كيف دخلت جامعة سعودية نادي الكبار في تكنولوجيا «النانو»؟

«كاوست» تلعب دوراً متزايداً في تطوير الرقائق الإلكترونية والذكاء الصناعي

كيف دخلت جامعة سعودية نادي الكبار في تكنولوجيا «النانو»؟
TT

كيف دخلت جامعة سعودية نادي الكبار في تكنولوجيا «النانو»؟

كيف دخلت جامعة سعودية نادي الكبار في تكنولوجيا «النانو»؟

في مطلع عام 2020، حين شلّت جائحة «كورونا» والإغلاقات المترتبة عليها العالم، تضاعف حجم استهلاكنا لكل وسائل التقنية الحديثة من أجهزة الكومبيوتر والألعاب والهواتف المحمولة والأجهزة المنزلية، بالتزامن مع اضطراب كبير في سلاسل الإمداد لكافة السلع على مستوى العالم.
كان القاسم المشترك بين هذه الأجهزة، وغيرها الكثير، اعتمادها على رقاقة إلكترونية صغيرة جداً من مواد تسمى «أشباه الموصلات».
دفع النقص الحاد في رقائق «أشباه الموصلات» الذي حدث خلال العامين الماضيين بعد شلل سلاسل التوريد، عدداً من الدول، بينها السعودية، إلى بذل جهود حثيثة لبناء سلسلة توريد قوية لها في الداخل. وكانت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست»، إحدى المؤسسات التي لعبت دوراً في هذا الإطار، ودخلت هذا العام نادي الكبار في أبحاث تقنيات النانو، باختيارها الجامعة الـ18 عالمياً في هذا المجال.
ويؤكد الدكتور توني تشان، رئيس جامعة «كاوست»، أن «الأحداث والاتجاهات الأخيرة سلطت الضوء على الأهمية الاستراتيجية لأشباه الموصلات على مستوى العالم وقدرتها على تحويل الاقتصاد الرقمي للسعودية وصناعات السيارات وقطاع الصناعة والتصنيع الدفاعي».

ماهي «أشباه الموصلات»؟

لكن لنتوقف قليلاً لنشرح ما هي أشباه الموصلات.
تمتلك أشباه الموصلات أو ما نطلق عليه الرقاقة الالكترونية خصائص كهربائية معينة تمكنها من العمل كأساس لأجهزة الكومبيوتر والأجهزة الإلكترونية الأخرى.
لدى المواد شبه الموصلة مثل السليكون والجرمانيوم وزرنيخ الجاليوم، خصائص كهربائية في مكان ما في الوسط بين المواد الموصلة والمواد العازلة. هي إذن ليست موصلات جيدة ولا عوازل جيدة، ولهذا سميت «أشباه الموصلات».
هذه المواد بها عدد قليل من الإلكترونات الحرة لأن ذراتها مجمعة معاً في نمط بلوري يسمى «الشبكة البلورية»، ومع ذلك فإن قدرتها على التوصيل الكهربائي يمكن تحسينها كثيراً عن طريق إضافة بعض «الشوائب» لهذه البنية البلورية، وبالتالي تنتج إلكترونات حرة أكثر من الفجوات أو العكس بالعكس.
هذه الرقاقة التي تُصنع عادةً من شرائح رقيقة من السيليكون في الوقت الحالي، مع مكونات معقدة موضوعة عليها في أنماط محددة. تتحكم هذه الأنماط في تدفق التيار باستخدام مفاتيح كهربائية تسمى «الترانزستور».
ويعود أول اكتشاف لظاهرة «أشباه الموصلات» الى عام 1833، حينما لاحظ العالم البريطاني مايكل فاراداي طبيعتها، وتأثير الحرارة على موصليتها؛ إذ لاحظ انخفاض المقاومة الكهربائية لكبريتيد الفضة مع زيادة درجة الحرارة.
منذ التاريخ توالت الأبحاث والاكتشافات في هذا المجال حتى وصلنا اليوم إلى الجيل الثالث من مواد «أشباه الموصلات» ذات الفجوة الواسعة النطاق.

رقائق إلكترونية

وبسبب أهميتها البالغة للصناعة، تمتلك معظم الدول المتقدمة قدرات كبيرة في مجال تقنية أشباه الموصلات المسؤولة عن تشغيل كل شيء في حياتنا اليومية من هواتف محمولة وسيارات وأجهزة منزلية وطبية إلى الأسلحة والطائرات المقاتلة وأنظمة الصواريخ المتطورة التقليدية منها والنووية، إلى آخر القائمة.
كما أنها أساسية اليوم في تحقيق التوجه العالمي نحو تطوير تقنيات الطاقات المتجددة، ويمكن القول إن هذه التقنيات، وتحديداً شريحة الدائرة المتكاملة، أصبحت الأساس المادي الأكثر أهمية للثورة الصناعية الثالثة والرابعة.
وبرزت «أشباه الموصلات المركبة» خلال السنوات القليلة الماضية كثاني أكثر أنواع «أشباه الموصلات» استخدامًا بعد السيليكون. وهذا يرجع جُزْئِيًّا إلى قدرتها على امتلاك العديد من الخصائص الأساسية المتفوقة في وقت واحد، مثل زيادة معدل السرعة والطاقة، وانبعاث الضوء وامتصاصه بكفاءة عالية. فهي قوية للغاية وفعالة من حيث إضافة الى كل ذلك، فان لديها آفاق تطبيق مهمة في مجالات الدفاع، والطيران، والفضاء، واستكشاف النفط، والتخزين البصري. كما يمكن أن تقلل من خسائر الطاقة بأكثر من 50٪ في العديد من الصناعات الاستراتيجية مثل اتصالات النطاق العريض، والطاقة الشمسية، وتصنيع السيارات، وإضاءة «أشباه الموصلات»، والشبكات الذكية.
باختصار يمكن القول بان هذه الرقائق أصبحت اليوم هي عصب العصر الحديث، وقد لا يعلم الكثيرون أن شركات التقنية في جميع أنحاء العالم تعتمد بشكل كبير على الرقائق المقدمة من شركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات»، مما يضعها في قلب الصراعات الدولية، خاصة بين واشنطن وبكين، لأهمية هذا القطاع من ناحية السيطرة على سلاسل التوريد وفرض الدول لحضورها السياسي والاقتصادي.

«لا ذكاء صناعي من دون أشباه موصلات»

سعودياً، بدت الاستعانة بجامعة «كاوست» في هذا الجهد أمراً طبيعياً، خصوصاً أنها تضم خبرات مميزة في مجال أشباه الموصلات. ففي عام 2016، انضم البروفيسور زاوهانغ لي إلى «كاوست»، وهو يحمل معه خبرة بحثية واسعة في تقنيات أشباه الموصلات.
وتركز أبحاثه في المختبر على الأبحاث الأساسية والتطبيقية لهذه المواد، والأجهزة، والفيزياء والبرمجيات. ويقول زاوهانغ لي، الأستاذ المشارك في الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسب الآلي في الجامعة، إن «الباحثين والمطورين المحليين في مجال أشباه الموصلات يمكن أن يؤدوا دوراً حاسماً في تنويع اقتصاد السعودية التي لديها طموح كبير لتطوير مشاريع في مجال الذكاء الصناعي وغيره من المجالات الحيوية التي تحتاج لهذه التقنية المتقدمة لنجاحها. فمن دون رقائق أشباه الموصلات، لا يوجد ذكاء صناعي».
ويهدف لي وفريقه إلى تطوير هذه المواد التي ستحدث ثورة في صناعات مختلفة مثل الطاقة والاتصالات والدوائر المتكاملة والسيارات الكهربائية واستكشاف الفضاء، مما يضع «كاوست» في مرحلة متقدمة جداً في أبحاث «أشباه الموصلات واسعة النطاق».
ويقول لي: «لدي اعتقاد راسخ أن أبحاثنا يمكنها أن تفيد بشكل كبير المملكة ورؤيتها 2030. حيث تمتلك تلك المواد المركبة إمكانات هائلة للبحث والابتكار والتصنيع، ولدينا العديد من أعضاء هيئة التدريس والباحثين الرائدين في هذا المجال. وبالتالي، فإن الجامعة مهيأة لتقديم مساهمات كبيرة ومؤثرة».
في عام 2019، عرض علماء «كاوست» تقنية جديدة لتقليل فقدان الضوء عند سطوح البنى النانوية شبه الموصلة، حيث يمكن لبعض المواد تحويل الإلكترونات الموجودة في التيار الكهربائي إلى ضوء، بكفاءة. وتُستخدم مواد «أشباه الموصلات» هذه في صنع صمامات ثنائية باعثة للضوء أو LED، وهي أجهزة صغيرة، وخفيفة، تتسم بالكفاءة في استهلاك الطاقة، وذات عمر طويل، وتنتشر على نحو متزايد في تطبيقات الإضاءة والعروض.

إلكترونيات ضوئية

قبل ذلك بعام، قام باحثو الجامعة بتخليق طبقة أحادية تدعى «جانوس» Janus، قد تساعد في التحول نحو تطبيقات جديدة لأشباه الموصلات في الإلكترونيات، وتحديدًا الإلكترونيات النانوية، التي تعتمد على التلاعب بمجموعات متناهية الصغر من الذرات.
وتمهد هذه الطريقة الفريدة في تركيب المادة، الطريق إلى تغيير الألواح ثنائية الأبعاد ذات السُّمك الذري الرقيق المصنوعة من تلك المواد، على المستوى الذري.
وإضافة إلى تطبيقات أشباه الموصلات التقليدية، يعتقد الباحثون أن مادتهم غير المتناظرة قد تكون مفيدة في مجال ناشئ يسمى «الإلكترونيات المغزلية» (spintronics). ويَستخدم هذا المجال التغيُّرات في واحدةٍ من خواص الإلكترونات تُعرف بالدوران المغزلي، عوضاً عن الاكتفاء بالشحنة الكهربائية وحدها كوسيلة لتغيير السلوك الإلكتروني في نطاقات ذرية.
وخلافاً للطرق التقليدية باهظة التكلفة والمتبعة حتى الآن في الأجهزة الكهروضوئية، للتحكّم في خصائص أشباه الموصلات، عن طريق الهندسة النانومترية المتناهية الصغر، فإن تقنية «كاوست» الجديدة فتعتمد على ما يُسمى بـ«الآبار الكمّية».
هذه التقنية عبارة عن أغشية من أشباه الموصلات لا يتجاوز سمكها بضع نانومترات (النانومتر هو جزء من مليار من المتر)، تقع بين طبقتين أكثر سمكاً تتكونان من مادة شبه موصلة مختلفة. ويعمل حاجز طاقة، يوجد بين هاتين المادتين، على منع حاملات الشحنة الكهربائية من مغادرة طبقة البئر الكمي، وهو ما يحدّ من حركتها ويؤدي إلى إحداث تغيير جذري في خصائص مواد البئر مما يجعلها، على سبيل المثال لا الحصر، أنشط ضوئياً.

أبحاث مرموقة

وتعتبر «كاوست» موطناً للعديد من كبار الباحثين وأعضاء هيئة التدريس الذين يعملون على مجموعة واسعة من تقنيات أشباه الموصلات ويقدمون مساهمات كبيرة لدعم رسالة الجامعة في أن تصبح من الرواد العالميين في هذا المجال. وهنا يمكننا أن نسلط الضوء على بعض تلك الإسهامات، على سبيل المثال لا الحصر.
وخلال هذا العام، اختيرت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست» كواحدة من أفضل الجامعات في العالم في مجال علوم النانو وتقنية النانو، وذلك بحسب تصنيف US News & World Report لأفضل الجامعات في الولايات المتحدة وحول العالم. فلقد احتلت الجامعة المرتبة 18 في قائمة أفضل جامعات علوم النانو وتقنية النانو لعام 2022، وقد تم تكريمها لأبحاثها الأساسية والتطبيقية على المستويين الجزيئي والنانو في مجموعة متنوعة من التخصصات – من الكيمياء إلى العلوم الطبية.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.