اللاجئون العالقون في البحر يفتحون جبهة مواجهة بين باريس وروما

فرنسا أدانت موقف إيطاليا «غير المقبول» ووافقت على استقبال «أوشن فايكينغ»

المهاجرون على متن سفينة الإنقاذ «أوشن فايكينغ» خلال إبحارها في المياه الدولية أمس (أ.ف.ب)
المهاجرون على متن سفينة الإنقاذ «أوشن فايكينغ» خلال إبحارها في المياه الدولية أمس (أ.ف.ب)
TT

اللاجئون العالقون في البحر يفتحون جبهة مواجهة بين باريس وروما

المهاجرون على متن سفينة الإنقاذ «أوشن فايكينغ» خلال إبحارها في المياه الدولية أمس (أ.ف.ب)
المهاجرون على متن سفينة الإنقاذ «أوشن فايكينغ» خلال إبحارها في المياه الدولية أمس (أ.ف.ب)

بعد أسبوعين من المواجهة المفتوحة بين الحكومة الإيطالية الجديدة وعدد من الشركاء الأوروبيين، في طليعتهم ألمانيا، بسبب رفضها إنزال حوالي ألف مهاجر شرعي على متن أربعة زوارق إنقاذ قبالة سواحلها منذ عدة أسابيع، رضخت روما لضغوط الاتحاد بعد تحذيرات المفوضية من عواقب انتهاك القوانين المرعية والامتناع عن إغاثة المهاجرين الذين كانت منظمة «أطباء بلا حدود» قد أفادت أن عدداً كبيراً منهم، خاصة بين الأطفال والنساء، يعاني ظروفاً صحية صعبة. لكن التطورات التي شهدتها هذه الأزمة في الساعات الأخيرة، على وقع الحسابات السياسية الداخلية في إيطاليا وفرنسا، فتحت جبهة مواجهة بين باريس وروما. بينما تتوالى تقارير منظمات الإغاثة وتقاريرها عن الوضع الصحي المتردي للمهاجرين الذين ما زالوا عالقين في عرض البحر، بعد أن قضى منهم اثنان، بينهم طفل رضيع مريض كانت والدته تسعى لمعالجته في إيطاليا.
وكانت حجة الحكومة الإيطالية، التي يتولى فيها حقيبة الداخلية مقرب من زعيم الرابطة اليميني المتطرف ماتيو سالفيني، أن سفن الإنقاذ يجب أن تتوجه إلى موانئ الدول التي ترفع علمها لإنزال المهاجرين الذين على متنها. لكن المفوضية نبهت السلطات الإيطالية إلى أن المعيار المرعي في مثل هذه الحالات هي الأراضي والمياه الإقليمية، وليس علم الدولة الذي ترفعه السفينة، وحذرت من أن عدم إغاثة المهاجرين هو انتهاك للقوانين الأوروبية والدولية.
وبعد أن تراجعت روما عن موقفها، حاولت رئيسة الحكومة جيورجيا ميلوني تمويه الهزيمة الأولى في المواجهة مع بروكسل بقولها إن «هدفنا هو الدفاع عن الشرعية، والأمن، وكرامة كل إنسان، ولذلك نسعى إلى وضع حد للهجرة غير الشرعية، وتحاشي وقوع المزيد من الضحايا في عرض البحر، ومكافحة المنظمات الإجرامية التي تتاجر بالبشر. المواطنون الإيطاليون طلبوا منا، عندما صوتوا لنا، الدفاع عن حدود البلاد، وهذه الحكومة لن تخون الوعود التي قطعتها».
لكن رغم ذلك، اضطرت الحكومة الإيطالية الجديدة، التي تشكل علاقاتها مع المؤسسات الأوروبية محكاً أساسياً وشائكاً في مسيرتها، للعدول عن قرارها الذي كان ينذر بتجدد الأزمة السابقة عندما كان سالفيني يتولى حقيبة الداخلية ويتزعم التيار الأوروبي المتطرف في ملف الهجرة. وكان لافتاً الصمت الذي التزمه حتى الآن سالفيني حول هذا الموضوع، على الرغم مما يُعرف عنه من إفراط في التصريحات حول كل ما يتعلق بالهجرة.
وكانت المعارضة الإيطالية قد شنت هجوماً قاسياً على حكومة ميلوني، واتهمتها بافتعال أزمة سفن الإنقاذ لرفع راية «الخط المتشدد»، وإشاحة الأنظار عن الملفات الساخنة على الصعيدين الاقتصادي والمعيشي التي لن يكون بمقدور الحكومة معالجتها من غير المساعدات الأوروبية عن طريق صندوق النهوض من أزمة (كوفيد)، الذي خصص فيه الاتحاد حصة الأسد لإيطاليا بما يزيد على 200 مليار يورو.
مصادر رسمية فرنسية وصفت تصرف الحكومة الإيطالية الجديدة في ملف سفن الإنقاذ بأنه «غير مقبول، ويتعارض مع أحكام قانون البحار ومبدأ التضامن الأوروبي»، وأن باريس كانت تتوقع موقفاً مختلفاً من الدولة التي هي المستفيد الأول من هذا التضامن. وأفادت هذه المصادر بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقد اجتماعاً مع ميلوني على هامش قمة المناخ في شرم الشيخ، شدد فيه على وجوب فتح الموانئ الإيطالية أمام السفن التي تحمل على متنها مهاجرين غير شرعيين تم إنقاذهم في عرض البحر.
وكانت فرنسا أعلنت استعدادها لاستقبال عدد من أولئك الذين تحملهم سفن الإنقاذ منذ أسابيع قبالة السواحل الإيطالية، في موقف وصفته المصادر الأوروبية بأنه تحول جذري في سياسة باريس تجاه ملف الهجرة الذي بات مؤكداً أنه سيعود إلى الواجهة مع حكومة ميلوني وحليفها سالفيني.
يذكر أن فرنسا كانت قد رفضت في عام 2018 استقبال سفينة الإنقاذ «أكواريوس» التي كانت السلطات الإيطالية منعتها من الرسو في موانئها، لكنها أعلنت هذه المرة أنها ستسمح لإحدى السفن الأربع بالدخول إلى ميناء مرسيليا، وإنزال المهاجرين الذين على متنها، والذين قالت منظمة «أطباء بلا حدود» إنهم في وضع صحي يائس. وفيما كانت السفينة «أوشين فايكينغ» التي تحمل على متنها 234 مهاجراً بينهم عشرات الأطفال، لا تزال تبحث عن ميناء ترسو فيه، رغم إعلان السلطات الفرنسية أنها مستعدة لاستقبالها في ميناء مرسيليا، ارتفعت حدة الصدام بين روما وباريس بعد أن أصر الجناح المتشدد داخل الحكومة الفرنسية على موقفه الرافض لاستقبال السفينة التي كانت حتى ظهر أمس الخميس تبحر في المياه الدولية قبالة سواحل جزيرة كورسيكا.
ورغم الاستعداد الذي أعلنته باريس في بداية الأزمة لاستقبال السفينة نظراً لتدهور الوضع الصحي للمهاجرين على متنها، إلا أنها علقت هذا الاستعداد في الساعات الأخيرة وعادت للضغط على روما كي توافق على إنزال المهاجرين في أحد الموانئ الإيطالية.
ومن بروكسل، عادت المفوضية الأوروبية لتذكر أمس بأنه «... لا بد من إنزال المهاجرين من أوشن فايكينغ فوراً في أقرب ميناء إليها، لأن الوضع الصحي على متن السفينة بلغ مستوى خطيراً جداً، وبالتالي يجب إيجاد حل سريع لمنع وقوع مأساة إنسانية».
وأفادت مصادر مقربة من الحكومة الإيطالية بأن جيورجيا ميلوني كانت أعدت مذكرة شكر لنظيرتها الفرنسية على استعدادها للتعاون في حل الأزمة، لكنها فوجئت بتغيير الموقف الفرنسي، وأعلنت رفضها استقبال السفينة التي كانت بدأت رحلتها باتجاه مرسيليا.
ويشير مراقبون إلى أن هذا التحول في موقف ماكرون ليس ناشئاً فقط عن رغبة الرئيس الفرنسي في مد يد العون للحكومة الإيطالية الجديدة التي يعول عليها في تعزيز محوره الأوروبي وتعويض الفتور الذي يعتري العلاقة الخاصة بين باريس وبرلين، والذي كان أول الذين اجتمعوا برئيستها مؤخراً في روما، بل هو يندرج أيضاً ضمن حساباته الداخلية، حيث يراهن على تصعيد المواجهة مع المعارضة للذهاب إلى انتخابات مسبقة قد تخرجه من الطريق المسدود الذي أوصلته إليه في البرلمان الانتخابات الأخيرة.
وكانت المعارضة اليمينية المتطرفة شنت حملة قاسية على ماكرون في الجمعية الوطنية بعد إعلان باريس استعدادها لاستقبال سفينة الإنقاذ، وهددت بالتصعيد في حال رست السفينة في ميناء مرسيليا.
وفي تطورات الساعات الأخيرة، أعلن ناطق بلسان الحكومة الفرنسية بعد الاجتماع الذي عقدته أمس الخميس أنه «نزولاً عند طلب رئيس الجمهورية، وبشكل استثنائي، قررنا استقبال سفينة أوشن فايكينغ نظراً لانقضاء خمسة عشر يوماً التي فرضتها السلطات الإيطالية على المهاجرين الذين على متنها».
ومن المتوقع أن ترسو السفينة ظهر اليوم الجمعة في ميناء طولون الفرنسي.


مقالات ذات صلة

ترحيل مهاجرين بموجب خطة بريطانية - فرنسية تم دون توفير مترجمين

أوروبا نزول مهاجرين من زورق عند ميناء دوفر البريطاني بعد إنقاذهم في أثناء محاولتهم عبور بحر المانش (أرشيفية - أ.ف.ب)

ترحيل مهاجرين بموجب خطة بريطانية - فرنسية تم دون توفير مترجمين

قال مفتشون في تقرير نشر اليوم الاثنين إن مهاجرين جرى ترحيلهم من بريطانيا إلى فرنسا بموجب خطة «واحد مقابل واحد» الجديدة لم يتوفر لهم ما يكفي من المترجمين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا ​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

قال متحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن 53 مهاجراً بينهم رضيعان لقوا حتفهم أو فُقدوا إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا مشاة يسيرون في أحد شوارع البلدة القديمة في استوكهولم عاصمة السويد يوم 17 أكتوبر 2024 (رويترز)

وسط مساعٍ لخفض الهجرة... السويد تشدد قواعد الحصول على الجنسية

قالت حكومة يمين الوسط في السويد، اليوم (الاثنين)، إن البلاد تعتزم تشديد قواعد الحصول على الجنسية.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
المشرق العربي مهاجرون على متن قارب مطاطي يتلقون سترات نجاة في حين يقوم أفراد طاقم سفينة بعملية إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا 16 يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

53 مهاجراً في عداد القتلى أو المفقودين إثر غرق قارب قبالة ليبيا

أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، أن 53 شخصاً لقوا حتفهم أو فُقد أثرهم إثر غرق قارب في المتوسط قبالة السواحل الليبية، في حين لم ينجُ سوى شخصين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

أيدت محكمة استئناف اتحادية سياسة إدارة ترمب المتمثلة في وضع مَن قُبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟