زوجات الأنبياء - الحلقة (19): «أم حبيبة».. المهاجرة الصابرة .. شارك النجاشي في حفل زواجها من الرسول

زوجات الأنبياء - الحلقة (19): «أم حبيبة».. المهاجرة الصابرة .. شارك النجاشي في حفل زواجها من الرسول

في كلامه عن الرسل والأنبياء، لم يغفل القرآن الكريم الحديث عن كثيرات من زوجاتهم. تنوع الحديث بين مدح وثناء وبشرى بالنعيم الدائم في جانب، وقدح وذم وتهديد ووعيد بالعذاب في جانب آخر، تبعا للدور الذي أدته كل منهن تجاه زوجها النبي ورسالته.
الكثيرات كنّ وفيات لأزواجهن، مؤمنات برسالاتهم، متمسكات بعبادة الله تعالى وحده، مخلصات في إعانتهم، لمواجهة ظلم الكافرين وعنادهم ومكائدهم.
وهناك من انحازت للشيطان ضد زوجها ورسالته، وانضمت لأعدائه، وساعدتهم على وضع العراقيل وإثارة العقبات أمام دعوته، وشاركت في الإساءة إليه، والسخرية منه.
نماذج مهمة تستأهل منا دراستها، لاستخلاص العبر منها، والاستفادة بها في بناء حاضرنا ومستقبلنا.
دخل أبو سفيان بن حرب، أحد زعماء قريش ورموزها قبل إسلامه، على ابنته أم حبيبة، السابقة إلى الإسلام، بعد زواجها من الرسول (صلى الله عليه وسلم) فرحبت به، دون مبالغة، على الرغم من أنه لم يكن قد رآها سنوات طويلة بعد إسلامها وهجرتها إلى الحبشة، ثم المدينة.
فلما همّ بالجلوس على فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طوته دونه.. فسألها مندهشا: «يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني، أم بي عنه؟!».
فأجابت بحسم وصدق وإيمان: «هو فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنت امرؤ نجس مشرك».. فقال أبو سفيان: «لقد أصابك بعدي شر».. فردت: «بل أصابني كل الخير».
موقف يبرز انحياز أم المؤمنين «أم حبيبة» (رضي الله عنها)، إلى الإيمان بالله الحق، والانتصار للحقيقة دون التأثر بأي عوامل أخرى، وفي مقدمتها النسب. انتصرت لدينها ولرسولها (صلى الله عليه وسلم)، ورفضت أن تجامل أباها - الذي لم يكن قد أسلم بعد - على حساب دينها.
وأم حبيبة هي رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، وقد ولدت قبل البعثة النبوية بسبعة عشر عاما. تزوجت من عبيد الله بن جحش الأسدي، وأسلما، ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت له حبيبة، وكانت تكنى بها.
تحملت السيدة أم حبيبة أذى مشركي مكة الذين تفننوا في إيذاء المسلمين الأوائل، ورضيت بالغربة عن وطنها وديارها فرارا بدينها من كيد أهلها، لتحيا بعيدا عن الشرك بالله وعبادة الأوثان.
وخلال وجودها في الحبشة تعرضت السيدة أم حبيبة لموقف آلمها، وأحال حياتها التي كانت هادئة إلى القلق والألم، حيث ترك زوجها عبيد الله بن جحش دينه، وارتد عن الإسلام، وأقبل على شرب الخمر. وحاولت «أم حبيبة» أن تعيد زوجها إلى سابق عهده، وأن تنتشله من الخمر التي وقع فيها، لكنها لم تفلح في تحقيق ما تتمناه، فلم تجد إلا أن تفارقه. وهل هناك محنة أقسى على النفس من أن يتخلى أي إنسان عن دينه؟ وهل هناك أقسى على النفس من أن يتخلى المرء عن زوجته وابنته في الغربة بعد أن خرجوا معا مهاجرين في سبيل دينهم الجديد؟ ولم يطل الوقت بزوجها عبيد الله بن جحش في ذلك الحال، فقد مات في الحبشة تاركا ابنته «حبيبة» مع أمها.
كانت فترة عصيبة مرت بها السيدة أم حبيبة، وعلم الرسول (صلى الله عليه وسلم) فأحال هذا الموقف المؤلم في حياتها إلى موقف سعيد، حيث فوّض من ينوب عنه في تزويجه (صلى الله عليه وسلم) منها، وهي لا تزال مهاجرة في الحبشة مع من هاجروا من المسلمين الأوائل.
وقد شارك الملك النجاشي، ملك الحبشة، شخصيا في إتمام زواج الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أم حبيبة رضي الله عنها.
وتحكي أم حبيبة جوانب من ذلك في ما أخرجه ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي، فتقول: «أتاني آت في نومي، فقال: يا أم المؤمنين. ففزعت، فما هو إلا أن انقضت عدتي - بعد طلاقها من عبيد الله بن جحش - فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن، فإذا هي جارية له يقال لها (أبرهة)، فقالت إن الملك يقول لك (وكلي من يزوجك بالنبي - محمد - فقد أرسل إليه ليخطبك له.. فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، فوكلته، فأعطيت أبرهة سوارين من فضة».
فلما كان العشي، أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب، فحمد الله، وأثنى عليه، وتشهد، ثم قال: «أما بعد، فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة، فأجبت، وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار»، ثم سكب الدنانير، فخطب خالد، فقال: «قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وزوجته أم حبيبة»، وقبض الدنانير.
وعمل لهم النجاشي طعاما، فأكلوا. قالت أم حبيبة: «فلما وصل إلي المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارا»، قالت: «فردتها عليّ، وقالت إن الملك عزم علي بذلك.. وردت علي ما كنت أعطيتها أولا. ثم جاءتني من الغد بعود وورث وعنبر وزباد كثير، فقدمت به معي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)».
تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ»، في كتابها نساء النبي: «احتفلت المدينة بدخول بنت أبي سفيان بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأولم عثمان بن عفان وليمة حافلة، نحر فيها الذبائح وأطعم الناس، وباتت مكة ساهدة مؤرقة تردد قول زعيمها أبي سفيان بن حرب وقد بلغه النبأ (هذا الفحل لا يجدع أنفه)». واستقبلت نساء النبي (رضوان الله تعالى عليهن) أم حبيبة بكثير من المودة والمحبة.
يقول الكاتب محمد علي قطب في كتابه «زوجات الأنبياء وأمهات المؤمنين»: «أقامت رضي الله عنها إلى جوار أزواجه، تعرف قدرها وحدودها ومكانتها.. وطويت صفحات الهجرة والمعاناة بكل أحزانها ومعاناتها ومحنها التي صقلت شخصية أم حبيبة (رضي الله عنها)، وفتحت صفحات جديدة تشرق منها أنوار الإيمان بالله تعالى وحده». ويضيف أن أباها أبا سفيان بن حرب ظل على ولائه للشرك حتى فتح مكة، فأسلم وحسن إسلامه، فأزيح عن كاهل «أم حبيبة» عبء باهظ.. وظلت هي على وفائها وصدق إيمانها لبيت النبوة حتى في أشد الأوقات حرجا.
ولما أحسّت أم المؤمنين السيدة «أم حبيبة» (رضي الله عنها) بقرب رحيلها دعت أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها)، وقالت لها: «قد كان بيننا ما يكون بين الضرائر، فهل لك أن تحلليني من ذلك؟»، فحلّلتها، واستغفرت لها، فقالت لها: «سررتِني سرّك الله». كما أرسلت إلى أم المؤمنين السيدة أم سلمة (رضي الله عنها) بمثل ذلك.
كانت رضي الله عنها مثالا للمؤمنة الصادقة الصابرة الراضية بما كتب الله لها، وقد ماتت (رضي الله عنها) سنة أربع وأربعين للهجرة بالمدينة، بعد أن بلغت من العمر اثنتين وسبعين سنة، ودفنت بالبقيع.