عام على «داعش» .. وحشية القتل باسم الدين

3027 عملية إعدام بسوريا.. وتساؤلات عن مصادر تمويله

عام على «داعش» .. وحشية القتل باسم الدين
TT

عام على «داعش» .. وحشية القتل باسم الدين

عام على «داعش» .. وحشية القتل باسم الدين

يكمل أكثر التنظيمات دموية اليوم (الإثنين) عامه الأول على ولادته تحت المسمى الذي أطلقه: "الدولة الاسلامية" في سوريا والعراق، لتقرع موجة تطرف تنظيم "داعش" (كما نعرفه)  أبواب دول اخرى كان آخرها تونس والكويت؛ حيث قتل الجمعة عشرات المدنيين في اعتداءات تبناها التنظيم.
وفي الذكرى الاولى لهذا الاعلان، يواصل التنظيم عملياته العسكرية التوسعية في البلدين، من دون نجاح عظيم للمحاولات العسكرية للقضاء عليه بالاشتراك مع ضربات التحالف التي يقودها ائتلاف دولي بقيادة اميركية ضده في وقف زحفه نهائيا او تحطيم قدراته.
ففي تونس، غادر آلاف السياح الأجانب البلد في نهاية الاسبوع غداة هجوم على فندق في ولاية سوسة (وسط شرق) تبناه "داعش" وأسفر عن مقتل 38 شخصا بينهم 15 بريطانيا على الاقل. وأثار الاعتداء صدمة في بريطانيا ودول غربية عدة تتخوف من تكرار الاعتداءات.
من جانبه، حذر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، اليوم، من أن مسلحي التنظيم المتطرف، يخططون لهجمات محددة تستهدف بريطانيا، وقال انهم يشكلون خطرا وجوديا على الغرب.
أما في الكويت التي بقيت في منأى اجمالا عن الاضطرابات التي تهز المنطقة، تبنى "داعش" في يوم الجمعة ذاته تفجيرا انتحاريا في مسجد شيعي سقط ضحيته 26 قتيلا و227 جريحا.
وتزامن ذلك مع اعتداء في فرنسا، تشابهت ملامحه بأسلوب التنظيم المتطرف ذاته في الجريمة التي نفذها ياسين صالحي الجمعة ايضا بقطع رأس رب عمله وتعليقه على سياج ثم محاولة تفجير مصنع للغاز، وان كان التنظيم لم يتبن العملية.
من جهة أخرى، يقول الباحث في مركز كارنيغي في الشرق الاوسط يزيد صايغ "من غير الواضح اذا كانت هذه العمليات مخططا لها بشكل مركزي او منسقة من التنظيم ".
ويخلف العام المنصرم تركة ثقيلة على صعيد الخسائر البشرية وانتهاكات حقوق الانسان في سوريا والعراق.
ففي خلال السنة الماضية، توسعت رقعة وجود التنظيم في البلدين، فبات يسيطر على حوالى نصف الاراضي السورية وثلث الاراضي العراقية، وعلى مساحة اجمالية تقارب 195 الف كيلومتر مربع، بحسب خبراء.
وفي تقرير اورده المرصد السوري لحقوق الانسان أمس (الاحد) ذكر ان تنظيم "داعش" نفذ منذ اعلانه اقامة "الخلافة"، 3027 عملية اعدام في سوريا طالت 1787 مدنيا بينهم 74 طفلا، ذبحا او صلبا او رميا بالرصاص او إلقاء من شاهق او رجما او حرقا... كما قتل آلافا آخرين في المعارك التي خاضها التنظيم على جبهات عدة ضد قوات النظام او مقاتلي المعارضة او المقاتلين الاكراد. وكان آخرهم 223 مدنيا كرديا قتلوا على يد التنظيم في غضون 48 ساعة الاسبوع الماضي في منطقة كوباني في محافظة حلب (شمال) "بالرصاص او الاسلحة البيضاء"، بحسب تقرير المرصد.
أما في العراق فلا يوجد احصاء لعدد ضحايا التنظيم، إلا ان العمليات الانتحارية تتوالى بشكل شبه يومي حاصدة مزيدا من الخسائر البشرية والدمار، بينما تجد القوات الحكومية صعوبة بالغة في استعادة مناطق خسرتها في فترة قياسية.
يذكر أنه منذ يونيو(حزيران) 2014، استطاع التنظيم ايجاد موطئ قدم في ليبيا، حيث سيطر على مدينة سرت الى الشرق من طرابلس مغتنما الفوضى الغارقة فيها ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011.
يشار الى ان العديد من المجموعات المسلحة المتطرفة في العالم أعلنت مبايعتها للتنظيم الدموي.
في ذات السياق، أصدر مجلس الأمن الدولي، أخيرا، تقريرا يكشف أن أعداد المقاتلين الأجانب الملتحقين بجماعات متطرفة قد تعدت 25 ألف مجند من أكثر من 100 دولة، وأغلب هؤلاء ينتمون إلى "داعش".
وأشار التقرير ايضا إلى أن عدد المقاتلين قد ارتفع بنسبة أكثر من 70 في المائة من جميع أنحاء العالم خلال الأشهر التسعة الماضية، مما يشكل تهديدا إرهابيا فوريا وعلى المدى الطويل.
وتشير الإحصائيات إلى أنه من بين كل تسعة مجندين عائدين، هناك احتمالية أن ينفذ واحد منهم أو أن يحاول تنفيذ عملية إرهابية في بلده الأصلي أو في بلد آخر، وهذا ما يدفع الحكومات حول العالم لتشديد الاحترازات الأمنية تحسبا لأي هجمات متطرفة، وتخوفا من نمو التطرف عالميا وتوسع ايديولوجية التنظيم الدامية لتتعدى معاقله الجغرافية.
وفي هذا الموضوع، قال رئيس الوزراء التركي داود أوغلو في تصريحات بثت في وقت متأخر من مساء أمس، إن أنقره ستتخذ الاجراءات اللازمة للحد من المخاطر المتعلقة بأمن الحدود.
وقال مسؤولون أتراك كبار إن تركيا ترغب في تشييد مزيد من الأسوار على امتداد حدودها مع سوريا لتعزيز الأمن في مواجهة متشددي تنظيم "داعش"، ولكبح عبور الحدود بشكل غير مشروع، إذ ينوه مراقبون من غياب الاحترازات الأمنية الكافية إلى اليوم على الحدود السورية - التركية لردع تدفق المقاتلين الأجانب إلى داخل نطاق النزاع الدائر.
وبعد عام على ولادته، يشن العالم حربا عسكرية واعلامية ضد "داعش" لدحضه في كلا المعركتين اللتين اصبحتا مشبعتين بالفكر المتطرف. حيث استغل "داعش" مساحات الإنترنت اللامتناهية ليبني ماكينة إعلامية متكاملة تنشر أفكاره وتجند عناصر في صفوفه، كما استنزف التنظيم منابر التواصل الاجتماعي ليمارس عملية "غسل الأدمغة" بأخطر الأساليب.
من جانبهم، ينتقد محللون دور الإعلام الرئيس الذي ساعم في إعطاء نوع من "الشرعية" للتنظيم بتسميته بـ"الدولة الاسلامية" في نشراته، وحرص على تتبعه وتغطية جميع تحركاته ما أعطى "داعش" وهجا زائفا.
وفي جلسة حوارية تحت عنوان "الشرق الأوسط في عام 2015: وجهة نظر خليجية" أقيمت في المعهد الملكي للعلاقات الدولية "تشاثام هاوس" بالعاصمة البريطانية لندن مطلع العام الحالي، أصر الأمير تركي الفيصل الرئيس السابق للمخابرات السعودية السفير السابق لدى لندن وواشنطن على استخدام لفظة "فاحش" لتسمية التنظيم المتطرف المعروف باسم "داعش"، داعيا جميع وسائل الإعلام - وخصوصا العربية منها - إلى اعتماد ذلك، لأن التنظيم ليس دولة، ولا يمت إلى الإسلام بصلة. ورأى أن "داعش" كان سببا في توحيد قوى المنطقة والعالم لمحاربته. إلا أنه نوه بأن التنظيم يعمل بطرق مختلفة وفي أماكن مختلفة.
بدوره، أشار باحث إعلامي في وقت سابق لـ«الشرق الأوسط» الى أن الإعلام الرئيس بات أكثر وعيا ونضوجا في تعاطيه مع ماكينة (داعش) الإعلامية؛ فعلى سبيل المثال، اختارت القنوات والصحف والمطبوعات عدم مشاركة مشاهد الذبح العنيفة.
ومع أن الدول تحارب "داعش" إعلاميا وعسكريا، تظل المعركة المهملة نسبيا - مع أنها الأهم - معركة للقضاء على آيديولوجية التطرف التي كانت موجودة قبل ولادته، وقد تستمر حتى بعد اختفاء التنظيم. وقد يمثل "داعش" اليوم استمرارا للموجة الفكرية المتطرفة التي بدأها تنظيم "القاعدة" وغيره سابقا، إلا أن طاقات التنظيم الدموي المضاعفة تساهم بنشر التطرف والإرهاب لجميع بقاع الأرض.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.