مثقفون أعادوا بناء آسيا

كتاب يلقي الضوء على أهم كتابها ومفكريها

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

مثقفون أعادوا بناء آسيا

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

سياحة أدبية شيقة تكشف الكثير من المهمش والمسكوت عنه في الثقافة الآسيوية، وما وصلت إليه من تقدم، يوضح فصولا مهمة منها الدكتور السيد أمين شلبي، في كتابه «المثقفون الذين أعادوا بناء آسيا» الصادر حديثا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر.
يركز مؤلف الكتاب على دور المثقفين والمفكرين في صناعة هذا التقدم، ووضع القارة الآسيوية في مركز الجاذبية والنظام الدولي الجديد، مستفيدا من خبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي في العديد من دول القارة، وأيضا في عدد من الدول في أوروبا وأفريقيا وفي أميركا، مما أتاح له معايشة هذه الثقافة عن قرب.
وفي إطار يتسم بالعمق، يناقش الكتاب القضايا الثقافية، في تجاورها وتقاطعها مع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويعرج على التحولات المفصلية التي طرأت على الكثير من بلدان العالم، وعلى رأسها «ثورات الربيع العربي»، وكيف ينظر لها كوكبة من أبرز المفكرين والباحثين في العالم.
ففي سياحته حول «المثقفين الذين أعادوا بناء آسيا» يتوقف المؤلف عند الكاتب الهندي بانكاش ميشارا، مستعرضا أهم مؤلفاته، ومنها «نهاية المعاناة» 2004، الذي يستعرض فيه سيرة الرجال الأول لآسيا، وكيف سافروا وكتبوا بشكل غير مسبوق، وقيموا بلا كلل مجتمعاتهم والمجتمعات الأخرى، وأمعنوا التفكير في فساد القوة، وتحلل المجتمع، وفقدان الشرعية السياسية وإغواءات الغرب، ليمتلكوا من خلال هذه الخبرات، بصيرة ثاقبة بوضعهم الإنساني الأوسع في بلدانهم الآسيوية، وفي ضوء تحول الفضاء الثقافي والسياسي العالمي، وتشكل الوعي الضروري والجماعي.
ويصف المؤلف هؤلاء المثقفين والمفكرين بأنهم راوحوا بين الأمل واليأس، لأنهم تقليديون، وثائرون راديكاليون، على العادات الموروثة، لافتا إلى أنهم كانوا يناضلون لكي يصيغوا إجابة وافية لسؤال: «كيف يصالحون أنفسهم والآخرين مع تضاؤل حضاراتهم من خلال التحليل والتغريب، وفي الوقت الذي يستفيدون فيه من المساواة والكرامة في أعين الحكام البيض والعالم».
ويخلص المؤلف بحسب ميشارا إلى أنه لم يكن من الممكن أن يكون الأمر سهلا لتجمعات ذات تنوع داخلي، مثل الهند وإندونيسيا، أن تجد هوية اجتماعية وسياسية وثقافية دون عنف وعدم نظام، ويستشهد هنا بالحالة الأوروبية، التي احتاجت مئات السنين، لكي تطبق مفهوم الدولة ذات السيادة بعد حربين عالميين، استهلكت بخسارة فظيعة الأقليات العرقية والدينية.
وحول كتاب «واقع الثورات التي لم تكتمل في الشرق الأوسط»، يستعرض الكتاب أفكار مؤلفه مارك لين أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، وأيضا يعمل مديرا لمعهد دراسات الشرق الأوسط. ويرى لنش أن هذه الثورات أو الانتفاضات تتحرك بشكل مختلف عبر المنطقة، ومن المحتمل أن تنتج سياسات إقليمية مختلطة، وبعض الديمقراطيات الجديدة، بعض الديكتاتوريات المتحكمة، بعض الملكيات الإصلاحية وبعض الدول المنهارة وبعض الحروب الأهلية، ومن المحتمل أن يكثفوا المنافسة الإقليمية، ويدفعوا تحالفات وخصومات ويغيروا طبيعة سياسات القوى. كما يرى لنش أن هذه التغيرات سوف تكون مدفوعة في جزء منها بتغير أجيال، وسوف يواجه فيها الشباب المحبط والاقتصادات الفاشلة بفساد منتشر وسياسات مغلقة ومؤسسات دولة لا مبالية وعنيفة.
ويلفت المؤلف إلى أن لنش يركز كثيرا على تأثير البيئة الإعلامية الجديدة في هذه التغيرات، بما تقدمه من تدفق المعلومات وفكر الخطاب العام والجدل المفتوح الذي صدع أعمدة النظم السلطوية العربية. كما يرى لنش أن هذه الانتفاضات، تشكل نوعا من التحدي للولايات المتحدة، مشيرا إلى أن الاقتراب البرجماتي من هذا التغير الطارئ للأعوام القادمة، وأن أميركا أصبحت تحتاج إلى نظرية لوضعها في الشرق الأوسط، بعيدا عن سياسة حقبتي الواقعية والمحافظة الجديدة؛ فكلتاهما فهمت الرأي العام العربي بشكل سيئ، ولم تقدر ما ينطوي عليه من قوى ممزقة، أصبحت متمكنة.
ويعتقد لنش أن العالم العربي يتغير، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع إيقافه، ويرى أن هذه التغيرات الكثيرة ستكون معالم كبيرة لسياسات دول الشرق الأوسط، وأنها سوف تتحدى الكثير منها، مما يهز الوضع الراهن الذي حافظت عليه أميركا طويلا.
ويشير مارك لنش في تحليله لفضاء الديناميكيات العربية الجديدة إلى نقطة مهمة، وهي الوهم المشترك في واشنطن بأن هذه الثورات كانت حول قضايا داخلية، ولا علاقة لها بقضية فلسطين، ولا بالسياسة الخارجية الأميركية، وهي نظرة غير واقعية، مؤكدا في هذا السياق أن إحدى أفضل تحركات الرئيس الأميركي أوباما، هي الاعتراف بأن الثورات العربية لا تعتمد أو تريد القيادة الأميركية.
وفي فصل بعنوان «إلى أين يذهب العرب؟» يرصد المؤلف رؤى ثلاثين مفكرا وباحثا حول إخفاق ونجاح الانتفاضات العربية، وهو كتاب أصدرته مؤسسة الفكر العربي بالعنوان نفسه. ورغم تباين الآراء بين هؤلاء الباحثين، فإن ثمة اتفاقا مشتركا بينهم، على أنه من المبكر الحكم على هذا الثورات العربية بالنجاح أو الإخفاق، فهي لا تزال في حالة جدل وصراع، وفي حالة صيرورة ومرحلة انتقالية متغيرة، كما أنه رغم ما يعتريها من حالة شد وجذب، وعدم يقين لن تعود إلى العهود والنظم الديكتاتورية التي ثارت عليها وأسقطتها.
ويتوقف الكتاب عند شخصيتين آسيويتين، لعبتا دورا مهما في وضع بلديهما بقوة تنافسية على خريطة العالم الجديدة، وجعلاها محور جذب واهتمام على عالمي على شتى المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية والسياحية على نحو خاص؛ الأول دنج تشاوبنج القائد الصيني الذي عالج أخطاء تجربة الزعيم ماو تسي تونغ، ورسم صورة الصين المعاصرة، التي تنعكس فيها مسيرته الذاتية وشخصيته القوية.
يتناول مؤلف الكتب منجز دنج من خلال أبحاث لأزرا فوجل، أستاذ بجامعة هارفارد الأميركية متخصص في الشؤون الآسيوية. ويلاحظ فوجل أن دنج انتقد سيرة الحياة التي أسرف كتابها في الثناء على أنفسهم، وأصر على أن كتابته عن سيرة حياته يجب ألا يكون مبالغا فيها. ففي الواقع كان دنج لا يتحدث كثيرا عن حياته بشكل علني، وعن خبراته وتجاربه السابقة، وكان معروفا عنه أنه لا يحب أن يتكلم كثيرا، وكان حذرا حول ما يقوله.
ويذكر الكتاب أن فكر دنج للصين، كان نتاج مشروع متكامل يرتكز على مبدأ صحيح، وإطار واضح للتفكير فيه، وهو: «كيف تحقق ثروة للشعب الصيني والقوة للصين»، كما آمن دنج بأن ما يمكن تطبيقه في الداخل هو ما يمهد الطريق لتطوير علاقات جديدة مع الدول الأخرى، لكي تستجيب للعمل مع الصين. لكن يظل من أهم دعائم نجاح سياسة دنج كما يرى فوجل، إدخاله النظام الحاكم (الحزب الشيوعي الصيني) في عملية إعادة البناء في الداخل، وفي الوقت نفسه إصراره على أن يتدرب الشباب في الخارج ليجلبوا أفضل الأفكار وأفضل العلوم والتكنولوجيا، وهي المهمة التي تركها له ماو، بعد انفتاحه الضيق على الغرب، وتولي الصين مقعدها في مجلس الأمن في عام 1971.
وبجوار دنج، يتوقف الكتاب عند الزعيم لي كوان، أهم شخصية على المسرح الآسيوي والعالمي، الذي استطاع خلال أكثر من نصف قرن، بما فيها ثلاثون عاما من رئاسة الوزراء أن يحول سنغافورة من مجرد بلد صغير يتاجر في السلع، إلى واحدة من أهم المراكز العالمية في المال والتكنولوجيا، حين أطلق عليه «الأسطورة الآسيوية» في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
ويحلق الكتاب في موضوعات أخرى لها تأثيرها على المسرح العالمي، مثل القوة الناعمة، والقوة الذكية، وانهيار الاتحاد السوفياتي، كما يتحدث عن غربة الكاتب العربي، ويناقش الأفكار المشتركة بين هنتغتون وفوكوياما، ولقاء مع الأديب ألبرتو مانويل في مكتبه، ويسلط الضوء على قضية التنوير عبر ثلاث رؤى مختلفة.. وغيرها من الموضوعات الثقافية الشيقة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.