آدم فتحي: «الشعبوية» تسعى لمأسسة «الفراغ الثقافي» وإخلاء المكان من أسلحة التنوير

الشاعر والمترجم التونسي لـ «الشرق الأوسط» {: الثقافة تخوض حرب مواقع ولن تنتصر فيها إلا مُوحدة ومتضامنة

الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي
الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي
TT

آدم فتحي: «الشعبوية» تسعى لمأسسة «الفراغ الثقافي» وإخلاء المكان من أسلحة التنوير

الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي
الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي

يعبّر الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي، المولود في الجنوب التونسي عام 1957، عن التزامه بقضايا الانسان وهمومه، مسخّراً الشعر الغنائي لتمثيل صورة المعاناة والبحث عن الحرية. سجل حضوراً مميزاً في المشهد الثقافي العربي، وغنى الشيخ إمام من قصائده: «يا ولدي»، و«اصحى طال النوم» وغيرهما، وشكل ثنائياً فنيّاً مميزاً مع لطفي بوشناق إذ غنى له العديد من القصائد من بينها: «سراييفو» و«أحمال قلبي الكبير»، كما شكل معه ثنائياً متفرداً، وعرف بانحيازه للفرق الموسيقية الملتزمة في الثمانينات، مثل (فرقة البحث الموسيقي)، و(الحمائم البيض)، كما كتب أغاني لحنّها مبدعون مثل الزين الصافي ومحمد بحر وغيرهم.
في مجال الترجمة، نقل آدم فتحي من الفرنسية إلى العربية مذكرات شارل بودلير «اليوميات»، وسبعة أعمال من مؤلفات الكاتب الروماني - الفرنسي إميل سيوران فترجم له: «مثالب الولادة»، و«المياه كلها بلون الغرق»، و«تاريخ ويوتوبيا»، و«اعترافات ولعنات»، و«تمارين في الإعجاب»، و«رسالة في التحلل»، و«السقوط في الزمن». كما ترجم روايتين لجيلبرت سينويه، بينهما «ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان»، و«اللوح الأزرق» وروايتين لنعيم قطان بينهما «وداعا بابل». وفاز بجائزة «سركون بولص للشعر وترجمته» التي تقدمها دار الجمل في دورتها الثانية عام 2019.
وبمناسبة احتفاء معرض الرياض الدولي للكتاب بتونس (ضيف شرف)، أجرت (الشرق الأوسط) الحوار التالي مع الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي:

> لديك حضور مميز في المشهد الثقافي العربي من خلال أعمالك الشعرية والترجمة والقصائد الغنائية. أنت من الأصوات الإبداعية التي عبرت حاجز الجغرافيا لتتحول إلى أيقونات عالمية، كيف تصف علاقة المشهد الثقافي في تونس بالعالم العربي؟ وكيف يخلق تواصله وتفاعله؟
- يعيش المثقّفون في تونس جنباً إلى جنب مع شعبهم الصراع المحتدم نفسه، بين الأحلام العالية والطموحات الكبيرة من جهة، والنصال المتكسّرة على النصال من الجهات المقابلة. وعلى الرغم عن خصوصيّة هذه اللحظة فإننا نشترك في كثير مع المشهد الثقافي العربي بعناصره المغاربية والمتوسطية والأفريقية والآسيوية. نحن نعيش (كلٌ على طريقته) اللحظة الكاريكاتوريّة نفسها التي صوّرها فيلم (Don›t Look Up). حيث يغلب على المشهد الشعبوي العالمي الاستقطاب بين ثقافة الاستهلاك والغيبوبة من جهة، وثقافة الوعي التي يُهَمَّشُ مُمَثّلوها ويُتّهمون بالغياب بينما هم مُغيَّبون. كل ذلك من أجل مأسسة «الفراغ الثقافيّ» وإخلاء المكان لنوعٍ من «No man’s land» الخالي من الأسلحة الثقافية التنويرية المحررة. تلك هي المعاناة المشتركة للثقافة في العالم. لذلك فإن العلاقة التي تهمنا في المشهد الثقافي خارج الحدود، هي تلك التي تمدّ الجسور مع ممثلي هذه الثقافة في كل مكان. ثمّة حرب مواقع تخوضها هذه الثقافة ولا تنتصر فيها إلا موحدة ومتضامنة. ولعلنا نستعين على هذا الأمر بما يتيحه لنا لكوننا أبناء قرن جديد. لقد تغيرت من حولنا مفاهيم عديدة ليس أقلها مفهوم الحدود. وأصبح في وسع أي موقع إنترنت أن يضع حداً لاحتكار المعلومة. وأن يلعب دور «العاصمة الثقافية». وأن ينتقل من هامش إلى مركز. وأن يصنع الحدث داخل المشهد ككل.
الشعر والسياسة
> كتبت الأغنية العاطفية، لكنك حلقت مع الأغنية الوطنية، فغنى لك الشيخ إمام مثل أغنية «يا ولدي»، و«اصحى طال النوم»، وشكلت ثنائياً فنياً مميزاً مع لطفي بوشناق حين غنى العديد من قصائدك بينها «سراييفو» و«أحمال قلبي الكبير». هذا يظهر التزامك الراسخ بالقضايا الإنسانية والوطنية. ماهي الرسالة التي تحملها شاعراً مسكوناً بالهم الإنساني؟
- تقول إحدى الخرافات الطريفة إن الروح دخلت جسد الإنسان فأحسّت بضيق المكان وطلبت السماح لها بالخروج، فأُمِر الإنسان بالغناء وهكذا اتّسع الجسد أمام الروح فطاب لها المقام. هذا النوع من الأغنية هو الذي حاولتُ الكتابة فيه. إنّها أغنية تمرح وتلعب وتتوجّع وتسأل وتحلم، وعن طريقها يتحاور الإنسان مع جسده ومع العالم. من ثمّ لم أكتب الأغنية على أساس أنها عاطفية أو وطنية. الأغاني التي تفضلت بذكرها لا تعترف بالأغراض. وكذلك سائر الأغاني التي لحنها لي سائر الأصدقاء المبدعين مثل الزين الصافي، أو البحث الموسيقي بقابس، أو محمد بحر وغيرهم. أنا أطلب من الأغنية ما أطلبه من القصيدة. أن تقولني ذاتياً وحميمياً في لحظة كتابتها. فإذا عبّرت عن الموضوعي والعام فيما هي تعبّر عن ذاتي وخصوصياتي فأهلاً وسهلاً. ذاك ما تعلّمتُ من «الأغنية الشعبية» ككل وهي تصاحب الإنسان في أوجاعه ومسرّاته ولا تعترف بتقسيم أغراضي أو توظيفها. وذاك ما تعلّمت من تجارب الأغنية العالمية في مختلف اقتراحاتها، بداية من سيد درويش، والرحابنة، والشيخ إمام، وصالح الخميسي، ومارسيل خليفة، وزياد الرحباني، وصولاً إلى جورج براسينس، وبوب مارلي، وبوب ديلان، وغيرهم.
> ما رأيك بكتابة الشعر السياسي؟ كيف للشاعر أن يعبر عن تفاعله مع قضايا الإنسان والعالم من دون الوقوع في شرك المباشرة؟
- علينا أن نكف عن اعتبار السياسة فزّاعة. ليس من عمل في المدينة إلا وهو سياسة من جهة ما. بما في ذلك ممارسة الشعر والإبداع عامة. أما إذا كان المقصود وضع الشعر في خدمة هذه الفكرة أو هذا الحزب، فتلك مجرّد بروباغندا لا يمكن نسبتها إلى الإبداع. المرفوض هو تسييس الشعر وليس سياسة الشعر. لقد عرف كبار الشعراء كيف يكونون ساسةً كباراً بمعنى الحفر في العقول والوجدان وتخليص المخيال من كل قيد أو شرط. يستوي في ذلك هوميروس، وعنترة، وطرفة بن العبد، وبودلير، ورامبو، وصولاً إلى نيرودا، والسيّاب، وريتسوس ولوركا، وسعدي، ودرويش، وسركون بولص، ولا حدّ للقائمة. ولعلّ ذلك ما رمى إليه إيمي سيزار حين قال: «إذا أردتم أن تفهموا سياستي فاقرأوا شعري». عِلماً بألا علاقة لحضور السياسة في النص بإنتاج نصوص «مباشرة» أو ضعيفة. قد يتأتى ضعف بعض النصوص أحياناً من السمنة البلاغية والإفراط في العدول والاستعارة. وقد تكون المباشرة في كثير من الأحيان عنصراً جوهرياً من عناصر معمار النص.
الشعر والترجمة
> ترجمتَ من الفرنسية إلى العربية مذكرات شارل بودلير «اليوميات»، هذا الكاتب المسكون بالفرادة يقول: «هناك من لا يستطيع أن يلهو إلا وهو في قطيع.. البطل الحقيقي يلهو وحيدا »، وهذا الكاتب المتوثب دائماً يقول: «فاقد الروح، ميت بين موتى..» ماذا رأيت في هذا الكاتب؟ ما الذي يضيفه للقارئ العربي؟
- أشرت في مقدّمة الترجمة إلى أن في هذه اليوميات ما يتيح لنا رؤية وجه بودلير بلا ماكياج ولا رتوش. إلا أن فيها أيضاً ما يكشف لنا عن الشاعر نفسه كما عرفناه في قصائده وكتاباته النقدية. ذاك الشاعر المتمزق بين قاع الحياة وسطحها وبين أنفاقها الموحلة وآفاقها الروحية. مع فارق أنه في قصائده يمارس هذا التمزّق ويحوّله إلى شعر، بينما هو في اليوميات يسائله ويحاوره ومن ثم يكشف لنا عن أسراره بشكل غير معهود.
> قدمت للعربية أيضاً سبعة أعمال من مؤلفات إميل سيوران، كيف رأيت هذا الفيلسوف الروماني المتشائم كما في كتابه الذي ترجمته «المياه كلها بلون الغرق»، وهو القائل: «من يريد أن يكون أكثر مما هو فلن يلبث أن يكون أقل»، و«الواقع يصيبني بالربو».
- أعتقد أنّ سيوران أكثر مراوغة وانفلاتاً من أن يصنّف ضمن «الفلاسفة المتشائمين». بل إنه لا يرى نفسه فيلسوفاً أصلاً. من ثَمّ طرافته. إنه كاتب يستمتع باستفزاز قرائه ويحب أن يدفعهم إلى التشكيك فيما يتصورونه بديهيات، ويطيب له أن يغريهم بإعادة التفكير في كلّ ما يتوهمون أنه مسلّمات. تقرأ سيوران فتختلف معه، لكنه يمنعك من الدوران في حلقة مفرغة. تدخل كتاباته على الخطابات المتكلّسة فتخلخلها وترجّها وتساعدها على الانهيار. هكذا يكون لنصوصه أحياناً أثر شبيه بأثر المتفجرات في الجبال حين نريد أن نشقّ فيها طرقاً جديدة. لذلك رأيت ضرورة ترجمته إلى اللغة العربية. لقد كانت العربية واحدة من أكثر اللغات حيوية وجرأة في أيام الجاحظ، والتوحيدي، وابن رشد وغيرهم. وظلّت كذلك حتى وقت متقدّم. ولم تكن تخشى من المقارنة بأي لغة في العالم كلّما تعلّق الأمر بقول الجسد أو الدين أو السياسة أو بالتفكير في أيّ من التابوهات. إلا أن كتّاباً كثيرين من ممثلي العربية في هذا الزمن المتأخر، آثروا الحيطة وغلب عليهم الخوف والتكلّس. ولعل في وسع تنزيل مناخات سيوران في لغتنا أن يتيح نوعاً من «خلخلة الماموث».
> ترجمت كذلك روايتين لجيلبرت سينويه، بينهما «ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان»، وروايتين لنعيم قطان بينهما «وداعا بابل». ما تضيف الترجمة لإثراء التراث الإنساني؟
- لا وجود لأيّ تراث إنساني في غياب الترجمة المبدعة، القادرة على تنزيل النصوص في لغة الاستقبال فإذا كأنها «في بيتها». ذاك ما فعله بودلير في الفرنسيّة حين «استضاف» إدغار ألان بو. وذاك ما فعله في العربية سامي الدروبي بالنسبة للأدب الروسي، وصالح علماني بالنسبة لأدب أميركا اللاتينيّة وكثيرون غيرهما. وأعتقد أن هذا ما عناه ساراماغو حين قال «نحن مدينون للكتّاب بالأدب الوطني، ومدينون للمترجمين بالأدب الكوني».
> بين الترجمة وكتابة قصيدة. ماذا تختار؟
- لا أقرّر مسبقاً كتابة القصيدة ولا أختار مسبقاً العمل الذي سأترجمه. الكتابة هي التي تختارني وليس العكس. ثَمّة روح تخاطبك من داخل الأشياء وتقول لك أنا بحاجة إلى جسد في لغتك. يحدث ذلك في الترجمة كما في الشعر. ولك أن تستجيب أو لا، وفق ما ترى في نفسك من مقدرة. أما إذا كنت تقصد المقارنة بين ممارسة الشعر والترجمة، فأنا لست ممّن يرون أن الترجمة درجة ثانية من الإبداع. الترجمة لا تقل أهمية عن إبداع الشعر والرواية. وهي تتطلّب عندي ما تتطلّبه كتابة القصيدة. ومن حسن حظّي أن ناشري يتفهّم ذلك.
> برأيك هل تخون الترجمة النص أحياناً؟
- إذا كنت تقصد بالخيانة ما ينتجُ تقنيّاً عن عدم توفر الشروط الأساسية لدى الترجمان، فهذا جزء من عيوب الكاتب الذي يتصدّى للخربشة من دون أن تتوفّر لديه شروط الكتابة. أما إذا كنت تقصد الخيانة في مفهومها الإبداعي، فأعتقد أنّها تحتاج اليوم إلى طرح مختلف. الكتابة ترجمة أصلاً. أي أننا لا نكتب شيئاً إلا ونحن نترجم. وحين نترجم نصاً فإن كثيرا منه يتبخر في الطريق. ذاك ما يسميه البعض «نصيب الملائكة» الذي لا بدّ من أن يتبخر كي يصبح العطر عطراً أو النبيذ نبيذاً. لا أحد يعرف النصّ الأصل، بل إنه غير موجود أو على الأقل غير متحقّق بالشكل الذي يتيح الوفاء لأصلٍ ما. هكذا لا يمكننا خيانة طرفٍ أو شيء لم نعدهُ بشيء. الخيانة «الإبداعيّة» جزءٌ لا يتجزأ من الترجمة لأنها جزء لا يتجزأ من الكتابة.
«نافخ الزجاج الأعمى»
> ماذا يقول «نافخ الزجاج الأعمى» في أيامه وأعماله؟ هل هو سيرة ذاتية تتعدى كاتبها لتشمل جيلاً تكسرت أحلامه بفعل صراعات السياسة؟
- أصبح على ذمة قرائه. يقوّلونه ما يريدون وليس لي أن أقوّله ما أريد. لكنّي واحد من قرائه أيضاً. من هذه الزاوية لعلي أراه يقول أحلامه المنكسرة بقدر ما يقول المنبعثة أيضاً من بين تلك الكسور. ولعلي أراه يصطدم بصراعات السياسة على طريقة نيتشه عند اصطدامه بما لا يميت، ليخرج أقوى وأشد بأساً.
> هل يمكن للأعمى أن «يتلمس طريقه في العتمة»، تقول: «انفخْ روحك في قصبتك/ افرح بأنك الأعمى/ افرح بأنك تضع يدك على كتف الأشياء، دائما من الجهة الخطأ/ ليس مهمّاً أنك لا ثمن الرغيف المرّ تعرف، لا ثمن اللدغة، لا ثمن النجمة تخور في سمائهم/ المهم أن تعرف أنك مهما رخُصت عليهم، فلا تقدّر بثمن».
- نحن لا نتلمّس طريقنا إلا في العتمة. لذلك يعيد «نافخ الزجاج» الاعتبار للعتمة بوصفها منبع الأنوار ومصبّها في وقت واحد. الشاعر في هذا الكتاب أعمى لكنّ عماه لم يدفعه إلى اليأس من الرؤية والفعل والحبّ. اليأس بالنسبة إليه ثديٌ يرضع منه الأمل. وهو يتعلّم من الأمل أن يرى بواسطة كائنات الزجاج التي ينفخ فيها من روحه، ثمّ يطلقها كي تتحرّر فيتحرّر معها ويشقّ طريقه في الحياة.
> قرأت لك ذات مرّة تقول: «لا يكفي أن نثور كي نتغير، بل علينا أن نتغير كي نثور» أين يقع التغيير الثقافي في هذا السياق؟
- التغيير الحقيقي يقع في العقل والوجدان. لأن الثورة طريق وليست محطّة في الطريق. وكي تشق هذه الطريق عليك أن تكون جديراً بها وإلا افتضح أمرك وظهر عجزك وتمخضت ثورتك المزعومة عن ردة كارثية.
هذا ما قصدته حين قلت إنه لا يكفي أن نثور كي نتغير بل علينا أن نتغير كي نثور. التغيير المقصود هنا تغيير ثقافي بالدرجة الأولى، بما تعنيه الثقافة من قيم وذهنيات وبنى تتأسّس عليها «المواطنة الجديدة». أما إذا لم نفعل ذلك، فنحن لن نكون في أفضل الأحوال سوى تجسيد لما ذهب إليه توكفيل بعد عقود من الثورة الفرنسية حين قال (بشيء من التصرّف): «يبدو أننا دمرنا الواقع السابق كي نعيش إلى الأبد بين أنقاضه».


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».