السياسة.. بين ماكس فيبر وغاندي

الأول يفكر من داخل نسق القوة.. والثاني من داخل نسق الضعف

السياسة.. بين ماكس فيبر وغاندي
TT

السياسة.. بين ماكس فيبر وغاندي

السياسة.. بين ماكس فيبر وغاندي

لقد اخترت عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر والزعيم الهندي غاندي معا، وربطتهما في مقال واحد، نظرا لأسباب عدة.. أول هذه الأسباب، أنهما عاشا معا في الحقبة نفسها؛ فماكس فيبر ولد سنة 1864، أما غاندي فقد ولد سنة 1869. والسبب الثاني أنهما درسا التخصص نفسه، وهو الحقوق. وإذا كان غاندي قد مارس المحاماة، فقد حلم فيبر بذلك بينما كان يدرس القانون. أما السبب الثالث، فيعود إلى اهتمامات الرجلين الواضحة بالسياسة؛ ممارسة وتنظيرا. والسبب الرابع، والأهم، هو أن فيبر ينظر إلى السياسة من منطلق غربي، ويرى أن العنف هو قدر الدولة، بينما غاندي، الشرقي، يؤسس للسياسة من مدخل اللاعنف، أو ما يسمى «ساتياغراها»، فالأول يفكر من داخل نسق القوة؛ فألمانيا كانت في حرب مع دول الاستعمار. أما الثاني، فيفكر من داخل نسق الضعف، لأن الهند تحت قبضة الاحتلال البريطاني.

سنسعى في مقالنا هذا إلى الوقوف عند كل فلسفة على حدة، لكي نتبين، عن قرب، وجهي السياسة العنيف والسلمي معا، متسائلين: هل هما وجهان متناقضان، أم وجهان لعملة واحدة؟

فيبر: مشروعية عنف الدولة

ولد عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر في ألمانيا سنة 1864، لعائلة بورجوازية بروتستانتية. التحق بالخدمة العسكرية وهو في سن الـ19. درس في جامعة برلين ليحصل على الإجازة في القانون سنة 1886، ثم حصل بعدها على الدكتوراه، مما مكنه من أن يصبح أستاذا جامعيا.
لم يعمر ماكس فيبر طويلا، فهو مات جراء إصابته بالتهاب رئوي حاد سنة 1920، أي عن عمر يناهز 56 سنة، إلى درجة أنه لم يكمل عمله حول «سوسيولوجيا الأديان». نعم لم تكن حياته بالطويلة، لكنها كانت عريضة وحافلة، خاصة في الشق السياسي؛ فالرجل استفاد كثيرا من أبيه الذي كان زعيما سياسيا يقيم الصالونات ويجمع فيها المفكرين والقادة السياسيين، الأمر الذي عمق لدى فيبر الإشكالات السياسية.
نريد في هذا المقال أن نطل فقط على جانب من تنظيرات فيبر السياسية، وبالضبط سنقف عند رأيه في مشروعية عنف الدولة.
يعرف ماكس فيبر السياسة، في كتابه «رجل العلم والسياسة»، بأنها: «تلك المجهودات المبذولة من أجل المشاركة في الحكم، أو للتأثير في عملية توزيع السلطة سواء بين الدول أو بين مختلف التجمعات داخل الدولة»، فالنشاط السياسي يحتاج أرضا للتجمع، كما يحتاج قوة للإكراه البدني من أجل فرض احترام القوانين والمساطر. ينطلق ماكس فيبر من فكرة تفيد بأنه ما دام لا يوجد مجال لتصور دولة دونما عنف، فالعلاقة بينهما وطيدة وحميمية. فوجود الدولة عبر تاريخها، يعني وجود تنظيم وتجمع سياسي له الصلاحيات والسلطة التي تمكنه من فرض الأوامر، وإلزام الناس بالطاعة. فالدولة تتمتع بسلطة قسرية وقاهرة تمنع فوضى الغاب. إن العنف المادي، وإن لم يكن هو الوسيلة العادية في يد الدولة، فهو الوسيلة المميزة التي لا يمكنها الاستغناء عنها. وفي كثير من الأحيان، لا تكون هذه القوة ظاهرة، بل هي تستخدم بطرق غير محسوسة. إن ماكس فيبر يظهر داروينية واضحة؛ فالصراع أمر حتمي داخل الدولة، فإذا كان هناك انتقاء طبيعي، فهناك انتقاء اجتماعي أيضا. وما يسمى «الشفقة في السياسة»، لهو أمر بئيس، وما يسمى «السلم» هو بالمثل، مجرد تكتيك أو تعديل في شكل الصراع بين الأعداء.
إن الذي يسأل: هل يجب استخدام القوة في السياسة؟ كالذي يسأل: هل يجب استخدام الذكاء في العلم؟ إلا أنه يجب فهم أن الدولة الحديثة قد بلغت في احتكار السلطة مبلغا عاليا، إلى درجة أنها أصبحت المصدر الوحيد لممارسة العنف. فالدولة بما أنها تجمع بشري في رقعة جغرافية معينة، أي الوطن، أصبحت، وعن طريق الآلية الديمقراطية، تشرعن لهذا العنف، وذلك عن طريق الاختيار الحر؛ فالسيادة أصبحت للقانون، والقانون من وضع الشعب، وكل خرق لهذا القانون يؤدي إلى المعاقبة المباشرة.. هذه المعاقبة يرضخ لها المواطن دون إحساس بالحيف والظلم، لأنه هو من صادق على القوانين وعلى نوع السيادة، فلا أحد في الدولة الحديثة له صلاحية العنف، فالعنف كله أصبح في يد هيئة سيادية، تعد بمثابة طرف نزيه ومحايد، يسهر على تنظيم الشأن العام وضمان التوازن والانسجام الاجتماعي.
لقد أصبحت الدولة الحديثة أكثر عقلانية، وسلطتها أصبحت إكراها منظما، وعنفها المحتكر أخذ طريق الشرعية، لأنها تقوم بمهمة الانتقام بطلب من أفراد الشعب، مما يعني أنه لم يتم في الزمن الحديث إلغاء الطبيعة، أي القصاص، بل كل ما هنالك أنه تمت مأسستها.

غاندي: العنف حيواني ولا مشروعية له

ينعت غاندي (1869 - 1948) بالمهاتما، وتعني «الروح العظيمة». إنه المحامي والزعيم الهندي الشهير الذي شكل، حقا، حالة فريدة ومتميزة في تاريخ البشرية. عاش بين الهند وبريطانيا وجنوب أفريقيا.. ناضل ضد الاستعمار، ووقف مع الملونين والمظلومين بشجاعة، وجابه التمييز العنصري. ولاقى في ذلك ما لاقى من صنوف الأذى. فهو، حقا، عاش حياة مليئة بالأشواك؛ حيث تعرض للضرب والإهانة والتمييز، لأنه ليس من البيض، بل الرجل سجن وعذب، لكن الذي جعله يلقى الصدى العالمي إلى درجة رفعه نحو المثال، هي طريقته المتميزة في الرد، والمتمثلة في الابتسامة الهادئة، فالرجل كان يتحرك بأفق نظري واضح، قائم على فلسفة سميت الـ«ساتياغراها».. فما ملامح هذه الفلسفة؟
لقد كان غاندي، بالإضافة إلى ثقافته الحقوقية بحكم كونه محاميا، كثير الاطلاع على الفلسفة الهندية القديمة، وعلى الديانة البوذية، وعلى الكتاب المقدس عند المسيحيين. كما أنه كان مطلعا أيضا على معاني القرآن الكريم. فهو كان، كما يبدو، يمتح أسلوبه من الثقافة الدينية، ناهيك بأنه كان قارئا للكاتب الروسي تولستوي، وكذلك لكارل ماركس، خاصة كتابه الشهير «رأس المال». ومن كل هذا الغنى الثقافي، استطاع أن يصنع لنفسه فلسفة تتمركز حول مجابهة العنف باللاعنف، سميت الـ«ساتياغراها».
ولفظة «ساتياغراها»، سنسكريتية، تعبر عن نظرية «المقاومة السلبية». ولكن معناها الحرفي هو «النضال السلمي في سبيل الحق». إنها قوة الروح، أو قوة الحب من أجل الحصول على الحق. ويمكن أن يستخدمها الأفراد كما المجتمعات. وهي قوة لا تقهر. يقول غاندي، «اللاعنف هو أعظم القوى في خدمة الجنس البشري، وأقوى سلاح ابتدعته عبقرية الإنسان». وإنه لغير صحيح إطلاقا، بحسب غاندي، القول بأن قوة اللاعنف قد أوجدها الضعفاء، ما داموا أنهم غير قادرين على مجابهة العنف بالعنف، فهي ما تبقى لهم من حيلة. إنه وهم ناشئ من عدم وجود ترجمة صحيحة كاملة لتعبير «ساتياغراها»، ذلك لأنه من المستحيل على أولئك الذين يعتبرون أنفسهم من الضعفاء أن يستخدموا ويطبقوا هذه القوة، فلا يمكن أن يكون من المقاومين السلبيين إلا أولئك الذين يدركون بأن في الإنسان شيئا أسمى من الطبيعة الوحشية الغاشمة، وأن تلك الطبيعة القاسية يمكن أن تخضع لذلك «الشيء». يقول غاندي: «أنا أسعى لأن أفل سيف المستبدين ليس عن طريق مواجهته بسيف أكثر مضاء، بل بمفاجأته بأن أخيب أمله في أن يراني أواجهه فيزيائيا، لأواجهه بمقاومة روحية تفلت من تقديره وتحكمه».
إن استخدام «ساتياغراها» يتطلب الصبر، وترويض النفس على عدم الاهتمام بأمر الكساء والغذاء، ومجابهة البغضاء بالمحبة، والباطل بالحق، والعنف بالعذاب الطوعي، حتى يشعر الطغاة بخستهم وحقارتهم.
إن العنف عند غاندي لا مكان له في نظريته، فاستخدام القوة المادية والبدنية في الـ«ساتياغراها» محظور حتى في أحسن الظروف الملائمة لذلك. «فليس اللاعنف أبدا منهجا من مناهج القسر، فهو منهج من مناهج الإقناع بالحسنى. وهكذا يجب أن يكون شعارنا دائما؛ إقناع الخصم وديا. ويجب أن نرفض، بتصميم وعناد، اعتبار خصومنا أعداء. ولما كان الـ(ساتياغراهي) يودع الخوف، فإنه لا يخشى إطلاقا أن يثق بالخصم. وحتى لو خدعه الخصم عشرين مرة، فإن عليه أن يكون مستعدا للوثوق به للمرة الحادية والعشرين، لأن الثقة المطلقة في الطبيعة الإنسانية هي جوهر عقيدته بالذات».
إن غاندي بعكس ماكس فيبر تماما، يعتبر أن العنف هو دوما عنف، والعنف رذيلة. إن اللاعنف هو القانون الذي يحكم النوع الإنساني، مثلما أن العنف هو القانون الذي يحكم النوع الحيواني. هكذا ربما سيظل الإنسان يتأرجح معلقا بين واقعية شرسة وطموح سلمي مثالي.

* استاذ فلسفة



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».