معرض «الرياض للكتاب» يقلب المعادلة ويصبح «أيقونة» المعارض العربية

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء ناشرين ومؤلفين وباحثين

معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)
معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)
TT

معرض «الرياض للكتاب» يقلب المعادلة ويصبح «أيقونة» المعارض العربية

معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)
معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)

سجّل معرض الرياض الدولي للكتاب الذي يختتم فعالياته السبت المقبل، حضوراً لافتاً في عدد الدور المشاركة ودولها، من محلية وعربية وأجنبية، وتنوع عناوين إصداراتها ومعروضاتها للكتب بما يرضي طالبيها والباحثين عنها. واستطلعت «الشرق الأوسط» آراء عدد من أصحاب دور النشر والمؤلفين وبعض زائري المعرض، ومن لهم علاقة بالكتاب ومتابعي ما تقذفه المطابع من مؤلفات متنوعة، وأجمع المشاركون على أن المعرض يمثّل ظاهرة ثقافية، بل يُعدّ أيقونة المعارض العربية وعينها، مع إمكانية الحصول على الكتب التي يبحث عنها الزائرون بعيداً عن مقص الرقيب.

الروائي عادل الحوشان

شدد بعض المشاركين على أن معرض الرياض للكتاب، قلَب المعادلة سريعاً وأعاد النظر في المقولة القديمة «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ»، لتصبح «الرياض تتقاسم العبارة مع الأشقاء: تكتب وتطبع وتقرأ».
فضاءات واسعة وأسقف مرتفعة
أكدت الكاتبة أميمة الخميس أن الثقافة كممارسة بحمولتها الشاسعة والمتعددة تتواشج في المعرض لتصنع حالة مستقلة للنزوح عن النخبوية إلى اتساع دائرة الرواد والمريدين، وقالت «لأنني من جيل كان يدسّ الكتب بين ثنايا الملابس في الحقائب خشية من نقاط تفتيش المطارات والموانئ، أما الكتب ذات المواضيع الحساسة (أو ما كنا نزعم بأنها كذلك) فكنا نطلبها من العواصم المجاورة خلسة من جيل كانت تفرد فيه أيام المعرض كلها للرجال وتترك فتات يوم ونصف اليوم للنساء في نهاية المعرض (عندما كانت تنظمه جامعة الملك سعود)، ومن جيل كانت تقام فيه الغزوات بين أروقة المعرض ضد عنوان مستفز أو سطر جريء، إما غزوة (ذات التوقيع) فكانت ضد توقيع كاتبة (أنثى) كتابها لقارئ (ذكر)».
سيبدو كل ما يتجاوز ما كان يحدث أعلاه رائعاً ومدهشاً وجميلاً، لعل أول مزية تمنح معارض الكتاب قيمتها هي الفضاءات الواسعة والأسقف المرتفعة التي تتحرك بها المعارف، وهذا ما لمسته في معرض الرياض، حيث رواية نجيب محفوظ الخالدة (أولاد حارتنا) تتسنم واجهة دار نشرها، بينما كتاب يوفال هراري الثاني (الإنسان الإله) يوزع عبر مشروع الترجمة الجاد والأنيق في جناح أبوظبي، أما دار الجمل بحمولتها المزعجة المكهربة فقد أناخت بكلكلها في إحدى أروقة المعرض، هذا المساحات الشاسعة هي التي تهمني كقارئة، أما أن يدبج البعض المقالات للحديث عن مواقف السيارات وعرض الممرات وأسعار الكتب والبلاط فهذه ذهنية (مقاول) وليس طالب معرفة، مع احترامي للجميع!
وأزعم في وقتنا الحاضر (حيث احتدام البدايات) وزارة الثقافة ترجو من النخب تلويحات وإضاءات فوق خريطة مشروعها الذي تهدف فيه إلى جعل الممارسة الثقافية جزءاً نشطاً وفاعلاً يتخلل النسيج المجتمعي الذي تتربص به استهلاكية غرائزية مفرغة من العمق والمعنى الوجودي من جهة، وفي الجهة المقابلة أيضاً لتنجو بالثقافة من مصير الردهات المغبرة الخاوية في الأندية الأدبية.


الروائية أميمة الخميس

الثقافة كممارسة بحمولتها الشاسعة المتعددة المستحثة لجميع كوامن السامي والجميل والخالد في أعماقنا تتواشج في المعرض لتصنع حالة مستقلة بدا واضحاً فيها النزوح عن النخبوية إلى اتساع دائرة الرواد والمريدين، عبر الحفلات الموسيقية، وورش تعليم الطهي، حتى البرنامج الثقافي وسع دائرة المشاركين، حيث المبدعين والموسيقيين والمسرحيين، وقلص جمود الأكاديميين إلى حده الأدنى.
وزارة الثقافة في تنظيمها للمعرض، تسير فوق ذلك الصراط الحاد المرهف الذي يفصل النتاج الثقافي الأصيل المدهش العميق الذي يستلهم روح الإنسانية وبين النتاج الاستهلاكي المبتذل السخيف الخاضع لقوانين السوق... ومن هنا، يبدو التحدي كبيراً أمامها... لكن أعتقد أن أهم إرهاصات النجاح هو ما نراه من إقبال جماهيري كبير على المعرض ليس من سكان المملكة فقط، بل أيضاً من الخليج والعالم العربي، (كنت في الصيف في معرض كتاب إدنبرة فكان الحضور شحيحاً ونخبوياً) مقارنة بمعرض الرياض الذي بات من أبرز المحطات الثقافية في المشهد كقيمة (ثقافية – جماهيرية - اقتصادية) على مستوى العالم العربي».
المعرض قلَب المعادلة
شدد الدكتور محمد بن عبد الله العوين، الكاتب والناقد والأستاذ الجامعي، على أن معرض الرياض للكتاب قلب المقولة والمعادلة القديمة وأعاد النظر فيها التي تقول: القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ، لتصبح الرياض تتقاسم العبارة مع الأشقاء؛ فهي: تكتب وتطبع وتقرأ، وقال «بشفافية عالية سأتحدث عن رؤيتي للمضامين قبل الشكليات وأدوات تسيير أنشطة المعرض الجانبية وندواته الكثيرة، ولم أكن أصدق يوماً ما أن أرى ثمار العقل والإبداع العربي والإنساني من دون تحفظ إلا على الثوابت الدينية والأخلاقية والسياسية معروضة بسخاء وجدة أمام الزوار، تلك الكتب التي كنا نهرول وراءها باحثين عنها في معارض الكتب أو دور النشر في عواصم الثقافة قديماً، ثم نأتي بها بإرهاق وعنت ثم فرحة لا تعادلها فرحة بعد توزيعها في أرففها المناسبة لها في مكتباتنا الخاصة، لقد انقلبت المعادلة سريعاً، فقديماً سمعنا المقولة التي يحسن إعادة النظر فيها: القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ! إلى: الرياض تتقاسم العبارة مع الأشقاء؛ تكتب وتطبع وتقرأ، فلا يمكن أن تستمر مدينة ما عاصمة مركز والبقية أطرافٌ إلى الأبد؛ فالتحضر والتطور عملية متسارعة ومتغيرة بأسبابها وحيثياتها ودواعيها ونظامها السياسي المشرف على إدارتها، ومن التواضع المحمود أن نقول إن الإبداع فكراً أو أدباً أو فناً ليس محصوراً على مكان أو زمان محددين، فما يقلق ويسعد وما يختلج في القلوب من مشاعر وما يعترض سبل العيش السعيد من عقبات ونوازل همومٌ إنسانية مشتركة تشعر بها الشعوب في أميركا اللاتينية كما يشعر بها سكان الجزر الإندونيسية كما نفكر فيها نحن الشعوب العربية ونكتوي بنور أو نار مشاعرها، الإنسان الذي يبدع ويفكر شعلة تضيئ الدروب لأخيه الإنسان أينما كان أو حّل، ووظيفة التفكير الرشيد إسعادُ البشر، ووظيفة الإبداع الراقي بأشكاله الفنية المتعددة التعبيرُ الرفيعُ الراقي عن ذلك التفكير وتلك المشاعر والهموم.


الناقد محمد العوين

والرياض في تحولها الوطني السريع وانفتاحها الواثق على ثقافات العالم تتمثل أفقَ الرؤية الواسعَ: التعايشُ مع العالم والإسهامُ معه في الحضارة الإنسانية، وخلقُ وتكوينُ بصمة سعودية عربية إسلامية تحتفظ بخصوصيتها وهويتها وجيناتها الخاصة التي تمنحها التفرد َوالتأثيرَ والبقاء.
المدهش في المعرض هذا التنوع الرائع الجميل في العناوين الفلسفية والتاريخية والسياسية والأدبية وغيرها، والأكثر لفتاً لنظر المتأمل ظهور موجة تجديد كتب فكر وإبداع بداية عصر النهضة العربية في مصر ولبنان والعراق بطبعات جديدة، مع الاحتفاظ بأصول الطبعات القديمة الأولى وأركانها من محققين وكاتبي مقدمات، ونحو ذلك.
ومما يشكر للجنة المنظمة هذا الثراء والجمال في تعدد وتنوع القضايا والاهتمامات في الندوات والعروض.
هذا من حيث المتن والموضوع، وهو الأكثر أهمية، أما من حيث الإجراءات التنفيذية، فلحظت غلاء الأسعار بصورة مزعجة؛ مما قد يحدّ من تكاثر عمليات الشراء إلا للضروري جداً».
عين المعارض العربية
واعتبر المحامي والكاتب والمؤلف والناشر السعودي محمد المشوح، أن معرض الرياض يشكل أيقونة المعارض العربية وعينها، وقال «يُشكِّل معرض الرياض الدَّولي للكتاب أيقونة للمعارض العربيَّة بوهجه وجمهوره وزفِّ العديد من الإصدارات الكثيرة في أيَّامه، ولا شكَّ أنَّ المعرض هو عين المعارض العربيَّة؛ لكثرة الزوَّار والقوَّة الشِّرائيَّة الكبرى التي يزخر بها معرض الرياض الدَّولي لكتاب.
والحقيقة، أنَّ الإخوة الَّذين يقومون على هذا المعرض لا شكَّ أنَّهم يبذلون جهوداً كبرى من أجل إظهار المعرض بالوجه اللَّائق، ونحن نلحظ ونشهد كلَّ عام تغييرات مهمة وتطويريَّة شاملة للمعرض؛ مثلاً: المقصّ الرَّقيب، والرَّقابة الدَّوريَّة على الكتب نحن شاهدنا في معرض الرياض أنَّ الحسّ الرَّقابي اعتلا كثيراً؛ بحيث إنه أصبح هناك فسحة كبرى للنَّاشرين في العرض، وليس هناك رقابة رتيبة ومقلقة ومزعجة للجميع، وهذا بلا شكَّ يُحفِّز النَّاشرين على النَّشر، ويحفِّز القُرَّاء على ارتياد المعرض لوجود جميع الكتب التي يبحثون عليها من غير مقصِّ رقيب.
الجانب الآخر الَّذي يتميز به معرض الرياض الدَّولي للكتاب، هو النوعيَّة المتميِّزة من القُرَّاء ومن المتابعين، وهذه هي طبيعة الحضور في معرض الرياض الدَّولي للكتاب التي تختلف عن كثير من المعارض.
الجمهور السُّعودي معروفٌ بأنَّه جمهور قارئ متابع ناقد، وهذه الصِّفات قلَّ أن تتوفَر في كثير من الجماهير التي تزور المعارض. وكذلك هو جمهور غزير وغفير، وبالتالي هناك تزاحم كبير من قِبَل دور النَّشر العربيَّة والعالميَّة على الحضور والمشاركة في المعرض؛ للمكانة التي اكتسبها طيلة هذه السَّنوات الماضية، وللطبيعة المتميِّزة للقارئ السُّعودي والجمهور الحاضر.
المعرض شهد توسُّعاً كبيراً في المشاركات من قِبَل دور النَّشر، ولاحظنا أنَه تمَّ افتتاح صالة كبرى أخرى رديفة للصَّالة الأخرى الموجودة، وهي تُعزِّز دَور النَّاشر السُّعودي والعربيّ، كما أن الفعاليات الثقافيَّة تجذب وتنادي كلَ من له صِلة بالثَّقافة والفنّ والأدب بأن يحضر إلى المعرض، وسيجد ما يريده ويبتغيه من خلال الفعاليات الموجودة.
نحن كناشرين سعوديين نترقَب كلَّ عام مثل هذا العرس الثَّقافي، وهذا يوفِّر مزيداً من الجمهور العريض، فالنَاشر السُّعودي له حصَّة كبرى من معرض الرياض الدَّولي للكتاب، وبالتالي فإنَّ حضوره حضورٌ مهم، يضفي على المعرض القوَّة المحليَّة، ودُور النَّشر الكثيرة في السُّوق السُّعودية للنَّشر، وهذا يعزِّز مكانة السعودية في المشهد الثَّقافي وفي سوق النَّشر، وهو أحد أوعية الاقتصاد الـمَحلِّي والعالمي.
نجاح رغم غلاء الأسعار
ورأى الشاعر والروائي عادل الحوشان، أن معرض الرياض للكتاب يعدّ علامة عربية وعالمية مميزة، بل يعدّ من أهم المعارض العربية وأكثرها إقبالاً، وقال «الكلام عن معرض الرياض الدولي للكتاب كما هو دائماً، على اعتبار أنه أهم المعارض العربية وأكثرها إقبالاً.
أعتقد أن تصريح المسؤولين عن المعرض بمشاركة 1500 دار نشر، هو تصريح حسابات الأرقام، التي قد تكون منصفة كدليل للنجاح من جهة، لكن لا بد من مقارنتها مع بقية العناصر المهمة التي يجب مراعاتها دائماً بغض النظر عن الأرقام رغم أهميتها.
هذا المعرض هو علامة عربية وعالمية بامتياز بكل تأكيد، لكن لا بد من الأخذ بالاعتبار عناصر أخرى مهمة ويضعها المثقف وغير المثقف في الحسبان، أعتقد أن اللجان المنظمة بذلت جهداً هائلاً يشكرون عليه، لكن لا تزال هناك بعض الملاحظات التي سبق أن تكلمنا وتكلم عنها غيرنا تتعلق بجوانب تنظيمية؛ فتنوع الكتب واتجاهاتها وتنوع دور النشر عربية وعالمية شيء يحسب لكل معرض، لكن الرقابة على أسعار الكتب أيضاً مهمة وفي غاية الأهمية، بسبب أن الكثير من دور النشر تبالغ بشكل غريب في أسعارها، ولا أريد أن أذكر دولة بعينها صارت سمتها السنوية رفع أسعار بعض الكتب بما يقارب 7 أضعاف سعر تكلفتها.
إدارة المعرض - حسب ما سمعت - فرضت خصماً يقارب 15 في المائة، لكن هذه الدور تبيع وكأن من يزورها لا يعرف هذه المضاعفات التي تحدث مع كتب لها طابع «الشبابية»، كتب مؤلفين استطاعوا تسويق أنفسهم عبر السوشيال ميديا واستغلت هذه الدور رغبة الأجيال الجديدة في الانضمام إلى كوكبة القراء من أجل الحصول على نسخ من عينات هذه الكتب، هذا حقهم بالطبع، لكن ذلك سيؤثر على بقية المعرض، الذي أصبحت أبرز سماته غلاء أسعار العارضين، ليس هناك عذر بالطبع بوجود ضريبة قيمة مضافة، أو غلاء أسعار الطباعة، فهذا الكلام للدفاع عما ارتكبوه وهو كلام تكشف عن عورته السوق.
المعرض بشكل عام يستحق أن نقول لوزارة الثقافة ولهيئة الأدب، شكراً، كظاهرة ثقافية مهمة ولافتة».

إقبال واسع من مختلف شرائح المجتمع على معرض الرياض للكتاب (تصوير: علي الظاهري)

سقف الحرية لا حدود له
وأكد الدكتور أحمد الصادق برير، أكاديمي وكاتب سوداني مقيم في الرياض، بأن المعرض حقق التفوق وكان استثنائياً، وسقف الحرية فيه لم تحده حدود، وكانت الأجنحة الخاصة بالأطفال وجهاً مشرقاً وباهراً للمعرض، وقال «في العام الماضي وهذا العام، استعاد معرض الرياض الدولي للكتاب ألقه وتوهجه في نقلة تاريخية في استيعابه منجز المحيط العربي المعرفي. وفي سابقتين اثنتين تفوق وبشكل ملحوظ على معظم المعارض الأخرى وأقول قولي هذا بثقة وعن تجارب متنوعة ومتعددة. أعجبني التنظيم الدقيق وديناميكية وهمّة ونشاط الشباب والشابات، فإن دخلت إلى صالة المعرض فاعلم أنك لن تضل أبداً، أضف إلى ذلك أحدث التقنيات، بل وأرقاها في خدمة زوار المعرض، هذا مما يحسب للقائمين على ترتيب وإعداد المعرض. جاءت مشاركات الناشرين والمشتغلين بصناعة النشر والكتاب والتوزيع غير مسبوقة هذا العام بالتحديد. حتى دور النشر التي اختفت لسنوات ظهرت وتطالعك وجوه الكثيرين منهم وهم سعداء باستجابتهم لفضول قرائهم الذي لا تحده حدود. ولم يكن معرضاً عادياً على الإطلاق: هنالك أنشطة فكرية وثقافية مصاحبة وأكثر مما تم الاحتفاء به، تلك الأجنحة الخاصة بالأطفال. كانت وجهاً مشرقاً وباهراً.
المعرض هذا العام كان استثنائياً وسقف الحرية لم تحده حدود، وهذا مما لا تنتطح عليه عنزان كما تقول العرب. سعادة الزوار لا تخطئها العين الحرة: نعم هذه العناوين بحثت عنها كثيراً، وها هي أمامي وأخيراً حصلت على كتب كاتبي المفضل إلخ إلخ مما تسمعه هنا وهناك. يبقى أن جوانب عديدة من لوجيستية ومقابلة احتياجات الزوار المحتملين، وبالتالي الأخذ في الاعتبار فضولهم المعرفي الذي لا تحده حدود. نعم، ذلكم هو جوهر المسألة، ولكن ثمة بضع ملاحظات:
على الرغم من احتفاء الزوار بذلك العدد الكبير للمشاركين، فإن خريطة توزيعهم كانت مربكة للغاية، خاصة أن الصالة ضخمة جداً، وكان هذا بائناً في اليوم الأول للمعرض مع تعطل الشاشات المعينة لبعض من الوقت. بيروقراطية؟ ربما. وهذا في حسباننا طبيعي في وجود هذا العدد الهائل من المشاركين، لم يكن مبرراً على الإطلاق ردود فعل الزوار تجاه ذلك الارتباك. من ناحية أخرى، وكذلك على الرغم من احتفائنا مرة أخرى بتوفر العناوين التي لا نستطيع الحصول عليها واقتناء أحدث الإصدارات، فقد صدمنا من الأسعار وفجعنا وغمنا ما طلبه كثير من المشاركين من الكتب التي لا نستطيع مقاومة شرائها! نعم، دور نشر معروفة ومعروف الإقبال غير العادي من القراء عموماً على عناوينها وانتظارهم عاماً كاملاً حتى تحين لحظة اقتنائها ويفاجأوا بذلك الغلاء وتلك الأسعار؟ ربما نسي أولئك أو قُل تناسوا أن القراء والزوار خاصة في السعودية ودون كل البلاد العربية الأخرى، على وعي تام بما يدور من الشراء من المواقع الإلكترونية المختلفة ومعرفة تامة بالأسعار وتكلفة الشحن».


مقالات ذات صلة

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.