«أوكرانيا» تتصدر اجتماعات نيويورك... وأميركا تطرح إصلاح مجلس الأمن

دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»: دفعة قوية للدبلوماسية… و«النافذة لم تغلق» مع إيران

شعار الأمم المتحدة (أرشيفية)
شعار الأمم المتحدة (أرشيفية)
TT

«أوكرانيا» تتصدر اجتماعات نيويورك... وأميركا تطرح إصلاح مجلس الأمن

شعار الأمم المتحدة (أرشيفية)
شعار الأمم المتحدة (أرشيفية)

كشف دبلوماسي غربي رفيع عن أبرز القضايا التي ستشغل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تنطلق الثلاثاء في نيويورك، مشيراً إلى أن «الجميع كانوا مهتمين للغاية» بجدول الأعمال الطموح الذي قدمه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مطلع عام 2022 لـ«تجديد وإنعاش التعددية»، مع التركيز على التعليم والشباب والتغيير في المستقبل، فضلاً عن التحديات والتهديدات العالمية الأخرى مثل الاحتباس الحراري والتنوع البيولوجي وأنواع الوباء الجديدة والإنترنت والأمن الغذائي والأمان النووي والطاقة.
ورأى الدبلوماسي الذي يتحدث مع عدد محدود من الصحافيين شريطة عدم ذكر اسمه، أن قرار روسيا غزو أوكرانيا وضع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي «على المحك»، مضيفاً أن «السؤال الكبير والتحدي الكبير الآن هو: كيف يمكننا الحفاظ على التعاون الدولي تحت رعاية الأمم المتحدة؟ كيف يمكننا الاستمرار في العمل سوية؟ كيف نحافظ على هذا التضامن؟ كيف يمكننا الاستمرار في العمل تحت نظام قانوني يمثله ميثاق الأمم المتحدة، وتحت كل هذه الالتزامات الدولية؟ لماذا يقوم عضو دائم بما هو عكس ذلك تماماً؟».

خلافاً للتقليد
وفي تعديل رئيسي على التقليد المتبع منذ عشرات السنين، والذي يقضي بأن يكون الرئيس الأميركي هو المتحدث الثاني بعد الرئيس البرازيلي في ترتيب كلمات زعماء الدول (الثلاثاء)، أرجئت كلمة الرئيس جو بايدن في هذه الدورة الـ77 إلى صباح اليوم التالي (هذا الأربعاء)، بسبب مشاركة بايدن وزعماء آخرين في جنازة الملكة إليزابيث الثانية في لندن.
وأفادت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد أن الرئيس بايدن، سيعرض خلال خطابه الأربعاء أفكاراً لتوسيع عضوية مجلس الأمن، وقالت: «سنقدم جهوداً لإصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بما في ذلك التوصل إلى إجماع حول مقترحات معقولة وذات صدقية لتوسيع عضوية مجلس الأمن»، وأوضحت أن بلادها ستجري مناقشات مع العضوين الدائمين الغربيين (بريطانيا وفرنسا) في مجلس الأمن إضافةً إلى آخرين، للمضي قدماً في هذه المسألة. وأضافت: «سوف نجري مزيداً من المناقشات مع الدول الأعضاء... حتى نتمكن من إحراز بعض التقدم في إصلاح الأمم المتحدة وإصلاح مجلس الأمن».

أوكرانيا في الصدارة
وعلى رغم أن غرينفيلد أفادت قبل أيام أن أوكرانيا لن تكون محط الاهتمام الرئيسي خلال الاجتماعات الرفيعة المستوى نظراً لوجود ملفات رئيسية أخرى تهم العالم، رأى الدبلوماسي الغربي أن ملف أوكرانيا صار على رأس قائمة الاهتمامات خلال اجتماعات الجمعية العمومية، قائلاً إنه «كلما توقفت هذه الأزمة مبكراً، كان ذلك أفضل». وعبر عن اعتقاده أن زعماء العالم يرغبون أيضاً في «معالجة بعض التحديات الكبيرة»، مثل الأمن الغذائي الذي يشكل «مصدر قلق كبير لجنوب الكرة الأرضية»، مضيفاً أن اتفاق الحبوب حول أوكرانيا «يعمل بشكل جيد». وأكد أنه «على رغم الدعاية، فإن أكثر من 70 في المائة من الحبوب تذهب إلى الجنوب»، وفقاً للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي. ودعا إلى «بذل المزيد من الجهد» من أجل «الحفاظ على سلامة الأغذية وتصدير الأسمدة أيضاً».
ورأى أن هذه المسألة «ستكون واحدة من أكبر المشاكل، وربما تكون أكبر من كوفيد 19 الذي لا يزال موضع قلق». وأكد أن «الأمان النووي مصدر قلق أيضاً» بعد التطورات المتعلقة بمحطة زابوريجياً النووية في أوكرانيا، مضيفاً: «نكتشف أن المفاعل النووي المدني هش»، وبخاصة «عندما تكون هناك حرب (…) يمكن أن تؤدي إلى كوارث». ولفت إلى أن مجلس الأمن سيعقد الخميس 22 سبتمبر (أيلول) اجتماعاً على مستوى وزاري خاص بأوكرانيا والإفلات من العقاب يتحدث فيه المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان ووزراء خارجية الدول الأعضاء في مجلس الأمن وأوكرانيا، معتبراً أن الاجتماع سيكون «فرصة لقاء» بين الوزراء وبينهم الروسي سيرغي لافروف والآخرين، من دون أن يوضح ما إذا كان لافروف سيجتمع مع نظيره الأوكراني ديميترو كوليبا. واستطرد: «لست متأكداً من أننا سنحقق تقدماً هذا الأسبوع» لكنه أكد أن «القنوات ينبغي أن تظل مفتوحة» بما يسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية «بشكل أسرع والعودة إلى السلام على أساس سيادة أوكرانيا».
وكشف أن روسيا تريد توصيل محطة زابوريجيا بمنطقة دونباس لتوفير الكهرباء، وهو أمر غير مقبول لأوكرانيا التي تريد استعادة السيطرة على المحطة النووية. وأشار إلى وجود نفايات نووية حول المحطة، داعياً إلى «تشجيع نوع من منطقة الأمان حول هذه المحطة». وأكد أن «الأفضل هو أن تنسحب روسيا من المحطة».
وكشفت غرينفيلد أن ممثلي بعض الدول عبروا لها عن تخوفهم من تركيز المناقشات في الأمم المتحدة على الحرب في أوكرانيا وإهمال الأزمات الأخرى، وطمأنت في هذا الإطار، إلى أنه بينما ستتم مناقشة الحرب في أوكرانيا في الجمعية العامة، فإن أوكرانيا لن تهيمن على النقاشات، قائلة: «لا يمكننا تجاهل بقية العالم، وتأثير تغير المناخ، وتأثير الوباء، والصراعات في أماكن أخرى من العالم».
وكانت المندوبة الأميركية نددت بالحرب في أوكرانيا، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة تواجه الآن أزمة ثقة ناجمة عن حرب روسيا غير المبررة في أوكرانيا، وقالت: «حتى عندما كان العالم يواجه خطر تغير المناخ، جائحة، وأزمة الغذاء العالمية، غزا أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن جاره. انتهكت روسيا السيادة الوطنية وسلامة الأراضي، وداست على حقوق الإنسان، وشنت حرباً مباشرة بدلاً من السلام عن طريق التفاوض. عضو دائم في مجلس الأمن، ضرب قلب ميثاق الأمم المتحدة»، معتبرة أن هذه الحرب تختبر المبادئ الأساسية التي تأسست عليها الأمم المتحدة، مؤكدة أن «ردنا على الانتهاكات الصارخة لروسيا لا يمكن أن يكون بالتخلي عن المبادئ التأسيسية لهذه المنظمة التي نؤمن بها بقوة. وبدلاً عن ذلك، يتعين علينا مضاعفة الجهود. يجب أن نضاعف التزامنا بعالم يسوده السلام، ونتمسك بمبادئنا الراسخة في السيادة وسلامة الأراضي والسلام والأمن». وأشارت غرينفيلد إلى أن بلادها لا تخطط للقاء الدبلوماسيين الروس في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، وقالت متحدثة عن الروس: «لم يظهروا أن لديهم اهتماماً بالدبلوماسية. ما يهمهم هو الاستمرار في إثارة هذه الحرب غير المبررة على أوكرانيا».

ملف إيران
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت اجتماعات الجمعية العامة هي الفرصة الأخيرة فيما يتعلق بالمفاوضات مع إيران، قال الدبلوماسي الغربي: «لا نزال نضغط بشدة لاستئناف التنفيذ الكامل» للاتفاق النووي الموقع عام 2015، مذكراً بأنه «قبل أسبوعين فقط، كان لدينا شعور بأننا على وشك الوصول» إلى توافق بين الولايات المتحدة وإيران. وأكد أنه «كانت هناك رغبة قوية من كلا الجانبين بوضع اللمسات الأخيرة. ولكن لسوء الحظ، لم نعد هناك الآن إلى حد كبير بسبب إيران». بيد أنه أمل في أنه «في الأيام المقبلة، أو الأسابيع المقبلة، سنتمكن من العودة إلى اتفاق لأن مزايا استئناف خطة العمل الشاملة المشتركة ستكون أكبر بكثير من الإزعاج الناجم عن غياب الاتفاق». وقال: «نحن ندفع بقوة (…) ونشجع الأطراف، وبخاصة إيران، على التسوية»، مضيفاً أن الاجتماعات في الجمعية العامة «ستدفع في هذا الاتجاه. لم تغلق النافذة بعد. لكن لا أعتقد أن هناك الكثير من الوقت لاستعادة خطة العمل الشاملة المشتركة».

مشاركات عربية
من جهة أخرى، يفترض أن يلقي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، كلمة المملكة العربية السعودية، التي يدعو فيها إلى تحقيق الاستقرار وحل القضايا والخلافات السياسية بشكل سلمي، ومواجهة أزمات الغذاء والمناخ وتأثيرها السلبي على دول منطقة الشرق الأوسط. كما يفترض أن يلقي وزير الخارجية المصري سامح شكري كلمة بلاده، ويعقد اجتماعات ثنائية مع نظرائه لمناقشة قضايا منطقة الشرق الأوسط ودفع عملية السلام وتنسيق المساعدات للشعب الفلسطيني، وسبل حل الأزمة في اليمن وليبيا إضافةً إلى تحديات نقص المياه التي تواجه مصر بسبب سد النهضة الإثيوبي.
وبينما ستركز كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الجمعة على الحق الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة على حدود عام 1967، يتوقع أن يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش الاجتماعات توطيد العلاقات بين البلدين.
كذلك، وصل رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي اليمني إلى نيويورك اليوم الأحد بعد محادثات أجراها في ألمانيا حول مستجدات الوضع اليمني والجهود الدولة لتخفيف معاناة اليمنيين ومن المقرر أن يوجه رسالة إلى المجتمع الدولي لإنهاء الأزمة اليمنية وتحميل الحوثيين المسؤولية عن انتهاكات الهدنة كما يعقد عدة لقاءات مع المجموعة العربية والحليجة ويحل ضيفا في ندوة لمركز الشرق الأوسط يوم الجمعة.
وتعقد دول مجلس التعاون الخليجي صباح الجمعة اجتماعا تشارك فيه كل من الأردن والعراق ومصر إضافةً إلى الولايات المتحدة حيث تطرح قضايا ذات أولوية للمنطقة بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني والحرب الروسية في أوكرانيا والأمن الغذائي والصحة العالمية.



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.