنت أشخاصاً أمثالك من مساعدتنا على مواجهة هذا الوباء هو العمل الجماعي؛ حيث عملت القطاعات الخاصة والحكومات والعلماء والشركات معاً، وذلك لأن الأزمة كانت عابرة للحدود، وتشبه إلى حد بعيد أزمة تغير المناخ. إذن، ما الدروس المستفادة من معالجة هذا الوباء في مجال التصدي لتغير المناخ؟
- أعتقد أن الوصفة متشابهة جداً من نواحٍ عدة:
1- علينا أن ننظر إلى العِلم والتكنولوجيا لمساعدتنا في إيجاد الحلول؛ لأن لديهما عديداً من الحلول لأزمة تغير المناخ.
2- الشراكة بين القطاعين العام والخاص ضرورية.
فخلال عملية تطوير اللقاح المضاد لعدوى «كوفيد-19»، أقمنا شراكات رائعة مع الحكومة السعودية، وتحدثنا مع المسؤولين السعوديين عدة مرات عبر تقنية الفيديو، وعملنا أيضاً مع الحكومة المغربية. وقد أعجبت كثيراً بأنهم كانوا منظمين جداً في وقت مبكر للغاية، كما دخلنا في شراكة مع مصر. وقد كان هذا التعاون مع كافة هذه الدول ناجحاً للغاية، حتى أننا قمنا بشحن اللقاح إلى فلسطين. فقد كان هناك عديد من البلدان التي لم نفكر فيها بالضرورة، ولكن خلال المناقشات المختلفة تم سؤالنا عما إذا كان بإمكاننا شحن اللقاحات إلى فلسطين؛ لأنه لم يكن لديها لقاحات، ولذلك قمنا بالأمر.
وقد كان التعاون بين القطاعين العام والخاص ناجحاً للغاية، ويمكن أن ينطبق الشيء نفسه على مؤتمر «COP 27». فأثناء حضوري المؤتمر التقيت رئيس الوزراء المصري (مصطفى مدبولي)، ووزير الصحة (خالد عبد الغفار)، وبات لدينا برنامج في مصر يسمى «المستشفيات الخضراء»، ويتم تقديم هذه المبادرة من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وكذلك مع بعض المؤسسات الأكاديمية مثل المستشفيات. فالتعاون يعد أحد الحلول الرئيسية بشكل حقيقي.
أزمة المناخ
> هل تشعر بالإلحاح نفسه في التعامل مع أزمة تغير المناخ؟
- هذه هي الطبيعة البشرية عندما يتفاعل الناس مع تهديد كبير بسرعة كبيرة وبكثافة كبيرة. ولكن، بالنسبة للتهديد الخاص بتغير المناخ، فإن بعض الناس يدركون أنه أمر مُلِح، وبعض الأشخاص الآخرين لا ينظرون إليه باعتباره كذلك. والحقيقة هي أن الناس، عبر المناطق الجغرافية والدول المختلفة، لا يزالون يتجادلون بعضهم مع بعض حول أشياء أخرى. وفي حال أصبحنا غداً مهددين باعتبارنا جنساً بشرياً بكارثة طبيعية هائلة، فحينها سيدرك الجميع بسرعة أننا جميعاً في القارب نفسه. فنحن نتشارك جميعاً الكوكب نفسه، ولذا فإنه يتعين علينا جميعاً أن نعمل معاً. ولكن -مع الأسف- لا يبدو أن الشعور بالإلحاح بالمستوى المطلوب في الوقت الحالي. إلا أن إدراك الناس أنه يجب القيام بشيء ما حيال الأمر بات يزداد، وذلك بالنظر لما حدث في باكستان والفيضانات التي طالت أكثر من 10 ملايين طفل. فأنا فرنسي وأسترالي أيضاً، وشهدت الحرائق الهائلة في أستراليا، ثم الفيضانات. وهكذا، فإننا نرى تأثير تغير المناخ، ولذا فإن مزيداً ومزيداً من الناس يدركون أن هناك شيئاً ما يجب القيام به.
> هناك عنصر آخر أعتقد أنه قد يربط بين «كوفيد-19» وتغير المناخ، وهو العدالة، فقد لعبت شركة «أسترازينيكا» دوراً كبيراً في إقامة العدل من خلال توفير اللقاح للفقراء بشكل مجاني تقريباً، دون أي ربح. ولكن هناك شعوراً بأن الدول الفقيرة والفقراء يدفعون ثمناً أكبر بسبب هذا الوباء وأزمة تغير المناخ.
- قطعاً، وهذا أمر صحيح بالفعل. فقد التقيت مع الأمين العام للكومنولث الذي يتكون من 56 دولة، أكبرها الهند التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، وأصغرها جزيرة يبلغ عدد سكانها 11000 نسمة، ويمكنك أن ترى دولاً بدأت تعاني داخل الكومنولث؛ حيث تقول بعض الجزر إنها لن تكون موجودة قريباً، إذ إنها ستغرق نتيجة تغير المناخ. وعندما ترى أن جزءاً كبيراً من القطب الجنوبي قد بدأ في الانهيار، وفي حال ذاب جليده فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة مستوى المياه بمقدار 63 سنتيمتراً في كل مكان حول العالم، حينها ستختفي بعض أجزاء العالم تحت الماء. وعادة ما تعاني أفقر أجزاء العالم أولاً، كما هو الحال دائماً مع الأسف.
وإذا نظرت إلى قضية تغير المناخ، فإنك ستجد أن الناس يتحدثون عن زيادة درجة الحرارة بمتوسط يبلغ 1.5 درجة أو 2، ولكن الحقيقة هي أن بعض أجزاء العالم ستعاني أكثر من ذلك بكثير. ففي الجزء الشمالي من قارة أفريقيا، ستكون الزيادة في درجات الحرارة أكبر بكثير، كما ستعاني هذه المنطقة من الجفاف، وسيكون الأمر مروعاً للناس هناك، وسنشهد هجرة جماعية.
وقد تم الاتفاق في مؤتمر «COP 27» على إنشاء صندوق لتمويل «الخسائر والأضرار» من أجل مساعدة البلدان الفقيرة. وعلى الرغم من أنني أعتقد أن هذا أمر جيد، فإنه ليس كافياً. فالحل هو وقف انبعاثات الكربون بشكل حقيقي، وإلا فإننا سنكون في طريقنا نحو كارثة هائلة للجميع.
> هل أنت الآن أكثر تفاؤلاً مما كنت عليه قبل سنوات قليلة، فيما يتعلق بمعالجة قضية تغير المناخ؟
- نعم، أنا كذلك؛ لأن إدراك الناس للمشكلة آخذ في الازدياد، كما أن الصناعات والمؤسسات الخاصة باتت تنخرط في الأمر، وباتت حكومة الولايات المتحدة تأخذ الآن زمام المبادرة أيضاً، وأصبحت هذه القضية موجودة في جداول أعمال عديد من الحكومات. صحيح أن بعض الشركات وبعض الحكومات تتحدث عن المشروعات الخضراء بينما لا تتخذ كثيراً من الإجراءات لتنفيذها، ولكن هناك مزيداً ومزيداً من البلدان والشركات التي تتخذ تدابير حقيقية.
كما أن هناك اتجاهاً متزايداً لإفصاح الصناعات عما تفعله لمواجهة تغير المناخ، ومن ثم يمكن للناس مراقبة ما يفعلونه وتتبعه وانتقاده. وأعتقد أننا نسير في الاتجاه الصحيح، ولكن المشكلة تتعلق بما إذا كنا نتحرك بالسرعة الكافية، إذ إنه في الواقع يخبرنا العلماء أن تنبؤاتهم التي توصلوا إليها قبل 10-15 عاماً باتت تحدث بشكل أسرع بكثير مما كانوا يعتقدون. ولذا فإننا نظل في هذه الحلقة المفرغة؛ حيث تسوء الأمور أكثر مما كان متوقعاً، وتتسارع بشكل أكبر.
> في أوروبا، لاحظنا أن الأشهر القليلة الماضية لم تأت بأخبار جيدة بالنسبة لمعالجة أزمة تغير المناخ؛ لأننا سمعنا مرة أخرى أنه بسبب الحرب في أوكرانيا فإن بعض الدول والكيانات الأوروبية تتحدث عن استخدام مصادر الطاقة القديمة، مثل الفحم.
- قطعاً، فالحقيقة هي أننا يجب أن نكون واقعيين وعمليين حيال ذلك. وحقيقة الحياة هي أن هذه الحكومات منتخبة، وذلك على الأقل في الدول الديمقراطية، ولذا فإن هذه الحكومات ستركز على بلدانها، وستفكر فيما يجب أن تفعله لناخبيها وشعبها. ومرة أخرى يعد وباء «كوفيد-19» مثالاً جيداً أيضاً على ما يحدث في مثل تلك المواقف. فقد كان بعض البلدان ينتج كثيراً من جرعات اللقاح، وكان العالم يقول إن هذه الدول بحاجة إلى مشاركة هذه الجرعات مع الآخرين، ولكنها لم تفعل ذلك؛ بل بدأت هذه الدول في مشاركتها عندما بات لديها ما يكفي لها، وبمجرد أن أصبح لديها ما يكفي لتغطية سكانها، بدأت في المشاركة، ولكنها لم تشارك عدداً كبيراً من اللقاحات قبل هذه المرحلة. صحيح أنك قد تنتقد هذا التصرف، ولكن في نهاية الأمر هذه حقيقة من حقائق الحياة. فالمسؤولون المنتخبون سيهتمون بشعوبهم أولاً. صحيح أنه أمر مؤسف بعض الشيء، وبالتأكيد كنا نأمل أن يشاركوا الجرعات بشكل أكثر وأسرع؛ لكنهم في الواقع ليس بمقدورهم فعل ذلك. وهو بالفعل الشيء نفسه هنا في قضية الطاقة؛ حيث تقول الدول إنه يجب عليها التأكد من أن الناس لديها الكهرباء والتدفئة اللازمة لفصل الشتاء، وإلا فإنه سيتم عزل هؤلاء السياسيين في الانتخابات المقبلة. ولذا، فإن علينا أن نأخذ هذا في الاعتبار عند النظر في كيفية التخطيط لمعالجة أزمة تغير المناخ.
ومن ناحية أخرى، فإن الجانب المشرق في حرب أوكرانيا والعقوبات، هو أن الناس باتوا يدركون أننا بحاجة إلى الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة لنصبح مستقلين؛ إذ تهدف اسكوتلندا -على سبيل المثال- إلى أن تصبح مكتفية ذاتياً بشكل كامل باستخدام الطاقة المتجددة. وقد التقيت برئيس وزراء آيرلندا (مايكل مارتن) مؤخراً، وهو لديه الهدف نفسه أيضاً. كما أننا أصبحنا نرى البلدان تضع بشكل تدريجي جدول أعمال يمنحها الاستقلال في مجال الطاقة من خلال المصادر الخضراء.
إيرادات «أسترازينيكا»
> في 10 نوفمبر (تشرين الثاني)، أعلنت شركة «أسترازينيكا» عن نتائجها المالية للربع الثالث من العام الحالي، والتي تضمنت إيرادات أعلى من المتوقع. وأشارت إلى أن تلك الأرباح لم تكن بسبب اللقاح المضاد لعدوى «كوفيد-19»؛ بل من مصادر أخرى.
- الحقيقة هي أن تركيزنا بوصفنا شركة، ينصب على أدوية مرض السرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الكلى، والسكري، والأمراض المتعلقة بالتمثيل الغذائي، وكذلك أمراض الجهاز التنفسي والربو والأمراض النادرة. ولدينا مجموعة قوية جداً من المنتجات الجديدة التي قمنا بإطلاقها في كل مكان. ولذا، فإن النمو الذي حققناه مؤخراً يعد مدفوعاً بكل تلك المنتجات الجديدة. فخلال الربع الثالث حصلنا على 19 موافقة لمنتجات جديدة. فنحن ننمو لأن عملنا الأساسي ينمو، ولكن لقاحات «كوفيد-19» لم تحقق أي ربح. صحيح أننا ما زلنا نقوم بتسليم جرعات اللقاح هذا العام، ولكن مبيعاته لا تحقق كثيراً من الأرباح؛ لأننا نبيع بسعر قريب من سعر التكلفة.
> ما نسبة النمو؟
- في الواقع، كان النمو الذي حققناه أكثر بقليل من 11 في المائة لهذا الربع من العام، وذلك بسبب جميع أنواع المنتجات التي نصنعها. فلدينا منتج لأمراض الكلى، وأمراض القلب، والسكري، كما تنمو مبيعات عديد من منتجات السرطان أيضاً بشكل كبير، فضلاً عن أننا نستثمر في منظومة البحث والتطوير (R&D). وقد نما الإيراد السنوي حتى نهاية سبتمبر (أيلول) بنسبة 36 في المائة، مدفوعة بالاستثمار في هذه المنظومة، وبتقديم منتجات جيدة.
كما شهد الربع الثالث من العام الحالي زيادة بنسبة 19 في المائة، بالإضافة إلى الـ11 في المائة التي أشرت إليها بسبب منتجاتنا الأساسية، من دون جميع المنتجات المضافة. وفي حال قمنا بتضمين هذه المنتجات الأخيرة، مثل منتجات الأمراض النادرة التي حصلنا عليها وجميع المنتجات الجديدة، فإن نسبة النمو هذا العام ستكون 37 في المائة، و19 في المائة في الربع الثالث.
> لم تعد شركة «أسترازينيكا» تنتج كثيراً من اللقاحات المضادة لـ«كوفيد-19»، هل هذا صحيح؟
- نحن ننتج لقاح «كوفيد-19» من خلال الشبكة الخاصة بنا. فقد تم تصنيع بعضها بواسطة شريكنا في الهند، كما قمنا بتصنيع لقاح في تايلاند لجنوب آسيا، وآخر في البرازيل من أجل البرازيل، وفي المكسيك لأميركا اللاتينية، إذ إن لدينا شبكة كاملة من الشركات المصنعة في عديد من المناطق الجغرافية حول العالم، كما قمنا أيضاً بتصنيع اللقاح في أوروبا والمملكة المتحدة واليابان والصين التي لدينا شراكة فيها؛ لكن حكومة بكين قررت التركيز على اللقاحات المطورة محلياً والتي زودت بها بعض البلدان. كما أعرف أن الإمارات العربية المتحدة قامت أيضاً بجلب كثير من اللقاحات الصينية.
> ما رأيك في سياسة الصين الخاصة بـ«صفر كوفيد» من وجهة نظر العِلم؟
- من وجهة النظر العلمية، فإنني كنت أتفهم هذه السياسة في المرحلة الأولية من انتشار الوباء؛ لأنهم في تلك الفترة قاموا بحماية سكانهم بشكل جيد للغاية. ولكن يجب أن أقول اليوم إنه يتعين عليهم في مرحلة ما الانتقال. الصين لا يمكنها الاستمرار في الإغلاق إلى الأبد، فهم بحاجة إلى إعادة الفتح لتسهيل الاتصال والتجارة مع بقية العالم، وحتى يلتقي الناس بعضهم ببعض.
وبالعودة إلى تهديد الانبعاث الكربوني وتهديد تغير المناخ، فأعتقد حقاً أن التعاون على المستوى العالمي هو الحل، وأيضاً أن يدرك الناس أننا جميعاً متماثلون ونتشارك الكوكب ذاته. ففي نهاية الأمر، لدينا جميعاً الآمال نفسها، والقلق نفسه، والمخاوف نفسها. فنحن الأشخاص ذواتهم أينما كنا في العالم، ولكنك لن تدرك ذلك إلا في حال قابلت أشخاصاً مختلفين. ولكن، إذا كنت تعيش في بلد ما، ولم تغادر بلدك قط، ولم تقابل أشخاصاً من دول أخرى قط، فإنه من السهل جداً أن تعتقد أنهم مختلفون؛ لكن عندما تقابل أشخاصاً من دول أخرى فسرعان ما تدرك أنهم مثلك، لديهم الآمال ذاتها والقلق ذاته. آمل أن تفتح الصين بشكل كامل في المستقبل القريب، ليلتقي الناس مجدداً ويتعاونون.
وأنا سعيد حقاً لأننا سنلتقي بفريقنا الصيني الذي سينضم إلينا في منطقة الشرق الأوسط وبقية المنطقة الدولية، في دبي، الأسبوع المقبل. فريقنا سيجتمع مرة أخرى وهذا أمر جيد.
> ما التوقعات المستقبلية لشركة «أسترازينيكا» على مستوى العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
- رؤيتنا تبدو قوية جداً. فقد أخبرنا السوق أننا نتوقع أن ننمو بأرقام مزدوجة تتراوح ما بين 10 و12 في المائة على أساس سنوي حتى عام 2025. وعلى الرغم من أننا لا نعطي توجيهات لما بعد عام 2025، فإننا أخبرنا السوق أننا نتوقع أن ننمو بشكل رائد في الصناعة، وهو ما ترجمه عديد من المحللين إلى أرقام عالية مكونة من رقم واحد. ونتوقع تحقيق ذلك من خلال إطلاق منتجات جديدة.
أما في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وفي أميركا اللاتينية وجنوب آسيا والصين، فإننا سننمو لأن هذا هو المكان الذي يوجد فيه الناس بكثافة، كما أن لدينا مجموعة من المنتجات التي تغطي الأمراض الشائعة التي يمكن علاجها بمنتجات منخفضة التكلفة، وصولاً إلى منتجات باهظة الثمن لعلاج السرطان والأمراض النادرة الأخرى.
وينتشر مرض السكري وأمراض الكلى وأمراض القلب بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما تنتشر أمراض الربو. ولدينا منتجات ليست باهظة الثمن تعالج تلك الأمراض، ونتوقع أن ننمو كثيراً في جميع تلك المناطق.


مقالات ذات صلة

النوبة القلبية في عمر الشباب... ما أسبابها؟ وكيف تحمي نفسك منها؟

صحتك النوبات القلبية قد تحدث في أي سن (رويترز)

النوبة القلبية في عمر الشباب... ما أسبابها؟ وكيف تحمي نفسك منها؟

صحيح أن خطر الإصابة بنوبة قلبية يزداد مع التقدم في السن، إلا أن الشباب ليسوا بمنأى عنها. فالنوبات القلبية قد تحدث في أي سن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك شرب كوب واحد من ماء الليمون يومياً يسهم في تعزيز جهازك المناعي (الشرق الأوسط)

ماذا يحدث لضغط دمك عند شرب ماء الليمون بانتظام؟

يُعد ارتفاع ضغط الدم حالة شائعة تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية. وقد يُسهم شرب ماء الليمون بانتظام في خفض ضغط الدم تدريجياً مع مرور الوقت.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك البطاطا الحلوة تتفوق على الجزر من حيث محتوى البيتا كاروتين (بيكسباي)

3 أطعمة مفيدة لصحة العين أكثر من الجزر

عندما يتعلق الأمر بالبيتا كاروتين، وهي صبغة نباتية تتحول داخل الجسم إلى «فيتامين أ»، قلّما تجد أطعمة تضاهي الجزر... فما هي الأطعمة الأخرى الغنية به؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك نوم حركة العين السريعة تُعد مرحلة نشطة من النوم تتميز بارتفاع النشاط الدماغي (بيكسلز)

«الضوضاء الوردية»... هل تضر بجودة نومك أم تحسنها؟

الضوضاء الوردية عبارة عن صوت هادئ ومستمر يحتوي على جميع الترددات التي يستطيع الإنسان سماعها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الثوم يتمتع بخصائص مضادة للالتهابات تساعد على مكافحة العدوى (بيكسلز)

5 أطعمة تتفوّق على الثوم في تعزيز المناعة

يُعدّ اتباع نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية وسيلة مثبتة علمياً لتعزيز صحة الجهاز المناعي والوقاية من الأمراض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».