«اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، ولصوم غدٍ نويت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله».. سمعت هذا الدعاء الأثير من والديّ رحمهما الله وأنا طفل صغير، وما زلت أردده في كل إفطار.
لم يكن شهر رمضان للعبادة فقط ونحن صغار، بل كان لمن هم في مثل أعمارنا شهر فرح، حيث يتحول عندنا إلى موسم للألعاب المختلفة والأغنيات الشعبية، مثل «الماجينا يا ماجينا» و«يهل السطوح تنطونا لو أنروح». أما لعبة المحيبس وغناء المربعات البغدادية فكان لهما الوقع الكبير في ذاكرتي.
ما أسعد وأنقى تلك الأيام. ولا أعلم لو عادت هل ستكون على ذلك الطعم من النقاء والمحبة، وهل سيكون طعم الإفطار هو ذاك الذي أعرفه وما زالت نكهته تملأ روحي؟
حينما كانت صينية البيت فيها طبيخ لأربعة جيران أو أكثر كانت العوائل تتبادل الأطباق قبل الفطور بدقائق، وتنتشر روائح زكية لأنواع الأكلات، فيزداد جوعنا ونتلهف لمدفع الإفطار.
أما اليوم وأنا أعيش بعيدا عن العراق الذي أتعبته وأتعبني فقد صرت أتحسر وأبحث عن أي عربي مسلما كان أو مسيحيا كرديا أو صابئا أو أيا كان، يشاركني فطوري ولم أجده لحد الآن! يا لها من حياة متعبة وذكريات لن تعود.
وكيف تعود ونصف شعبي مهجر أو مهاجر أو سجين وبلا متطلبات ضرورية للحياة، لا ماء ولا كهرباء ولا صحة ولا أمان؟! لعن الله من كان سببا.
لقد غنيت هذه الحالة التي نعيشها اليوم في موال قلت فيه:
«الراح راح وما يعود ويرد
أشجاري كانت خضر
وشعجب صارن يرد».
وكأني أتكهن بحال بلادي قبل أن تحل المأساة، وكان هذا قبل ثلاثين عاما.
ربي افرجها على بلدي.. والمسلمين والناس جميعا.. يا أﻛﺮﻡ الكرماء.
* مطرب عراقي مغترب
