زوجات الأنبياء - الحلقة (12): «أم سلمة».. مستشارة الرسول

زوجات الأنبياء - الحلقة (12): «أم سلمة».. مستشارة الرسول

قاست المتاعب، وصبرت على الابتلاءات.. عرفت الحب الحقيقي. كرمها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان لا يملها، ويأخذ بمشورتها، ويرتضي رأيها. من السابقات إلى الإسلام، وأول مهاجرة إلى المدينة. إنها أم المؤمنين السيدة «أم سلمة» (رضي الله عنها).
يقول الدكتور حمزة النشرتي في كتابه «آل بيت النبي» إن أم سلمة اسمها «هند» وكنيتها «أم سلمة» بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمها عاتكة بنت عامر، أما زوجها قبل الرسول (صلى الله عليه وسلم) فهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وهو ابن عمها، وكان من السابقين إلى الإسلام، وأسلمت «أم سلمة» معه.
وهاجرت «أم سلمة» مع زوجها إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وعادا معا إلى مكة قبل الهجرة إلى المدينة. وشهد أبو سلمة مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) بدرا وأحدا، وأصيب في أُحد بجرح كان سببا في استشهاده.
تقول «أم سلمة» (رضي الله عنها): «لما أجمع أبو سلمة على الخروج إلى المدينة رحل على بعيره وحملني عليه ومعي ابني سلمة في حجري، فلما رآه رجال بني المغيرة نزعوا خطاب البعير من يده فأخذوني منه، وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة فقالوا: (والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها صاحبنا)».. قالت: «فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو مغيرة عندهم، وانطلق أبو سلمة إلى المدينة. وكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة فقال لبني المغيرة: (ألا تخرجون هذه المسكينة.. فرقتم بين ولدها وزوجها وبيتها؟)».. قالت: «فقالوا لي الحقي بزوجك إن شئت». قالت: «ورد بنو أسد إليّ ابني. وأخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق الله، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال لي: (أين يا بنت أبي أمية؟)، فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: (وما معك أحد). قلت: لا والله إلا الله وابني هذا. قال: (والله ما لك من مترك). فأخذ بخطاب البعير فانطلق يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أكرم منه، فأدخلنيها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة».

* حبها لزوجها
ويضيف الكاتب أحمد خليل جمعة في كتابه «نساء الأنبياء في ضوء القرآن والسنة»: «بعد عقبات طريق الهجرة جاء الفرج ونزل النصر، وعاشت أم سلمة مع زوجها تحفظه في أهله وماله، وترعاه في حشمه وعياله، فلا تقع عينه منها على قبيح، ولا يشم منها إلا أطيب ريح، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته. وكانت أم سلمة تحب زوجها حبا جما، ولا تفضل عليه أحدا، وتمنت أن يكون زوجها في الجنة كما كان زوجها في الدنيا، وفي حديث دار بينهما قالت أم سلمة لأبي سلمة: (بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة، ثم لم تزوج إلا جمع الله بينهما في الجنة، فتعال أعاهدك ألا تتزوج بعدي ولا أتزوج بعدك). قال: (أتطيعينني؟). قالت: (نعم). قال: (إذا مت تزوجي، اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلا خيرا مني، لا يُحزنها ولا يؤذيها)، فلما مات قالت: (من خير من أبي سلمة؟)، فما لبثت، وجاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقام على الباب فذكر الخطبة إلى ابن أخيها، أو ابنها، فقالت: (أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أتقدم إليه بعيالي)، ثم جاء الغد فخطب». وتقول «أم سلمة»: «حدثني أبو سلمة أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «ما من عبد أصابته مصيبة ففزع إلى ما أمره الله به من قول (إنا لله وإنا إليه راجعون)، اللهم أجرني في مصيبتي وعوضني خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته وكان حقا أن يعوضه الله خيرا منها، فلما هلك أبو سلمة ذكرت الذي حدثني عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)».

* زواجها من النبي
ويذكر الدكتور مصطفى مراد، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، في كتابه «زوجات الأنبياء»، أنه لما مات أبو سلمة تسابق سيدا كهول أهل الجنة أبو بكر وعمر إلى خطبتها، فسبقهما رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فعن عمر بن أبي سلمة أن «أم سلمة» لما انقضت عدتها خطبها أبو بكر فردته، ثم عمر فردته، فبعث إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالت: «مرحبا، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني غيرى، وأني مصبية، وليس أحد من أوليائي شاهدا». فبعث إليها: «أما قولك إني مصبية، فإن الله سيكفيك صبيانك. وأما قولك إني غيرى، فسأدعو الله أن يذهب غيرتك. وأما الأولياء فليس أحد منهم إلا سيرضى بي». قالت: «يا عمر قم فزوج رسول الله (صلى الله عليه وسلم). أما إني لا أنقصك مما أعطيت فلانة رحيبين وجرتين ووسادة من أدم حشوها ليف».
قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيها، فإذا جاء أخذت زينب فوضعتها في حجرها لترضعها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حييا كريما يستحيي فيرجع، فعل ذلك مرارا ففطن عمار بن ياسر لما تصنع، قال: فأقبل ذات يوم وجاء عمار، وكان أخاها لأمها، فدخل عليها، فانتشطها من حجرها، وقال: دعي هذه المقبوحة المشقوحة التي آذيت بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فدخل - أي صلى الله عليه وسلم - فجعل يقلب بصره في البيت يقول: أين زناب؟ ما فعلت زناب؟ قالت: جاء عمار فذهب بها. قالت: فبنى رسول الله بأهله، ثم قال: إن شئت أن أسبع لك سبعت».
ويضيف: «تمتعت أم سلمة بالحياة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وعاشت معه أياما لا تنسى، فكان - عليه صلوات الله وسلامه - يكرمها ولا يملها. تقول أم سلمة: (كنت نائمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللحاف، فحضت، فقال لي: أنفست؟ قلت: نعم. قال: قومي فأصلحي حالك ثم عودي. فألقيت عني ثيابي ولبست ثياب حيضتي، ثم عدت فدخلت مع اللحاف). وعن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة قالت: (كانت أم سلمة رضي الله عنها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يغتسلان من الإناء الواحد من الجنابة».
وكانت أم سلمة (رضي الله عنها) تتعلم من النبي (صلى الله عليه وسلم) أحكام الإسلام حتى تأدبت بأدب النبوة. فعنها (رضي الله عنها) قالت: «قلت: يا رسول هل لي أجر في بني أبي سلمة أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بني؟ فقال: لك أجر ما أنفقت عليهم». وعنها (رضي الله عنها) قالت: «يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء فتطهرين». وفي رواية: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لها وهي بمكة، وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة (رضي الله عنها) طافت بالبيت وأرادت الخروج، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إذا أقيمت الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون»، ففعلت ذلك ولم تُصل حتى خرجت.
وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأخذ بمشورتها ويرتضي رأيها. ومن ذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما صالح أهل مكة وكتب كتاب الصلح بينه وبينهم، فلما فرغ من قضية الكتاب قال (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، قال: «فوالله ما قام منهم رجل حتى قالها ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة (رضي الله عنها) فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ولا تكلم أحدا حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلق. فخرج، ففعل ذلك، فلما رأوا ذلك قاموا ونحروا، وجعل بعضهم يحلق لبعض».
واستمرت أم سلمة (رضي الله عنها) على الهدى والتقى إلى أن انتقلت إلى رحمة من ربها ورضوان سنة ستين من الهجرة، فسلام عليها وعلى زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم).