اجتماعات الأمم المتحدة تعيد الدبلوماسية المتعددة... وأوكرانيا تكشف الاستقطابات الجديدة

ذكرت بزمن الحرب الباردة وحذاء خروتشوف و»غصن زيتون» عرفات وسيجار تشي غيفارا

لافروف عقب مخاطبته الجمعية العامة السبت (رويترز)
لافروف عقب مخاطبته الجمعية العامة السبت (رويترز)
TT

اجتماعات الأمم المتحدة تعيد الدبلوماسية المتعددة... وأوكرانيا تكشف الاستقطابات الجديدة

لافروف عقب مخاطبته الجمعية العامة السبت (رويترز)
لافروف عقب مخاطبته الجمعية العامة السبت (رويترز)

أحيت الدورة السنوية الـ77 للجمعية العامة للأمم المتحدة تقليداً عريقاً غاب لسنتين قسراً بسبب جائحة «كوفيد - 19» عن شرق ضاحية مانهاتن في مدينة نيويورك: الدبلوماسية المتعددة الأطراف - الشخصية والمباشرة عوض الاجتماعات الافتراضية - على أرفع المستويات. عاد العشرات من زعماء العالم والمسؤولين الكبار إلى أكثر من مجرد إلقاء خطابات من على المنصة الرخامية الخضراء تحت قبة القاعة الكبرى للمنظمة التي تأسست في مثل هذه الأيام عام 1945، وانتقلت إلى مبناها الشهير في أوائل الخمسينات من القرن الماضي.
غير أن العودة إلى الدبلوماسية المتعددة الأطراف الشخصية همساً وعن قرب وعبر المنابر المتعددة وفي القاعات والأروقة الكثيرة وأحياناً خلال المشي على طول الشرفة وحديقة الورود المطلة على النهر الشرقي «إيست ريفر»، لم تطغ على الهوة الآخذة في الاتساع على مستويات عدة بين ممثلي الدول الـ193 الأعضاء في الأمم المتحدة. كان غزو روسيا لأوكرانيا نقطة التوتر الرئيسية هذا العام. كان بمثابة تذكير للعالم بالمبادئ التي قامت عليها المنظمة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من صور لا تُمحى في أوقات مختلفة من حقبة الحرب الباردة: شرق اشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، وغرب تتزعمه الولايات المتحدة ودول أخرى وجدت هويتها في حركة عدم الانحياز، دول نامية وأخرى فقيرة تقابلها دول صناعية متقدمة. شهدت تلك الحقبة ضربة حذاء من الزعيم نيكيتا خروتشوف على المنبر في أوج أزمة الصواريخ الكوبية، جاء الزعيم الكوبي فيديل والمناضل العالمي أرنستو «تشي» غيفارا ينفثان السيجار في «عقر دار الإمبريالية»، خرج نيلسون مانديلا من السجن في جنوب أفريقيا، الفصل العنصري ليأتي إلى الأمم المتحدة رئيساً، رفع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات غصن الزيتون (حقيقة) بيد والبندقية (مجازاً) باليد الأخرى، داعياً إسرائيل إلى اختيار السلام.

                                           خروتشوف يتحدث في الأمم المتحدة  في 12 أكتوبر 1960 (غيتي)

الأحادية نحو الغروب
لم تأت الدورة الـ77 بمشهد كهذا، لكنها أظهرت بما لا يدع أي مجال للشك أن «المجتمع الدولي» يواجه حالياً مرحلة حرجة. هناك دبلوماسيون كثيرون يتساءلون عما إذا كان العالم يعود شيئا فشيئاً إلى الانقسام بين الشرق والغرب، في ضوء استحكام الخلافات بين شطر تمثله بصورة رئيسية الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية وغير الأوروبية، وشطر آخر تمثله روسيا وحفنة من الدول الموالية لها في الحرب التي تسميها «عملية عسكرية خاصة» في أوكرانيا. الصين التي لم تعلن رسمياً أي تأييد لحرب روسيا، لديها أيضاً مشاكلها المتعثرة مع الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة وغيرها ممن يخشى «التنين» الآتي من الشرق أيضاً. كثيرون يقرون بأن العالم الأحادي القطب يعيش مرحلة الغروب. يدعون إلى عالم متعدد الأقطاب ويحاولون البقاء على الحياد.
كان رمزياً للغاية أن الزعماء الغربيين، مثل الرئيسين الأميركي جو بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس والمستشار الألماني أولاف شولتز كانوا حاضرين شخصياً للمناداة بـ«شرعية القانون الدولي» و«النظام الدولي القائم على القواعد»، في ظل غياب زعيمي «الشرق» الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين الذي يرى البعض أنه يحاول دخول التاريخ من باب الطموحات القيصرية، والصيني شي جينبينغ الذي يعتقد آخرون أنه يخوض منافسة مع كل أسلافه منذ زمن ماوتسي تونغ. وهذا ما ينطبق على «المنطق السلطاني» عند الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي «يخوض معركة شخصية مع الزعيم التركي العلماني كمال الدين أتاتورك». اختار الغياب أيضاً زعماء آخرون مثل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الأفريقي الجنوبي سيريل رامافوزا.

                          عرفات لدى إلقائه خطاب «غصن الزيتون والبندقية» أمام الجمعية العامة في 13 نوفمبر 1974 (غيتي)

في واد آخر
أخذت أوكرانيا الحيز الأوسع على الإطلاق. ولم يخل غياب بوتين دون إيصال صورة واضحة للغاية: كان خطاب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على منبر الجمعية العامة وفي مجلس الأمن وخلال حديثه مع الصحافيين كافياً لإظهار المسافة الشاسعة عن الخطابات التي ألقاها عدد من زعماء العالم ومسؤوليه الكبار، بدءاً من حرب أوكرانيا وصولاً إلى كل القضايا والملفات الساخنة عبر الكوكب. بل رأى البعض أنه كان يصدح في واد عن ذلك الذي يتحدث فيه المسؤولون الآخرون.
حض عدد قليل من الزعماء، مثل الرئيس النيجيري محمد بخاري، العالم على عدم نسيان كل شيء آخر بسبب أكبر مواجهة عسكرية تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. لكنه لم يكن هناك لمناقشة النزاع نفسه، ولا تعطل أسواق الغذاء والوقود والأسمدة. أسف لأن الحرب هذه «تزيد صعوبة معالجة القضايا المزمنة التي تظهر كل عام في مداولات هذا المنتدى»، مشيراً على سبيل المثال لا الحصر إلى عدم المساواة ونزع السلاح النووي والصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وأكثر من مليون لاجئ من الروهينغا من ميانمار الذين يعيشون في طي النسيان منذ سنوات في بنغلاديش.

النزاعات والمشاكل الأخرى
كان هذا مبعث قلق حتى عند المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، التي أعلنت عشية افتتاح الدورة الجديدة أن بلادها تعتزم التركيز على معالجة تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي والصحة وغيرها من القضايا بدل الاكتفاء بعواقب الحرب في أوكرانيا. قالت: «أعربت دول أخرى عن قلقها من أنه بينما نركز على أوكرانيا، فإننا لا نولي اهتماماً لما يحدث في أزمات أخرى في كل أنحاء العالم». وكذلك اشتكى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في اجتماع لمجلس الأمن بعد أيام من أن الغزو الروسي يصرف انتباه الأمم المتحدة عن العمل في مسائل مهمة أخرى.
هناك الكثير مما جعل حرب أوكرانيا نقطة الاهتمام الرئيسية، ومنها التهديدات النووية غير المباشرة من الرئيس الروسي وإعلانه التعبئة العسكرية، ولذلك شدد الرئيس البولندي أندريه دودا على أنه «يجب ألا نظهر أي» إرهاق من الحرب «فيما يتعلق بالصراع. لكنه أشار أيضاً إلى أن رحلته الأخيرة إلى أفريقيا تركته يفكر في كيفية تعامل الغرب مع صراعات أخرى. تساءل: «هل كنا على نفس القدر من العزم خلال مآسي سوريا وليبيا واليمن؟» ألم يعد الغرب إلى «العمل كالمعتاد» بعد الحروب في الكونغو والقرن الأفريقي؟ وأضاف «بينما ندين غزو أوكرانيا، هل نعطي وزناً متساوياً لمحاربة المرتزقة الذين يسعون إلى زعزعة استقرار منطقة الساحل وتهديد العديد من الدول الأخرى في أفريقيا؟».
وقالت وزيرة خارجية جنوب أفريقيا ناليدي باندور: «يجب أن نشعر بالقلق بنفس القدر إزاء ما يحدث لشعب فلسطين كما هي الحال مع ما يحدث لشعب أوكرانيا». وأضافت أنه من وجهة نظر بلدها «تتمثل أعظم التحديات العالمية التي نواجهها في الفقر وعدم المساواة والبطالة والشعور بالتجاهل والاستبعاد».

الدبلوماسية الوقائية
وفي مقابل تركيز الغالبية على حرب أوكرانيا، كرس الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو وقته لانتقاد الرأسمالية والنزعة الاستهلاكية والحرب التي تقودها الولايات المتحدة على المخدرات. وتحدث الرئيس القرغيزي صدير زابروف، الذي ترتبط بلاده بعلاقات وثيقة مع روسيا، عن الخلاف الحدودي مع طاجيكستان. وذكر الملك عبد الله الثاني بن الحسين بآثار الحرب على السلة الغذائية في الأردن وفي العالم، ثم انتقل إلى النمو الاقتصادي المستدام واللاجئين السوريين والنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. من جهته، ركز وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان على ضرورة اعتماد الدبلوماسية الوقائية وعدم انتظار المشاكل للسعي إلى حلها.


مقالات ذات صلة

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

العالم العربي «اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
المشرق العربي فلسطينيون يتظاهرون أمام جنود إسرائيليين أغلقوا مدخل مخيم نور شمس في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، الاثنين، عن القلق البالغ إزاء قرار مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي السماح بسلسلة من التدابير غير القانونية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تطلب توضيحاً بشأن موعد سداد أميركا لمستحقاتها

قالت الأمم المتحدة اليوم الاثنين إنها تترقب تفاصيل حول موعد سداد الولايات المتحدة لمستحقاتها المتأخرة من الميزانية، وذلك بعد وعد قطعته واشنطن الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».