الرئيس الفرنسي: المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا ليست قريبة لكنها ضرورية

عقبات كثيرة تحول دون جمع الطرفين وتساؤلات عن الأسس والشروط لإطلاقها

ماكرون ما زال مصراً على أن المفاوضات مع بوتين هي الخيار الأفضل للخروج من الأزمة (إ.ب.أ)
ماكرون ما زال مصراً على أن المفاوضات مع بوتين هي الخيار الأفضل للخروج من الأزمة (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الفرنسي: المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا ليست قريبة لكنها ضرورية

ماكرون ما زال مصراً على أن المفاوضات مع بوتين هي الخيار الأفضل للخروج من الأزمة (إ.ب.أ)
ماكرون ما زال مصراً على أن المفاوضات مع بوتين هي الخيار الأفضل للخروج من الأزمة (إ.ب.أ)

أكثر ما يلفت الانتباه في حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المُتَلفز، ليلة أول من أمس، ليس تأكيده أن باريس سوف تقدم، بالتعاون مع الدانمارك، ست منظومات إضافية من مدفعية «قيصر» التي أثبتت فعاليتها، إلى القوات الأوكرانية لتنضم إلى 18 منظومة سبق أن وفرتها فرنسا ولإبداء استعداده للاستجابة لمطلب الرئيس الأوكراني لتزويد بلاده بمنظومات الدفاع الجوي في وجه الصواريخ الروسية التي تتساقط على أوكرانيا. المهم، وفق مصادر دبلوماسية أوروبية في العاصمة الفرنسية، أن ماكرون عاد ليتحدث عن الحاجة لجمع الطرفين الروسي والأوكراني إلى طاولة المفاوضات، في حين المعارك على أشُدّها جنوب وشرق أوكرانيا، وفي المناطق الأربع التي ضمّتها موسكو رسمياً، الأسبوع الماضي.
بدايةً، تجدر الإشارة إلى أن ماكرون سعى، منذ ما قبل بدء «العملية العسكرية الخاصة» الروسية، إلى الحصول من الرئيس الروسي على «ضمانات» بألا تقوم قواته باجتياح مناطق من أوكرانيا، وقد فشل في مهمته. وعمل لاحقاً للحصول على وقف إطلاق النار، والتوصل إلى تسوية بين الطرفين، وبقي على تواصل معه رغم الانتقادات التي انصبّت عليه، بما في ذلك من نظيره الأوكراني، خصوصاً بعدما دعا إلى «عدم إذلال» أو إهانة الرئيس الروسي، بمعنى ضرورة الإبقاء على باب للحوار وللدبلوماسية معه. و«الإنجاز» الوحيد الذي حققه حصل، الشهر الماضي، من خلال إقناعه بقبول زيارة وفد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمحطة زابوروجيا النووية التي تحتلها القوات الروسية؛ لتجنب حصول كارثة نووية يكون الجميع ضحاياها.
ويطلب ماكرون من بوتين «اليوم وقبل كل شيء أن يوقف الحرب ويحترم وحدة أراضي أوكرانيا ويعود إلى طاولة المفاوضات». ويفسر لاحقاً ما يعنيه بـ«وحدة أراضي أوكرانيا» بتأكيد أن الهدف من أية مفاوضات واضح؛ ألا وهو «العودة إلى حدود عام 1991»؛ أي إلى الوضع الذي كانت عليه الحدود قبل ضم روسيا شبه جزيرة القرم في 2014، ومن ثمّ ضمّها مؤخراً 4 مناطق أوكرانية إضافية (خيرسون وزابوروجيا ودونيتسك ولوهانسك).
ويسارع ماكرون إلى تأكيد أنه يعود للأوكرانيين- ولهم وحدهم- أن يقرروا متى يقبلون العودة إلى طاولة المفاوضات التي انقطعت بعد 4 جولات حصلت في بداية الحرب في بيلاروسيا، ولاحقاً في تركيا. إلا أنه يسارع إلى القول: «السؤال هو ما إذا كانت أهداف الحرب لن تتحقق إلا بالوسائل العسكرية». وطريقة طرح السؤال تعني أن هذه «الأهداف»، بما فيها استعادة أوكرانيا شبه جزيرة القرم التي يرى محللون غربيون أن لها وضعاً خاصاً يختلف عن وضع المناطق الأربع التي ضُمت حديثاً، يمكن أن تتحقق بالوسائل العسكرية، ولكن أيضاً عن طريق المفاوضات. وسبق لباريس أن أكدت، أكثر من مرة، أن الدعم العسكري لأوكرانيا هدفه مساعدتها على مقاومة الغزو الروسي، وتمكينها لاحقاً من الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع قوي.
وقناعة باريس أن هذه الحرب لا يمكن أن تنتهي إلا بالمفاوضات وكلما اقترب موعدها، كان ذلك أفضل للطرفين، وهو ما أشار إليه الرئيس ماكرون على طريقته بقوله «إنه في مرحلةٍ ما سيكون من مصلحة أوكرانيا وروسيا العودة إلى طاولة المفاوضات والتفاوض».
وأضاف: «سيكون ذلك ضرورياً، ولهذا السبب أرفض دائماً المواقف المتطرفة». والمقصود بـ«المتطرفة» الجهة التي ترفض التفاوض؛ في إشارة ضمنية إلى الرئيس زيلينسكي الذي أعلن، الأسبوع الماضي، وبعد ضم روسيا المناطق الأربع، رفضه التفاوض مع بوتين وانتظاره حلول رئيس آخر محلَّه.
وأكد ماكرون، الذي امتنع سابقاً عن وصف بوتين بـ«مجرم حرب»، أنه عازم على الإستمرار في التواصل معه «كلما دعت الحاجة».
بيْد أن حديث ماكرون عن المفاوضات لا يعني أنها ستحصل غداً ولا «في الأسابيع المقبلة». لذا وفي دعوة استباقية، حثّ الفرنسيين على الاستعداد «من أجل قضاء الشتاء في سياق هذه الحرب». وعندما يحين موعد المفاوضات فإن ماكرون يعتبر أن لفرنسا دوراً ستقوم به؛ وهو أن تؤدي، إلى جانب آخرين، «دور الجهات الضامنة»، وهو ما سبق أن اقترحه في بداية الحرب وطالب به زيلينسكي.
الثابت، اليوم، أن العديد من الأصوات تدعو إلى تفعيل العملية التفاوضية. فجون كيربي، منسق الاتصالات الاستراتيجية في البيت الأبيض، اعتبر، في حديث لقناة «إيه بي سي» الأميركية، الأسبوع الماضي، أنه «من الضروري أن يجلس الجانبان إلى طاولة المفاوضات، وأن يجدا طريقة للخروج من الأزمة بالسبل الدبلوماسية والسياسية».
وبوتين جدَّد، في 30 سبتمبر، دعوة أوكرانيا للتفاوض، والرئيس بايدن شخصياً لم يستبعد لقاء بوتين، على هامش قمة «العشرين» في بالي (أندونيسيا) يومي 15 و16 من الشهر المقبل، في حال حضرها الرئيس الروسي.
والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يريد أن يكون وسيطاً، وتقول أوساطه إن لديه خطة لذلك. يضاف لما سبق أن دولاً رئيسية؛ مثل الصين والهند وجنوب أفريقيا وباكستان، التي رفضت إدانة روسيا في مجلس الأمن وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، لها تأثيرها على القرار الروسي، وما فتئت تدعو لوقف المعارك وتحثّ الطرفين على المفاوضات.
حقيقة الأمر أن الدعوة إلى التفاوض شيء، وحصوله والخروج بنتائج إيجابية منه شيء آخر. ولو تم افتراض أن زيلينسكي تراجع عن رفضه التفاوض مع بوتين، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: ما الأسس والشروط والأهداف التي ستقوم عليها العملية التفاوضية؟ فمن جهة، موسكو ضمت، رسمياً وبتصويت مجلس الدوما وتوقيع بوتين، المناطق الأربع، ومن ثم يصح السؤال عن مدى استعدادها للتراجع عن كل ذلك، وحتى التخلي عن شبه جزيرة القرم التي ضُمت في عام 2014؟ ويعي الجميع أن أمراً كهذا يعني هزيمة بوتين واتهامه بخوض حرب فاشلة وجعل روسيا دولة منبوذة فُرضت عليها أقسى العقوبات الممكنة، كما يعي الجميع أن بوتين، رئيساً للدولة، سيكون مهدداً، فهل سيقبل التضحية؟ وبالمقابل فإن زيلينسكي يعتبر، كما أعلن أكثر من مرة، أنه قادر على الانتصار في هذه الحرب، إذا استمر الغرب بمساعدته وبتزويده بالأسلحة التي يطلبها، وبالأموال التي يحتاج إليها، فهل سيقبل التوقف في منتصف الطريق؟


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟