رئيس «أسترازينيكا»: يجب أن نتعايش مع «كورونا»... ولن أنسى لحظة «اختراعنا» اللقاح

حث في حديث لـ«الشرق الأوسط» على معالجة التغيّر المناخي بـ«وصفة مواجهة الوباء»... وقال إن الصين لا يمكنها الاستمرار في الإغلاق إلى الأبد

السير باسكال سوريوت (شركة أسترازينيكا)
السير باسكال سوريوت (شركة أسترازينيكا)
TT

رئيس «أسترازينيكا»: يجب أن نتعايش مع «كورونا»... ولن أنسى لحظة «اختراعنا» اللقاح

السير باسكال سوريوت (شركة أسترازينيكا)
السير باسكال سوريوت (شركة أسترازينيكا)

قال الرئيس التنفيذي لـشركة «أسترازينيكا»، السير باسكال سوريوت، في حديث الى «الشرق الأوسط»، إن وباء «كوفيد-19» (كورونا) لم ينتهِ، و«وعلينا فقط التكيف مع الأمر كما تعايشنا مع فيروسات الإنفلونزا. معظم الأشخاص الذين يصابون بها يمرضون بشكل أساسي لبضعة أيام فقط، ولا يحتاجون إلى تلقي العلاج في المستشفيات؛ لأن اللقاحات توفر المناعة الأساسية اللازمة»؛ مشيراً إلى ضرورة الانتباه إلى «عدوى (كورونا) طويلة الأمد، وحماية مناعة الأشخاص المعرضين للخطر». وعن شعوره الشخصي لدى سماعه نبأ وصول شركته إلى لقاح ضد «كوفيد-19»، قال: «شاركت بشكل كبير في المناقشات التي أجريت مع باحثي جامعة أكسفورد، وفي عمليات تطوير اللقاح. وعندما علمنا أن لدينا لقاحاً فعالاً وقال فريقنا إنه يمكننا تصنيعه، كنت سعيداً للغاية؛ لأننا اعتقدنا أنه يمكننا إحداث فرق». وقال: «نصيحتي للناس هي أن يستمعوا إلى العِلم وليس إلى وسائل التواصل الاجتماعي». وسئل عن سياسة الصين الخاصة بـ«صفر كوفيد»، فأجاب: «كنت أتفهم هذه السياسة في المرحلة الأولية من انتشار الوباء... ولكن يجب أن أقول اليوم إنه يتعين عليهم في مرحلة ما الانتقال، الصين لا يمكنها الاستمرار في الإغلاق إلى الأبد. فهم بحاجة إلى إعادة الفتح لتسهيل الاتصال والتجارة مع بقية العالم، وحتى يلتقي الناس بعضهم ببعض». ودعا إلى نسخ تجربة التعاون في مواجهة التغير المناخي. وهنا نص الحديث الذي جرى عبر تطبيق «تيميز» أول من أمس:
> ندرك جميعاً أن اهتمامات «أسترازينيكا» تتجاوز وباء «كوفيد-19»؛ لكن هل تعتقد أن هذه الجائحة قد انتهت؟
- مع الأسف، لا أعتقد أن وباء «كوفيد-19» قد انتهى؛ بل أتصور أن هذه الجائحة ستبقى معنا لبعض الوقت، وعلينا فقط التكيف مع الأمر كما تعايشنا مع فيروسات الإنفلونزا. وأعتقد أن أكبر مشكلة سنواجهها هذا العام هي فيروسات الإنفلونزا، وعدوى الفيروس المخلوي التنفسي (RSV). صحيح أن عدوى «كوفيد-19» لا تزال موجودة، ولكن معظم الأشخاص الذين يصابون بها يمرضون بشكل أساسي لبضعة أيام فقط، ولا يحتاجون إلى تلقي العلاج في المستشفيات؛ لأن اللقاحات توفر المناعة الأساسية اللازمة.
فيروس «كوفيد-19» سيظل موجوداً، وسنحتاج إلى معالجته، ولكن الأمور التي تحتاج أن نركز انتباهنا عليها هي عدوى «كورونا» طويلة الأمد، ومناعة الأشخاص المعرضين للخطر.
> كما ذكرت، علينا الآن أن نتعلم كيف نتعايش مع وباء «كوفيد-19»، وذلك بفضل بعض الرواد وبعض القادة والمديرين التنفيذيين والشركات الذين ساعدونا في الحصول على بعض الحصانة، والتعايش مع الوباء. وتعد شركة «أسترازينيكا» بالتأكيد واحدة منهم، وكذلك أنت. ولكن، كيف كان شعورك عندما سمعت لأول مرة عن «كوفيد-19»؟ وكذلك عندما سمعت الأخبار السارة من جامعة أكسفورد ومختبرات شركتك، بأنه قد تم التوصل إلى لقاح؟
- لقد تطور الأمر شيئاً فشيئاً في ذلك الوقت؛ لأننا سمعنا عن عدوى «كوفيد-19» تماماً مثل بقية سكان العالم في يناير (كانون الثاني) 2020. لدينا وجود كبير في الصين، ولدينا مقر في شنغهاي، ونحو 20 ألف موظف في الصين. وكما يمكنك أن تتخيل، فقد سمعنا عن «كوفيد-19» وتأثيره على الناس في الصين في وقت مبكر للغاية، وكنا نتتبع ما كان يحدث، وفكَّرنا في الكيفية التي يمكننا المساعدة من خلالها.
3 مليارات جرعة لقاح
> ماذا حصل؟
- في بداية الأمر، ساعدنا ببساطة في شراء الأقنعة الواقية (الكمامات)؛ حيث تمكنَّا من تسليمها إلى المستشفيات التي لا يوجد فيها أي منها، ثم تساءلنا: ماذا يمكننا أن نفعل أيضاً؟ وبدأنا في النظر إلى بعض الأدوية التي تنتجها شركتنا وكيفية إعادة استخدامها، لنرى ما إذا كان يمكن استخدامها لعلاج عدوى «كوفيد-19»، وبعد ذلك بدأنا تطوير تركيبات الأجسام المضادة طويلة المفعول الخاصة بنا (Evusheld)، ثم في وقت ما، في أبريل (نيسان) 2020 تقريباً، عندما كنا نبحث عن مزيد من الأمور التي يمكننا القيام بها، علمنا بأمر اللقاح الذي تم التوصل له في أكسفورد، واتفقنا مع الجامعة على أنه يمكننا التعاون معهم. وكان تعاوننا ناجحاً للغاية. ويسعدنا جداً أننا تمكنَّا من المشاركة في هذا الجهد والمساعدة.
لم يكن الأمر مجرد رحلة بسيطة؛ لأنه كما يمكنك أن تتخيل، أخذنا لقاحاً كان فريق عظيم من العلماء في الجامعة قد قاموا بإنشائه في مختبر أكاديمي، وبدأوا تطويره، ولكنهم كانوا يطورونه ويقومون بالتجارب بالطريقة التي تستخدمها المراكز الأكاديمية، وليس بالطريقة التي يستخدمها قطاع الصناعة. لقد كان الأمر صعباً في بعض الأوقات. فعلى سبيل المثال، الولايات المتحدة طرحت جميع الأسئلة الممكنة؛ لأن الطريقة التي تم بها إجراء التجارب الأولية في أكسفورد لم تكن مماثلة للطريقة التي تعمل بها الصناعة، ولذلك كان علينا اللحاق بالركب، والقيام بجميع الخطوات اللازمة لتكييف البرنامج مع معيار الصناعة ومعيار إدارة الغذاء والدواء (FDA).
وكانت هناك أسابيع وشهور من العمل المكثف، وكان الأمر يمثل تحدياً كبيراً بالطبع، ولكنه كان مجزياً للغاية؛ لأننا أحدثنا فرقاً كبيراً. وكما تعلم، فقد قدمنا أكثر من 3 مليارات جرعة من اللقاح، وهناك تقديرات مستقلة بأن اللقاح أنقذ حياة 6.3 مليون شخص على مستوى العالم.
> على المستوى الشخصي، كيف شعرت عندما سمعت الأخبار من فريقك بأن «أسترازينيكا» طورت اللقاح، وتمت الموافقة عليه؟
- لقد شاركت بشكل كبير في المناقشات التي أجريت مع باحثي جامعة أكسفورد وفي عمليات تطوير اللقاح. وعندما علمنا أن لدينا لقاحاً فعالاً، وقال فريقنا إنه يمكننا تصنيعه، كنت سعيداً للغاية؛ لأننا اعتقدنا أنه يمكننا إحداث فرق.
وقد أنشأنا سلاسل التوريد في جميع أنحاء العالم، لتزويد مناطق جغرافية مختلفة من خلال سلاسل التوريد المختلفة، حتى نتمكن من تزويد الجميع باللقاح، ولكن حدث شيء واحد أدى إلى حدوث مشكلة، وهو أننا اتفقنا على الشراكة مع معهد الأمصال في الهند الذي يملك قدرة كبيرة على التصنيع على نطاق واسع، واتفقنا مع المعهد والحكومة الهندية على أن نصف إنتاج المعهد سيبقى في نيودلهي، أما النصف الآخر فسيتم تصديره إلى عدد من الدول حول العالم. ولكن، عندما ازدادت حالات الإصابة بفيروس «كوفيد-19» بشكل كبير في الهند، اضطرت الحكومة إلى إعطاء الأولوية لمواطنيها، وقررت الاحتفاظ بكل جرعات اللقاح المصنعة لسكان البلاد. وقد أدى ذلك إلى حدوث مشكلات في الإمداد في كثير من البلدان. فقد واجهنا تحديات عديدة بلا شك، ولكن الجميع في «أسترازينيكا» كان سعيداً بتأمين هذا اللقاح.
> نجحتَ في تحقيق ذلك من خلال العمل مع العلماء والأشخاص المختلفين. فما الدروس المستفادة من هذه العملية؟ وهل أصبحنا أكثر استعداداً الآن لمواجهة أي جائحة محتملة في المستقبل؟
- باعتبارنا مجتمعاً، ربما نكون أكثر استعداداً. فعلى الرغم من أن الوضع ليس مثالياً، فإننا أكثر استعداداً بالفعل، وذلك يرجع بشكل أساسي إلى أن الناس يضعون التحديات التي فرضها الوباء في اعتبارهم. ولكن السؤال المهم الآن هو: ماذا إذا لم تظهر أوبئة أخرى في غضون السنوات العشر المقبلة؟ -وآمل ألا تظهر أي أوبئة- عندها قد يركز الناس على أولوياتهم، ويقل تركيزهم على التأهب لمواجهة الأوبئة.
وقد بات هناك الآن شيئان موجودان:
1- هناك مراكز حول العالم ترصد ظهور الفيروسات الجديدة، وتتعاون فيما بينها.
2- بالنسبة لفيروس «كوفيد-19»، اعتقد الناس في البداية أن المشكلة تخص الصين فقط. وأستطيع أن أخبرك أنني كنت في أوروبا في ذلك الوقت، وكان الفيروس قد وصل إلى إيطاليا. وعديد من الناس وعديد من البلدان في جميع أنحاء أوروبا اعتقدوا أن الأمر يخص إيطاليا فقط، كما لو كان هناك حدود بين إيطاليا وبقية أوروبا يمكنها إيقاف انتشار العدوى، إذ كان هناك إنكار في ذلك الوقت في عديد من الأماكن. ولكن، لا أعتقد أنه سيكون هناك مثل هذه الحالة من الإنكار مرة أخرى.
> أبداً؟
- الآن، توجد مراكز ترصد ظهور الفيروسات الجديدة، ومن المرجح أن الحكومات ستبالغ في رد فعلها تجاه بعض الفيروسات الجديدة بدلاً من تجاهلها، وسيكون لدينا تقنيات جديدة يمكنها تقديم لقاحات جديدة للمرضى بشكل أسرع. فقد تعلم العالم أنه من أجل الحصول على لقاحات على هذا النطاق، فإننا بحاجة إلى تعاون بين القطاعين الخاص والعام، وعلينا أن نجعل الحكومات تعمل مع القطاع الصناعي الخاص ومع الأكاديميين، لتقديم اللقاحات إلى العالم بشكل أسرع.
ومن الجدير بالذكر أنه لولا استثمارات الحكومة الأميركية، لا أعتقد أننا كنا سنحصل على تلك اللقاحات بهذا الحجم الذي تمكنا من تصنيعه بهذه السرعة؛ حيث موَلت حكومة الولايات المتحدة تطوير عديد من اللقاحات؛ لأن الأمر كان يمثل خطوة محفوفة بالمخاطر، إذ إنه كان لدينا فيروس جديد، ولقاح جديد، ولا نعرف ما إذا كان سينجح أم لا. وكانت تكلفة تطوير اللقاح ستبلغ مئات الملايين من الدولارات، كما كان علينا إنشاء شبكة تصنيع ستكلفنا كثيراً من الأموال أيضاً، وكنا بحاجة لاستثمار الأموال الطائلة قبل أن نعرف مدى فعالية اللقاح. وقد قامت حكومة الولايات المتحدة بإرسال الطلبات بشكل مسبق، وخاطرت بالأموال في سبيل تطوير اللقاح. ولذا، فإنه من دون الولايات المتحدة، لا أعتقد أن العالم كان سيتفاعل مع الأمر بالشكل الذي رأيناه.
التطعيم
> تختلف وجهات نظر الأشخاص حول كيفية تعاملهم مع اللقاح، وكيفية تعاملهم مع عدوى «كوفيد-19» وكيفية تعاملهم مع الوباء. فما نصيحتك للجمهور؟
- أنا أقود مؤسسة علمية، ولذلك فأنا بالطبع أؤمن بالعِلم، وأؤمن بالنظر في البيانات. ونصيحتي هي أن ينظر الناس إلى هذه البيانات. فقد كان رد فعل المجتمع سريعاً بشكل لا يصدق تجاه هذا الفيروس، وكان هناك كثير من الأمور التي لم نكن نعرفها عن هذا الفيروس، وكثير من الأمور التي لم نكن نعرفها أيضاً عن اللقاحات المضادة له. وقال بعض الناس إن اللقاح لم يتم تطويره بالسرعة الكافية، وإن البلدان الفقيرة لم تحصل على اللقاحات بالسرعة الكافية. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء، فإننا سنجد أن الاستجابة كانت سريعة بشكل لا يصدق. لم تكن بالسرعة الكافية لبعض البلدان بالطبع؛ لكنها كانت سريعة عموماً. كما كان هناك كثير من الأمور المجهولة؛ حيث لم نكن نعرف كيفية استخدام اللقاحات، ولم نكن نعرف عواقب هذه التطعيمات، ولم نكن متأكدين بشكل كافٍ من الأشخاص الذين يجب تطعيمهم. وعندما لا يكون لديك كافة هذه المعلومات، فإنه سيأتي أشخاص مختلفون بحقائق أخرى خاصة بهم.
واليوم، باتت هناك بيانات كثيرة متوفرة بشكل أكبر، ويمكن للأشخاص الاطلاع على هذه البيانات. ومن الواضح الآن من خلال النظر إلى هذه البيانات أن التطعيم ضد عدوى «كوفيد-19» يعد مفيداً جداً بشكل حقيقي للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 50-55 عاماً، وهؤلاء الذين يعانون من أمراض مزمنة حادة. أما بالنسبة للأشخاص الأصغر سناً، فربما يكون التطعيم أقل أهمية، ويمكن أن يتم أخذ جرعتين فقط، وقد لا يحتاج هؤلاء إلى كثير من الجرعات المعززة؛ لأن لديهم مناعة أساسية يوفرها اللقاح، ومن المرجح أن تستمر لفترة طويلة.
وقد ظهر كثير من البيانات الآن، ويتعين على كل فرد أن يتخذ قراره بنفسه. فالأمر يعد مسألة صحية شخصية، وعليك أن تقرر كيف ستعالج نفسك، وعلى الجميع أن يختاروا. ولكن يجب أن ينظر الناس بشكل أساسي إلى البيانات، وليس الاكتفاء بالنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ يجب أن يسألوا العلماء وألا يعتمدوا على الإعلام.
وأكرر مرة أخرى أن المشكلة تكمن في أنه كان هناك عديد من الأشياء المجهولة، كما أننا كنا نتحرك بسرعة كبيرة؛ حيث قال بعض الخبراء في بداية الأمر أشياء ثبت أنها خاطئة، ما خلق بيئة جعلت الناس يقولون: انظروا إلى هذا الخبير، فقد قال كذا وكذا، ولكنه كان مخطئاً بشكل كامل؛ إذن، فلماذا نستمع إلى الخبراء؟ ولكن لدينا اليوم كمية كبيرة من البيانات، كما أصبحت الرؤية العلمية أكثر تماسكاً.
> ما نصيحتك؟
- نصيحتي للناس هي أن يستمعوا إلى العِلم، وليس إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
> أحد الأسباب التي مكنت أشخاصاً أمثالك من مساعدتنا على مواجهة هذا الوباء هو العمل الجماعي؛ حيث عملت القطاعات الخاصة والحكومات والعلماء والشركات معاً، وذلك لأن الأزمة كانت عابرة للحدود، وتشبه إلى حد بعيد أزمة تغير المناخ. إذن، ما الدروس المستفادة من معالجة هذا الوباء في مجال التصدي لتغير المناخ؟
- أعتقد أن الوصفة متشابهة جداً من نواحٍ عدة:
1- علينا أن ننظر إلى العِلم والتكنولوجيا لمساعدتنا في إيجاد الحلول؛ لأن لديهما عديداً من الحلول لأزمة تغير المناخ.
2- الشراكة بين القطاعين العام والخاص ضرورية.
فخلال عملية تطوير اللقاح المضاد لعدوى «كوفيد-19»، أقمنا شراكات رائعة مع الحكومة السعودية، وتحدثنا مع المسؤولين السعوديين عدة مرات عبر تقنية الفيديو، وعملنا أيضاً مع الحكومة المغربية. وقد أعجبت كثيراً بأنهم كانوا منظمين جداً في وقت مبكر للغاية، كما دخلنا في شراكة مع مصر. وقد كان هذا التعاون مع كافة هذه الدول ناجحاً للغاية، حتى أننا قمنا بشحن اللقاح إلى فلسطين. فقد كان هناك عديد من البلدان التي لم نفكر فيها بالضرورة، ولكن خلال المناقشات المختلفة تم سؤالنا عما إذا كان بإمكاننا شحن اللقاحات إلى فلسطين؛ لأنه لم يكن لديها لقاحات، ولذلك قمنا بالأمر.
وقد كان التعاون بين القطاعين العام والخاص ناجحاً للغاية، ويمكن أن ينطبق الشيء نفسه على مؤتمر «COP 27». فأثناء حضوري المؤتمر التقيت رئيس الوزراء المصري (مصطفى مدبولي)، ووزير الصحة (خالد عبد الغفار)، وبات لدينا برنامج في مصر يسمى «المستشفيات الخضراء»، ويتم تقديم هذه المبادرة من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وكذلك مع بعض المؤسسات الأكاديمية مثل المستشفيات. فالتعاون يعد أحد الحلول الرئيسية بشكل حقيقي.
أزمة المناخ
> هل تشعر بالإلحاح نفسه في التعامل مع أزمة تغير المناخ؟
- هذه هي الطبيعة البشرية عندما يتفاعل الناس مع تهديد كبير بسرعة كبيرة وبكثافة كبيرة. ولكن، بالنسبة للتهديد الخاص بتغير المناخ، فإن بعض الناس يدركون أنه أمر مُلِح، وبعض الأشخاص الآخرين لا ينظرون إليه باعتباره كذلك. والحقيقة هي أن الناس، عبر المناطق الجغرافية والدول المختلفة، لا يزالون يتجادلون بعضهم مع بعض حول أشياء أخرى. وفي حال أصبحنا غداً مهددين باعتبارنا جنساً بشرياً بكارثة طبيعية هائلة، فحينها سيدرك الجميع بسرعة أننا جميعاً في القارب نفسه. فنحن نتشارك جميعاً الكوكب نفسه، ولذا فإنه يتعين علينا جميعاً أن نعمل معاً. ولكن -مع الأسف- لا يبدو أن الشعور بالإلحاح بالمستوى المطلوب في الوقت الحالي. إلا أن إدراك الناس أنه يجب القيام بشيء ما حيال الأمر بات يزداد، وذلك بالنظر لما حدث في باكستان والفيضانات التي طالت أكثر من 10 ملايين طفل. فأنا فرنسي وأسترالي أيضاً، وشهدت الحرائق الهائلة في أستراليا، ثم الفيضانات. وهكذا، فإننا نرى تأثير تغير المناخ، ولذا فإن مزيداً ومزيداً من الناس يدركون أن هناك شيئاً ما يجب القيام به.
> هناك عنصر آخر أعتقد أنه قد يربط بين «كوفيد-19» وتغير المناخ، وهو العدالة، فقد لعبت شركة «أسترازينيكا» دوراً كبيراً في إقامة العدل من خلال توفير اللقاح للفقراء بشكل مجاني تقريباً، دون أي ربح. ولكن هناك شعوراً بأن الدول الفقيرة والفقراء يدفعون ثمناً أكبر بسبب هذا الوباء وأزمة تغير المناخ.
- قطعاً، وهذا أمر صحيح بالفعل. فقد التقيت مع الأمين العام للكومنولث الذي يتكون من 56 دولة، أكبرها الهند التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، وأصغرها جزيرة يبلغ عدد سكانها 11000 نسمة، ويمكنك أن ترى دولاً بدأت تعاني داخل الكومنولث؛ حيث تقول بعض الجزر إنها لن تكون موجودة قريباً، إذ إنها ستغرق نتيجة تغير المناخ. وعندما ترى أن جزءاً كبيراً من القطب الجنوبي قد بدأ في الانهيار، وفي حال ذاب جليده فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة مستوى المياه بمقدار 63 سنتيمتراً في كل مكان حول العالم، حينها ستختفي بعض أجزاء العالم تحت الماء. وعادة ما تعاني أفقر أجزاء العالم أولاً، كما هو الحال دائماً مع الأسف.
وإذا نظرت إلى قضية تغير المناخ، فإنك ستجد أن الناس يتحدثون عن زيادة درجة الحرارة بمتوسط يبلغ 1.5 درجة أو 2، ولكن الحقيقة هي أن بعض أجزاء العالم ستعاني أكثر من ذلك بكثير. ففي الجزء الشمالي من قارة أفريقيا، ستكون الزيادة في درجات الحرارة أكبر بكثير، كما ستعاني هذه المنطقة من الجفاف، وسيكون الأمر مروعاً للناس هناك، وسنشهد هجرة جماعية.
وقد تم الاتفاق في مؤتمر «COP 27» على إنشاء صندوق لتمويل «الخسائر والأضرار» من أجل مساعدة البلدان الفقيرة. وعلى الرغم من أنني أعتقد أن هذا أمر جيد، فإنه ليس كافياً. فالحل هو وقف انبعاثات الكربون بشكل حقيقي، وإلا فإننا سنكون في طريقنا نحو كارثة هائلة للجميع.
> هل أنت الآن أكثر تفاؤلاً مما كنت عليه قبل سنوات قليلة، فيما يتعلق بمعالجة قضية تغير المناخ؟
- نعم، أنا كذلك؛ لأن إدراك الناس للمشكلة آخذ في الازدياد، كما أن الصناعات والمؤسسات الخاصة باتت تنخرط في الأمر، وباتت حكومة الولايات المتحدة تأخذ الآن زمام المبادرة أيضاً، وأصبحت هذه القضية موجودة في جداول أعمال عديد من الحكومات. صحيح أن بعض الشركات وبعض الحكومات تتحدث عن المشروعات الخضراء بينما لا تتخذ كثيراً من الإجراءات لتنفيذها، ولكن هناك مزيداً ومزيداً من البلدان والشركات التي تتخذ تدابير حقيقية.
كما أن هناك اتجاهاً متزايداً لإفصاح الصناعات عما تفعله لمواجهة تغير المناخ، ومن ثم يمكن للناس مراقبة ما يفعلونه وتتبعه وانتقاده. وأعتقد أننا نسير في الاتجاه الصحيح، ولكن المشكلة تتعلق بما إذا كنا نتحرك بالسرعة الكافية، إذ إنه في الواقع يخبرنا العلماء أن تنبؤاتهم التي توصلوا إليها قبل 10-15 عاماً باتت تحدث بشكل أسرع بكثير مما كانوا يعتقدون. ولذا فإننا نظل في هذه الحلقة المفرغة؛ حيث تسوء الأمور أكثر مما كان متوقعاً، وتتسارع بشكل أكبر.
> في أوروبا، لاحظنا أن الأشهر القليلة الماضية لم تأت بأخبار جيدة بالنسبة لمعالجة أزمة تغير المناخ؛ لأننا سمعنا مرة أخرى أنه بسبب الحرب في أوكرانيا فإن بعض الدول والكيانات الأوروبية تتحدث عن استخدام مصادر الطاقة القديمة، مثل الفحم.
- قطعاً، فالحقيقة هي أننا يجب أن نكون واقعيين وعمليين حيال ذلك. وحقيقة الحياة هي أن هذه الحكومات منتخبة، وذلك على الأقل في الدول الديمقراطية، ولذا فإن هذه الحكومات ستركز على بلدانها، وستفكر فيما يجب أن تفعله لناخبيها وشعبها. ومرة أخرى يعد وباء «كوفيد-19» مثالاً جيداً أيضاً على ما يحدث في مثل تلك المواقف. فقد كان بعض البلدان ينتج كثيراً من جرعات اللقاح، وكان العالم يقول إن هذه الدول بحاجة إلى مشاركة هذه الجرعات مع الآخرين، ولكنها لم تفعل ذلك؛ بل بدأت هذه الدول في مشاركتها عندما بات لديها ما يكفي لها، وبمجرد أن أصبح لديها ما يكفي لتغطية سكانها، بدأت في المشاركة، ولكنها لم تشارك عدداً كبيراً من اللقاحات قبل هذه المرحلة. صحيح أنك قد تنتقد هذا التصرف، ولكن في نهاية الأمر هذه حقيقة من حقائق الحياة. فالمسؤولون المنتخبون سيهتمون بشعوبهم أولاً. صحيح أنه أمر مؤسف بعض الشيء، وبالتأكيد كنا نأمل أن يشاركوا الجرعات بشكل أكثر وأسرع؛ لكنهم في الواقع ليس بمقدورهم فعل ذلك. وهو بالفعل الشيء نفسه هنا في قضية الطاقة؛ حيث تقول الدول إنه يجب عليها التأكد من أن الناس لديها الكهرباء والتدفئة اللازمة لفصل الشتاء، وإلا فإنه سيتم عزل هؤلاء السياسيين في الانتخابات المقبلة. ولذا، فإن علينا أن نأخذ هذا في الاعتبار عند النظر في كيفية التخطيط لمعالجة أزمة تغير المناخ.
ومن ناحية أخرى، فإن الجانب المشرق في حرب أوكرانيا والعقوبات، هو أن الناس باتوا يدركون أننا بحاجة إلى الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة لنصبح مستقلين؛ إذ تهدف اسكوتلندا -على سبيل المثال- إلى أن تصبح مكتفية ذاتياً بشكل كامل باستخدام الطاقة المتجددة. وقد التقيت برئيس وزراء آيرلندا (مايكل مارتن) مؤخراً، وهو لديه الهدف نفسه أيضاً. كما أننا أصبحنا نرى البلدان تضع بشكل تدريجي جدول أعمال يمنحها الاستقلال في مجال الطاقة من خلال المصادر الخضراء.
إيرادات «أسترازينيكا»
> في 10 نوفمبر (تشرين الثاني)، أعلنت شركة «أسترازينيكا» عن نتائجها المالية للربع الثالث من العام الحالي، والتي تضمنت إيرادات أعلى من المتوقع. وأشارت إلى أن تلك الأرباح لم تكن بسبب اللقاح المضاد لعدوى «كوفيد-19»؛ بل من مصادر أخرى.
- الحقيقة هي أن تركيزنا بوصفنا شركة، ينصب على أدوية مرض السرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الكلى، والسكري، والأمراض المتعلقة بالتمثيل الغذائي، وكذلك أمراض الجهاز التنفسي والربو والأمراض النادرة. ولدينا مجموعة قوية جداً من المنتجات الجديدة التي قمنا بإطلاقها في كل مكان. ولذا، فإن النمو الذي حققناه مؤخراً يعد مدفوعاً بكل تلك المنتجات الجديدة. فخلال الربع الثالث حصلنا على 19 موافقة لمنتجات جديدة. فنحن ننمو لأن عملنا الأساسي ينمو، ولكن لقاحات «كوفيد-19» لم تحقق أي ربح. صحيح أننا ما زلنا نقوم بتسليم جرعات اللقاح هذا العام، ولكن مبيعاته لا تحقق كثيراً من الأرباح؛ لأننا نبيع بسعر قريب من سعر التكلفة.
> ما نسبة النمو؟
- في الواقع، كان النمو الذي حققناه أكثر بقليل من 11 في المائة لهذا الربع من العام، وذلك بسبب جميع أنواع المنتجات التي نصنعها. فلدينا منتج لأمراض الكلى، وأمراض القلب، والسكري، كما تنمو مبيعات عديد من منتجات السرطان أيضاً بشكل كبير، فضلاً عن أننا نستثمر في منظومة البحث والتطوير (R&D). وقد نما الإيراد السنوي حتى نهاية سبتمبر (أيلول) بنسبة 36 في المائة، مدفوعة بالاستثمار في هذه المنظومة، وبتقديم منتجات جيدة.
كما شهد الربع الثالث من العام الحالي زيادة بنسبة 19 في المائة، بالإضافة إلى الـ11 في المائة التي أشرت إليها بسبب منتجاتنا الأساسية، من دون جميع المنتجات المضافة. وفي حال قمنا بتضمين هذه المنتجات الأخيرة، مثل منتجات الأمراض النادرة التي حصلنا عليها وجميع المنتجات الجديدة، فإن نسبة النمو هذا العام ستكون 37 في المائة، و19 في المائة في الربع الثالث.
> لم تعد شركة «أسترازينيكا» تنتج كثيراً من اللقاحات المضادة لـ«كوفيد-19»، هل هذا صحيح؟
- نحن ننتج لقاح «كوفيد-19» من خلال الشبكة الخاصة بنا. فقد تم تصنيع بعضها بواسطة شريكنا في الهند، كما قمنا بتصنيع لقاح في تايلاند لجنوب آسيا، وآخر في البرازيل من أجل البرازيل، وفي المكسيك لأميركا اللاتينية، إذ إن لدينا شبكة كاملة من الشركات المصنعة في عديد من المناطق الجغرافية حول العالم، كما قمنا أيضاً بتصنيع اللقاح في أوروبا والمملكة المتحدة واليابان والصين التي لدينا شراكة فيها؛ لكن حكومة بكين قررت التركيز على اللقاحات المطورة محلياً والتي زودت بها بعض البلدان. كما أعرف أن الإمارات العربية المتحدة قامت أيضاً بجلب كثير من اللقاحات الصينية.
> ما رأيك في سياسة الصين الخاصة بـ«صفر كوفيد» من وجهة نظر العِلم؟
- من وجهة النظر العلمية، فإنني كنت أتفهم هذه السياسة في المرحلة الأولية من انتشار الوباء؛ لأنهم في تلك الفترة قاموا بحماية سكانهم بشكل جيد للغاية. ولكن يجب أن أقول اليوم إنه يتعين عليهم في مرحلة ما الانتقال. الصين لا يمكنها الاستمرار في الإغلاق إلى الأبد، فهم بحاجة إلى إعادة الفتح لتسهيل الاتصال والتجارة مع بقية العالم، وحتى يلتقي الناس بعضهم ببعض.
وبالعودة إلى تهديد الانبعاث الكربوني وتهديد تغير المناخ، فأعتقد حقاً أن التعاون على المستوى العالمي هو الحل، وأيضاً أن يدرك الناس أننا جميعاً متماثلون ونتشارك الكوكب ذاته. ففي نهاية الأمر، لدينا جميعاً الآمال نفسها، والقلق نفسه، والمخاوف نفسها. فنحن الأشخاص ذواتهم أينما كنا في العالم، ولكنك لن تدرك ذلك إلا في حال قابلت أشخاصاً مختلفين. ولكن، إذا كنت تعيش في بلد ما، ولم تغادر بلدك قط، ولم تقابل أشخاصاً من دول أخرى قط، فإنه من السهل جداً أن تعتقد أنهم مختلفون؛ لكن عندما تقابل أشخاصاً من دول أخرى فسرعان ما تدرك أنهم مثلك، لديهم الآمال ذاتها والقلق ذاته. آمل أن تفتح الصين بشكل كامل في المستقبل القريب، ليلتقي الناس مجدداً ويتعاونون.
وأنا سعيد حقاً لأننا سنلتقي بفريقنا الصيني الذي سينضم إلينا في منطقة الشرق الأوسط وبقية المنطقة الدولية، في دبي، الأسبوع المقبل. فريقنا سيجتمع مرة أخرى وهذا أمر جيد.
> ما التوقعات المستقبلية لشركة «أسترازينيكا» على مستوى العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
- رؤيتنا تبدو قوية جداً. فقد أخبرنا السوق أننا نتوقع أن ننمو بأرقام مزدوجة تتراوح ما بين 10 و12 في المائة على أساس سنوي حتى عام 2025. وعلى الرغم من أننا لا نعطي توجيهات لما بعد عام 2025، فإننا أخبرنا السوق أننا نتوقع أن ننمو بشكل رائد في الصناعة، وهو ما ترجمه عديد من المحللين إلى أرقام عالية مكونة من رقم واحد. ونتوقع تحقيق ذلك من خلال إطلاق منتجات جديدة.
أما في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وفي أميركا اللاتينية وجنوب آسيا والصين، فإننا سننمو لأن هذا هو المكان الذي يوجد فيه الناس بكثافة، كما أن لدينا مجموعة من المنتجات التي تغطي الأمراض الشائعة التي يمكن علاجها بمنتجات منخفضة التكلفة، وصولاً إلى منتجات باهظة الثمن لعلاج السرطان والأمراض النادرة الأخرى.
وينتشر مرض السكري وأمراض الكلى وأمراض القلب بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما تنتشر أمراض الربو. ولدينا منتجات ليست باهظة الثمن تعالج تلك الأمراض، ونتوقع أن ننمو كثيراً في جميع تلك المناطق.


مقالات ذات صلة

مشروب مسائي بسيط يساعد على التعامل مع أعراض انقطاع الطمث

صحتك يحتوي الحليب على التريبتوفان وهو حمض أميني يستخدمه الجسم لإنتاج السيروتونين والميلاتونين وهما مركّبان يشاركان في تنظيم دورة النوم واليقظة (بكسلز)

مشروب مسائي بسيط يساعد على التعامل مع أعراض انقطاع الطمث

قد يبدو كوب من الحليب الدافئ قبل النوم عادة بسيطة، لكنه يوفر مجموعة من العناصر الغذائية التي تكتسب أهمية خاصة خلال مرحلة انقطاع الطمث.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تساعد ألياف البطاطا الحلوة على تعزيز الشبع وإطالة الشعور بالامتلاء (بيكسلز)

متى تتناول البطاطا الحلوة للشبع والطاقة؟

يمكن تناول البطاطا الحلوة صباحاً أو ظهراً لتعزيز الطاقة والشبع، ومساءً لتخفيف الجوع الليلي، مع الاستفادة من عناصرها الغذائية في أي وقت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك نموذج توضيحي للرحم والمبيضين... أظهرت دراسة استمرار النشاط البيولوجي للمبايض بعد انقطاع الطمث (بيكسلز)

دراسة: المبيض يستمر في العمل بعد انقطاع الطمث

كشفت دراسة، تغيِّر النظرة السائدة، عن أن المبايض لا تدخل في حالة خمول بعد انقطاع الطمث، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تلعب دوراً في الشيخوخة والأمراض المزمنة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تختلف احتياجات الجسم من الماء بحسب العمر والنشاط البدني والمناخ والحالة الصحية (بيكسلز)

5 معتقدات شائعة عن شرب الماء... ما حقيقتها؟

تختلف احتياجات الجسم من الماء بين الأفراد، وقد يتأخر الشعور بالعطش عن نقص السوائل، وتنتشر معتقدات خاطئة عن كمية الماء المطلوبة وتوقيت شربه ودوره في خسارة الوزن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

على الرغم من أنه يُنصح بتأجيل القهوة 60 إلى 90 دقيقة بعد الاستيقاظ لتجنب تداخل تأثير الكافيين مع النعاس الطبيعي فإنه لا توجد أدلة قوية تثبت ذلك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

متحدثة الـ5 أيام... لماذا عين ترمب كاتي زكريا ثم أقالها سريعاً؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)
TT

متحدثة الـ5 أيام... لماذا عين ترمب كاتي زكريا ثم أقالها سريعاً؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)

 

لم تستمر مهمة كاتي زكريا متحدثةً باسم البيت الأبيض سوى خمسة أيام، قبل أن يقرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقالتها، في نهاية مرتبكة لتعيين مفاجئ أثار استياء عدد من مستشاريه. وجاء القرار بعد مؤتمر صحافي أول متعثر، وتساؤلات بشأن خبرتها، وقدرتها على أداء المهمة، ثم جدل حول مؤهلاتها القانونية، وصولاً إلى مقابلات تلفزيونية زادت الضغوط عليها.

وكشفت شبكة «سي إن إن» أن تعيين زكريا جاء مدفوعاً برغبة ترمب في العثور على مدافع وفيّ عن سياساته، في وقت كان فيه الجمهوريون يواجهون صعوبات سياسية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. لكن استعجال الرئيس في اختيارها، من دون تدقيق كافٍ في مؤهلاتها، ساهم في تحويل التعيين إلى إخفاق سريع.

ترمب أراد صوتاً يدافع عنه قبل الانتخابات

لم يُبدِ ترمب في البداية استعجالاً لملء المنصب الذي تركته كارولاين ليفيت في نهاية الصيف. وكان مستشاروه قد طرحوا أسماء عدة، لكن البحث تعثر، خصوصاً بعدما استُبعد مرشحون بسبب انتقادات سابقة وجهوها إلى الرئيس.

لكن تراجع فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى ترمب، دفعاه إلى تكثيف البحث عن شخص يتولى الدفاع عن رسالته إعلامياً. واشتكى لمستشاريه من عدم وجود أصوات كافية تدافع عنه وسط التغطية السلبية، بحسب «سي إن إن».

في هذا السياق، برز اسم كاتي زكريا، التي اعتادت الظهور على قنوات الأخبار والدفاع بحماسة عن ترمب وسياساته. وسأل الرئيس مستشاريه، ومن بينهم رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، عن رأيهم فيها، كما طلب مشورة ليفيت.

وبحسب «سي إن إن»، لم يكن اسم كاتي مطروحاً للمنصب قبل أسبوع واحد من تعيينها. وبعد اتصال هاتفي بينها وبين ترمب، عرض عليها الرئيس الوظيفة بصورة مفاجئة، من دون حضور وايلز المحادثة، ما دفع مساعديه إلى إبلاغ رئيسة الموظفين بالقرار لاحقاً.

ووفق «سي إن إن»، كانت ناتالي هارب، مساعدة ترمب التي ترافقه باستمرار، من أبرز الداعمين لكاتي داخل البيت الأبيض.

كاتي زكريا في أول مؤتمر صحافي لها بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

مؤتمر صحافي كشف ضعف استعدادها

وظهرت أولى علامات التعثر خلال المؤتمر الصحافي الأول لكاتي، الذي عُقد صباح الثلاثاء. وبعد رحلة ذهاباً وإياباً بين واشنطن وكاليفورنيا، استيقظت عند الثالثة فجراً للتحضير، لكن موادها لم تكن جاهزة إلا قبل 90 دقيقة من دخول قاعة الإحاطة.

وبدا أداؤها متعثراً حتى أثناء قراءة نص مُعد مسبقاً يشيد بسجل ترمب. وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية لـ«سي إن إن» إنها لم تستطع السيطرة على القاعة، فيما تساءل مستشارون عن كيفية وصول شخص يفتقر إلى الخبرة والثقة اللازمتين إلى هذا المنصب.

وعندما بدأ الصحافيون طرح الأسئلة لم تعرف ما إذا كانت الولايات المتحدة قد أوقفت تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا، رغم أن السؤال كان متوقعاً.

وتساءل أحد مستشاري ترمب بعد مشاهدته المؤتمر: «ما الذي يحدث هناك؟»، بينما لخّص آخرون مخاوفهم بسؤال مباشر: «هل تحقّق أحد من مؤهلاتها؟». وبحسب مسؤولين ومستشارين في البيت الأبيض تحدثوا إلى «سي إن إن»، لم يُجرَ التدقيق اللازم قبل تعيينها.

ورغم أن ترمب لم يعتبر أداءها سيئاً للغاية في البداية، فإنه شعر لاحقاً بالإحراج من التغطية الإعلامية السلبية للمؤتمر.

تجاهلت تفضيلات ترمب وأثارت انزعاج فريقه

ظهرت مؤشرات إضافية على قلة خبرة كاتي خلال زيارة ترمب إلى ألاسكا. فقد أخبرت مسؤولين في البيت الأبيض بأنها رتّبت مقابلة للرئيس مع مراسل من «فوكس نيوز» بعد تجمع انتخابي، رغم أن فريقه يعرف أنه لا يحب إجراء مقابلات بعد فعالياته، خصوصاً عندما يكون قد أمضى وقتاً طويلاً أمام الجمهور.

وأصرت كاتي على أن المقابلة فكرة جيدة، مشيرة إلى أن المراسل صديق لها. لكن ترمب أبدى انزعاجه عندما أبلغته بالخطة بعد انتهاء التجمع، وقال إنه لن يجري المقابلة، قبل أن يوافق عليها في نهاية المطاف.

كما أثار ظهورها في مقابلة مع «فوكس نيوز» بالتزامن مع تجمع انتخابي لترمب استياء بعض مستشاريه القدامى، الذين رأوا أن منافسة الرئيس على الاهتمام الإعلامي خلال فعالياته تصرف غير مناسب من أحد مرؤوسيه.

كاتي زكريا وإلى جانبها مساعدة البيت الأبيض ناتالي هارب ودانييل ألفاريز (أ.ب)

وعندما استطلع ترمب آراء كبار مساعديه بشأن أدائها، لم تجد كاتي كثيرين مستعدين للدفاع عنها، رغم أن بعضهم كان قد أشاد بها أمامها. وقال شخص مطلع على تعليقات الرئيس لـ«سي إن إن» إنه بدأ يتساءل عما إذا كانت «غير مستعدة للظهور على المسرح الكبير».

أزمة المؤهلات القانونية عجّلت بالإقالة

وتحولت مؤهلات كاتي القانونية إلى مشكلة إضافية. فقد كانت قد قدمت نفسها بوصفها محامية، من دون وجود دليل علني على اجتيازها امتحان مزاولة المهنة. ثم أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأنها رسبت في الامتحان، وهو ما أكدته كاتي لاحقاً، مدعية أنها أُبلغت بإمكان وصف نفسها بأنها «محامية» حتى إن لم يكن من حقها استخدام وصف «محامية ممارسة للمهنة».

لكن منشورات سابقة لها على وسائل التواصل الاجتماعي كانت قد كررت وصفها بأنها محامية، ما زاد التساؤلات بشأن دقة ما أعلنته، ومصداقيته. وبدلاً من احتواء الأزمة، ساهم دفاعها العلني عن نفسها في إبقاء القضية في دائرة الاهتمام، وسط انطباع بأنها لا تملك الخبرة اللازمة للتعامل مع التدقيق الإعلامي.

وبعد سلسلة من المقابلات الحادة على «فوكس نيوز»، بلغت الضغوط ذروتها خلال مقابلة مساء الخميس مع شون هانيتي، صديق ترمب، الذي استجوبها بشأن مؤهلاتها القانونية. وخلص الرئيس إلى أن استمرارها في المنصب لم يعد ممكناً.

ترمب أنهى المهمة بعد أيام

لم يبلغ ترمب كاتي بقراره إلا يوم الجمعة. وحتى خلال ظهور تلفزيوني آخر في ذلك اليوم، قالت إنها تعتقد أنها لا تزال تحظى بثقته، قبل أن تؤكد للصحافيين لدى عودتها إلى البيت الأبيض أنها تتطلع إلى العمل معهم.

وبعد ساعات أبلغها ترمب بأنه يرى أن عليها إعادة التفكير في الاستمرار بالمنصب. وقال لاحقاً: «سألتها: هل هذا المنصب مناسب لك يا كاتي؟ لأنك، بصراحة، لست بحاجة إلى ذلك».

ورغم الإقالة، قال مصدر مقرب من ترمب وفق «سي إن إن» إنه لا يزال يحترم كاتي، ويحبها على المستوى الشخصي. كما تناولت هي وعائلتها العشاء مع نائب الرئيس جي دي فانس مساء الجمعة، في إشارة إلى أنها لا تزال تحظى بتقدير بعض المسؤولين في الإدارة.

لكن ترمب عاد إلى نقطة البداية، من دون متحدث رسمي رئيس في مرحلة حساسة تسبق الانتخابات. وقال إن كثيرين يرغبون في تولي الوظيفة، من دون أن يكشف عن اسم مرشح محدد.

وتشير تفاصيل الواقعة إلى أن الإقالة لم تكن نتيجة زلة واحدة، بل حصيلة تعيين متسرّع، وضعف في الاستعداد للمؤتمر الصحافي، وسوء تقدير لتفضيلات الرئيس، ثم أزمة مؤهلات قانونية، ومقابلات تلفزيونية زادت الشكوك في قدرتها على أداء أحد أكثر المناصب الإعلامية حساسية في البيت الأبيض.


التكنولوجيا والإنسان: تعزيز للحريات أم زنزانة رقمية؟

التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)
التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)
TT

التكنولوجيا والإنسان: تعزيز للحريات أم زنزانة رقمية؟

التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)
التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)

لم يسبق للإنسان أن امتلك إمكانات الوصول إلى هذا المقدار من المعرفة والقدرة على التواصل، ولم يسبق له، في المقابل، أن وضع جزءاً كبيراً من حياته وقراراته في أيدي أنظمة تكنولوجية لا يعرف كيف تعمل، ولا من يحدد قواعدها. بضغطة واحدة، يستطيع الوصول إلى مكتبات العالم، ومتابعة الأحداث لحظة وقوعها، والتواصل مع أشخاص تفصلهم عنه آلاف الكيلومترات، لكنه يستطيع أيضاً أن يجد نفسه أسيراً لشاشة تستحوذ على وقته، وخوارزميات ترسم له ملامح العالم الذي يراه وحدوده.

هنا تكمن تناقضات العصر الرقمي: كلما اتسعت قدرتنا على الوصول إلى الخيارات، ازدادت قدرة الآخرين على التأثير في خياراتنا. فهل جعلتنا التكنولوجيا أكثر حرية، أم أنها أعادت صَوغ وسائل السيطرة علينا؟

الروبوت يصبّ شراباً خلال تجربة في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

*عصر الذكاء الاصطناعي

في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو المفارقة أكثر حدةً. يستطيع الإنسان تطوير تقنيات تنتج الصور والموسيقى والنصوص، وتساعده على إنجاز مهامّ معقدة، لكنه لا يزال عاجزاً عن معالجة أزمات إنسانية تدفع ملايين الأشخاص إلى الجوع والنزوح والحرمان والموت! وبينما تتسابق قوى المجتمع والشركات والدول على امتلاك أحدث التقنيات، تتراجع أحياناً أبسط أشكال التضامن الإنساني. ليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في الأولويات التي تحكم استخدامها، وفي الفجوة بين ما يستطيع الإنسان إنجازه تقنياً وما هو مستعدّ للقيام به من أجل الآخرين، ومن أجل الهدف الأسمى: السلام.

لا تقتصر تداعيات هذا التحول على السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى العلاقات الإنسانية، فالتواصل الذي أصبح متاحاً على مدار الساعة لا يعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر قرباً بعضنا من بعض. فالفرد قد يكون محاطاً بمئات الأصدقاء الافتراضيين، لكنه يفتقر إلى محادثة حقيقية أو علاقة إنسانية تمنحه الشعور بالانتماء.

*الوحدة في عصر الازدحام

يصف بعض الباحثين هذه الظاهرة بمفاهيم مثل «الوحدة التكنولوجية» أو «الاتصال من دون تواصل». فالتفاعل الرقمي، على الرغم من مزاياه، قد يحلّ تدريجياً محل اللقاءات المباشرة والعلاقات التي تتطلب الإصغاء والتعاطف والحضور الفعلي. وقد أُثيرت أيضاً مخاوف بشأن القلق والضيق المرتبطين بفقدان الوصول إلى الأجهزة والتطبيقات. لكن الأهم ليس في إطلاق أحكام عامة على التكنولوجيا، بل في فهم كيف يمكن أن تتحول أداة صُممت لتسهيل حياتنا إلى مصدر للاتكالية والضغط والعزلة.

*تهديد الحرية؟

تتجاوز المسألة حدود العلاقات الشخصية لتصل إلى حرية الإنسان نفسها. فشبكة الإنترنت التي فتحت أبواب المعرفة أمام الجميع أوجدت، في الوقت نفسه، سوقاً ضخمة للتنافس على «الانتباه»، فلم تعد المسألة مجرّد عرض للمعلومات، بل تحديد ما يستحق أن يظهر أمام المستخدم وفق اهتماماته وميوله، وما ينبغي أن يبقى بعيداً عن نظره.

الهاتف الذكيّ أداة أساسية في العصر الرقمي (رويترز)

تعمل منصات رقمية كثيرة وفق أنظمة توصية تُحلل اهتمامات المستخدمين وسلوكهم، ثم تُقدم لهم محتوى لتُبقيهم متصلين مدة أطول. وقد تكون لهذه الآليات فوائد واضحة، إذ تساعد على اكتشاف مواد تتناسب مع اهتماماتنا، لكنها قد تحصرنا أيضاً في دوائر مغلقة تعيد إنتاج أفكارنا ومواقفنا، وتقلل فرص الاطلاع على آراء مختلفة.

وهكذا، لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كنا نملك حرية الاختيار، بل يصبح متعلقاً بمَن يحدد الخيارات التي تظهر أمامنا، وبالمعايير التي تتحكم في ترتيبها، وبالتالي في سُلّم أولويات لم نضعه بأنفسنا. فإذا كان ما نقرؤه ونشاهده يتأثر بخوارزميات لا نعرف آليات عملها، فإلى أي مدى تبقى قراراتنا مستقلة؟

يحذر دان غيلمور، الأستاذ المتخصص في محو الأمية الإعلامية الرقمية والمؤسس المشارك لمبادرة «نيوز كو/لاب» بجامعة ولاية أريزونا الأميركية، من استخدام الحكومات وشركات التكنولوجيا أدوات المراقبة والخوارزميات غير الخاضعة للمساءلة، بما يهدّد الحريات العامة. ويرى أن المؤسسات المنوط بها أن تحمي هذه الحريات، ومنها وسائل الإعلام، لا تؤدي دائماً دورها المطلوب في مواجهة هذه التجاوزات.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في المجال الديمقراطي. فالتقنيات الرقمية تتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم، وتنظيم الحملات، والوصول إلى المعلومات، ومساءلة السلطات، لكنها قد تُستخدم أيضاً للمراقبة والرقابة والتلاعب بالرأي العام.

ويحذر ميغيل مورينو، أستاذ الفلسفة بجامعة غرناطة الإسبانية والمتخصص في أخلاقيات التكنولوجيا، من أخطار الانحياز والتلاعب والمراقبة التعسفية، سواء مارستها جهات حكومية أم خاصة.

تدريب للجيش البرتغالي تهاجم خلاله طائرة مسيّرة دبابة (أ.ف.ب)

*الجيوسياسة الرقمية وسلاح التكنولوجيا

لا تتوقف أخطار هذا التحول عند حدود الأفراد ومجتمعاتهم، بل تتجاوزها لتصبح محركاً أساسياً للجيوسياسة العالمية. فقد غدت التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي وشرائح المعالجة والبيانات الضخمة، الميدان الجديد للتنافس بين القوى الكبرى والتكتلات الدولية. فلم تعد السيادة تُقاس بالجغرافيا والحدود العسكرية الميدانية فحسب، بل بمدى امتلاك الدولة «السيادة الرقمية» واستقلالها في إدارة بِنيتها التكنولوجية.

وفي هذا السياق، لم تعد الخوارزميات والمنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى أدوات للنفوذ الجيوسياسي، تُستخدم لخوض الحروب السيبرانية، وتشكيل الرأي العام العالمي، وتوجيه السرديات الإقليمية والدولية بما يخدم مصالح الدول القوية. ويضع هذا الواقعُ الدول النامية والمجتمعات الأقل امتلاكاً للتكنولوجيا أمام خطر مضاعف؛ إذ تجد نفسها ساحةً لصراعات نفوذ لا تملك أدواتها، وعُرضةً لنوع جديد من «الاستعمار الرقمي»، الذي يُعيد صَوغ موازين القوى العالمية ويُهمّش إرادة الشعوب ومكتسباتها الوطنية.

*ماذا تقول الأمم المتحدة؟

تقول الأمم المتحدة إن التقنيات الرقمية تؤثر في حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فهي تتيح وسائل جديدة للدفاع عن الحقوق وممارستها، لكنها قد تصبح أدواتٍ لانتهاكها، عبر المراقبة والرقابة والخوارزميات «المُغرِضة» والقرارات الآلية التمييزية. وغالباً ما تتحمل الفئات المهمّشة العبء الأكبر من هذه الممارسات.

المشكلة، إذاً، ليست في أن التكنولوجيا تملك إرادة مستقلة تسعى للسيطرة على الإنسان، بل أن القوة التي تمنحها البيانات والخوارزميات تتركز في أيدي عدد محدود من الجهات، في حين تبقى قدرة المستخدم على فهم آليات التأثير ومقاومتها محدودة، بمعنى أنه يكون في غالب الأحيان مجرّد متلقٍّ.

ولا يعني ذلك أن الحل يكمن في رفض التكنولوجيا أو العودة (المستحيلة) إلى عالم ما قبل الإنترنت، فقد أتاحت الأدوات الرقمية فرصاً غير مسبوقة للتعلم والعمل والتواصل، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعزز قدرات الإنسان، بدلاً من أن ينتقص منها. لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب شفافية أكبر، ومساءلة للجهات التي تدير المنصات، وحماية للبيانات الشخصية، وتعزيزاً لقدرة الأفراد على فهم سُبل توجيه المحتوى الذي يصل إليهم. باختصار، يمكن القول إن الأمر بكلّيته يحتاج إلى «نية حسنة».

مَن صاحب القرار في وجهة الذكاء الاصطناعي؟ (رويترز)

فالحرية لا تُقاس فحسب بعدد الخيارات المتاحة أمامنا، بل بقدرتنا على الاختيار الواعي، ومعرفة البدائل، وفهم القوى التي تؤثر في قراراتنا. وقد لا تكون السيطرة في العصر الرقمي قائمة على منع الإنسان من رؤية العالم، بل على تقديم عالم محدد له، وإقناعه بأنه العالم «الحقيقي».

في النهاية، لا يتمثل التحدي الحقيقي في جعل الآلة أكثر ذكاءً، بل في ضمان ألا يصبح الإنسان أقل استقلالية أو أقل إنسانية كلما ازدادت الآلة «ذكاءً». فالتقدم التكنولوجي، مهما بلغ، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحرية والتعاطف والتضامن، وعن الإنسان. وإذا كانت الخوارزميات قادرة على التأثير فيما نراه ونفكر فيه ونختاره، فإن استعادة قرارنا الحر تبدأ بسؤال بسيط: هل نستخدم التكنولوجيا لتوسيع حريتنا، أم نسمح لها بأن ترمينا في زنزانة التبعية والسيطرة؟


ترمب يهاجم زيلينسكي... والبيت الأبيض يقيّد نظام «ستارشيلد» في أوكرانيا

مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يهاجم زيلينسكي... والبيت الأبيض يقيّد نظام «ستارشيلد» في أوكرانيا

مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)

وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب استئناف أوكرانيا ضرباتها على مصافي النفط الروسية بأنها «مخزية»، فيما ذكرت مصادر أن قرار الحد من قدرات نظام للأقمار الصناعية تستخدمه كييف في حربها ضد موسكو جاء من داخل البيت الأبيض.

وفي مقابلة نُشرت، الخميس، قال ترمب لقناة «نيوزماكس» لدى سؤاله عن هذه الهجمات: «حسناً، أعتقد أن هذا أمر مخز»، مضيفاً أنها تُسهم في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية.

ووجّه الرئيس الأميركي انتقادات إلى نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، معتبراً أنه أقل استعداداً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى تسوية تنهي الحرب.

وقال ترمب: «يجب أن تتوقف هذه الحرب قريباً. أعتقد أن كليهما يرغبان فعلاً في إنهائها». وأضاف: «لكنني أجد أن التعامل مع زيلينسكي أكثر صعوبة من التعامل مع بوتين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

رسالة بإبطاء خدمة «ستارشيلد»

بدورها، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولَين أميركيين ومسؤول غربي أن قرار الحد من قدرات نظام الأقمار الصناعية الذي تستخدمه أوكرانيا للاتصالات في ساحة المعركة وعمليات الطائرات المسيّرة جاء من داخل البيت الأبيض.

وقال المسؤولون إن قادة وزارة الحرب تلقوا رسالة تفيد بضرورة إبطاء خدمة «ستارشيلد» التابعة لشركة «سبيس إكس» ويستخدمها الجيش الأوكراني.

ولم يحدد المسؤولون، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، من الذي اتخذ القرار في البيت الأبيض أو من المسؤول عن تنفيذ الأمر. وتعد وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أكبر عملاء «ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية من خدمة «ستارلينك».

وقال مسؤولون أوكرانيون هذا الأسبوع إن أجهزة استقبال «ستارلينك» ذات المواصفات العسكرية توقفت عن العمل في أوكرانيا عند تركيبها على أجسام سريعة الحركة، مما أثر على أداء الطائرات المسيّرة الأوكرانية المعتمدة عليها في أنظمة التوجيه المدمجة فيها فوق الأراضي الأوكرانية.

وقال مصدر في وزارة الدفاع الأوكرانية، الخميس، إن أجهزة الاستقبال تعمل حالياً في أثناء الحركة، لكن فقط عند سرعات تصل إلى 160 كيلومتراً في الساعة.

ضغط لوقف هجمات المصافي

حدث الحد من قدرات نظام الاتصالات الحيوي مؤقتاً في وقت يمارس فيه الرئيس دونالد ترمب ضغوطاً على كييف لوقف هجماتها على المصافي الروسية، التي قال إنها السبب في ارتفاع أسعار الطاقة الذي تهدد فرص الحزب الجمهوري المنتمي إليه في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

لكن الخبراء يقولون إن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة ناتج بشكل رئيسي عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، التي بدورها استهدفت منشآت للطاقة وجعلت مضيق هرمز الحيوي في حكم المغلق.

ورداً على طلب للتعليق بشأن الأمر بتقييد نظام «ستارشيلد»، قال مسؤول أميركي كبير: «لم يصدر عن الرئيس طلب من هذا القبيل قط».

ولم يرد البيت الأبيض على الأسئلة المتعلقة بما إذا كان مسؤولون آخرون في الإدارة قد قدموا هذا الطلب.

وطورت شركة «سبيس إكس» نظام «ستارشيلد» خصيصاً لعملاء الحكومة والجهات ذات الصلة بالأمن القومي، لا سيما البنتاغون. ويعتمد نظام «ستارشيلد» على مجموعة أقمار «ستارلينك» الصناعية.

وقال مسؤولون أوكرانيون إن هذه القيود عرقلت مهام الضربات ضد القوات الروسية وعملياتها اللوجستية في الأراضي المحتلة، وأبطأت طائرات مسيّرة اعتراضية تُستخدم لإسقاط الطائرات من طراز «شاهد» التي تُطلقها روسيا.

وقال إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لـ«سبيس إكس»، الأربعاء، على منصة «إكس» إن أنظمة «ستارشيلد» مملوكة للحكومة الأميركية وتخضع لسيطرتها، لذا فإن أي قيود على السرعة أو الاستخدام يقررها الجيش الأميركي أو الرئيس.

ولم ترد «سبيس إكس» على طلب للتعليق. كما لم يرد البنتاغون ولا السفارة الأوكرانية لدى واشنطن على طلبات للتعليق.