عندما التقى كلوني مع روبرتس في «تذكرة إلى الجنة»

علاقة القط والفأر هي الطريقة التي يفضل الممثلان التعامل بها

جورج كلوني وجوليا روبرتس في أحدث عمل كوميدي لهما «تذكرة إلى الجنة»
جورج كلوني وجوليا روبرتس في أحدث عمل كوميدي لهما «تذكرة إلى الجنة»
TT

عندما التقى كلوني مع روبرتس في «تذكرة إلى الجنة»

جورج كلوني وجوليا روبرتس في أحدث عمل كوميدي لهما «تذكرة إلى الجنة»
جورج كلوني وجوليا روبرتس في أحدث عمل كوميدي لهما «تذكرة إلى الجنة»

بدأت الممثلة الأميركية جوليا روبرتس المقابلة بسؤال: «هل تسبب جورج في أي مشكلات في المقابلة حتى الآن؟». إذ كان صديقها النجم جورج كلوني قد سبقها في الانضمام بمكالمة عبر تطبيق «زووم» جمعتنا معاً، وقد اتصل بنا من منزله في منطقة بروفنس بفرنسا، الذي يتقاسمه مع زوجته أمل. ولكن الغرفة التي كان يجلس فيها كانت مليئة بأشعة الشمس لدرجة أننا بالكاد تمكنّا من رؤيته، حتى إنه عندما انضمت إلينا جوليا حاول سحب ستائر النوافذ المزخرفة للتخفيف من قوة الضوء في الغرفة ولكن دون جدوى.
وحينها قالت روبرتس: «هل تحاول إظهار مدى إشراقك الداخلي والخارجي مع كل هذا التوهج الواضح حولك؟». فأطلّ كلوني على الصورة المصغرة الخاصة به في «زووم» ليرد عليها قائلاً: «يبدو أنكِ تتحدثين إلينا بعد وضع عدسة ناعمة»، فردّت: «لديّ جهاز كومبيوتر عمره 25 عاماً!».


كلوني وروبرتس في «تذكرة إلى الجنة»

ويبدو أن علاقة القط والفأر هذه، هي الطريقة التي يفضل جورج كلوني وجوليا روبرتس التواصل بها، إذ تقول الأخيرة: «هذه هي طريقتنا لإثارة الضوضاء المبهجة». فقد استمرت علاقتهما من خلال شراكتهما على الشاشة الكبيرة التي امتدت خلال أفلام عدّة من «Ocean›s Eleven» الذي أُنتج في عام 2001 إلى أحدث أعمالهما وهو الفيلم الكوميدي الرومانسي «Ticket to Paradise» أو (تذكرة إلى الجنة) الذي من المقرر عرضه في 21 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ويجسدان فيه شخصية زوجين سابقين يجتمعان لإيقاف حفل زفاف مفاجئ لابنتهما (تلعب دورها الممثلة كايتلين ديفير) ومزارع أعشاب بحرية (يلعب دوره الممثل ماكسيم بوتير) التقته خلال رحلة إلى بالي بعد تخرجها، وبينما يتعاون والداها المطلقان لمنع إقامة الحفل، تتجدد شرارة الحب القديمة بينهما مرة أخرى.
وعندما تحدثت إلى جوليا روبرتس وجورج كلوني في أواخر أغسطس (آب) الماضي، لم يكن هناك أي ضوء يتدفق عبر نوافذهما على الإطلاق، إذ كانت الساعة السادسة صباحاً في سان فرنسيسكو، حيث تعيش روبرتس وزوجها داني مودر مع أطفالهما المراهقين الثلاثة، وطلبت مني أن نبدأ المقابلة في وقت مبكر حتى تتمكن من توصيل أطفالها إلى المدرسة بعد المقابلة، وأشارت إلى أنها معتادة على الاستيقاظ المبكر، إذ إنها اضطرت إلى الذهاب إلى موقع العمل في الساعة 3 صباحاً لتصوير مشهد لشروق الشمس في فيلم «Ticket to Paradise»، وهو ما تقول إنه كان أبكر موعد تصوير في حياتها المهنية. وقال كلوني مازحاً: «لقد كان عليّ أن أصل إلى هناك الساعة الواحدة صباحاً، بسبب العمل الذي يقومون به على وجهي مسبقاً».
وفيما يلي بعض المقتطفات من المقابلة التي أُجريت مع جوليا روبرتس وجورج كلوني:
> عند قراءة نص فيلم «تذكرة إلى الجنة»، هل كان كل منكما يفكر في الآخر؟
جورج كلوني: «لقد أرسلوا لي النص، وكان مكتوباً بوضوح لجوليا وأنا، حتى إنه كانت أسماء الشخصيات في الأصل جورجيا وجوليان. لم أقدم عملاً فنياً كوميدياً رومانسياً منذ فيلم (One Fine Day) في عام 1996، ولم أحقق النجاح نفسه الذي حققته جوليا في هذه النوعية من الأفلام، لكنني عندما قرأت النص حدّثت نفسي قائلاً: (حسناً، إذا كانت جوليا مستعدة لتقديم ذلك، فأعتقد أن الأمر سيكون ممتعاً)».
جوليا روبرتس: «لقد كان الأمر يبدو منطقياً بطريقة ما أن جورج هو مَن سيقوم بهذا الدور، وذلك بناءً على الكيمياء الموجودة بيننا، فلدينا صداقة يعرفها كل الناس، ونتعامل مثل هذين الزوجين المطلّقين، كما أنني وجورج شعرنا بالمسؤولية والرغبة في صنع فيلم كوميدي معاً، وذلك لإعطاء الناس فرصة بعيداً عن الحياة بعد أن مَرّ العالم بوقت عصيب حقاً».
> هل صحيح أنكما لم تلتقيا قط قبل مشاركتكما في فيلم «Ocean’s Eleven»؟
جورج كلوني: «لطالما انجذبت إلى جوليا، وذلك لأسباب كثيرة، أحدها أنه رغم كونها نجمة سينمائية أبدية، لكنها مستعدة تماماً لعدم التعامل مع الأمر على محمل الجد، وهذا يُحدث فرقاً كبيراً في الحياة، فقد قضينا الكثير من الوقت معاً، كما أنها أيضاً ممثلة موهوبة بشكل حقيقي، وتعمل بجد ولكنك لا ترى عرقها أبداً، وهذه هي الميزة التي أقدّرها كثيراً في بعض الممثلين المفضلين لديّ، مثل سبنسر تريسي».
> جوليا، أنتِ منتجة تنفيذية للفيلم إلى جانب جورج، ومن الواضح أن لديكِ خبرة واسعة في الأفلام الكوميدية الرومانسية، فما وجهة النظر التي تبنيتها بوصفكِ شخصاً مخضرماً في هذه النوعية من الأفلام؟
جوليا روبرتس: «أحب المشاركة في هذه النوعية من الأفلام، كما أحب مشاهدتها، وأعتقد أنه من الصعب فهمها بشكل صحيح، فصحيح أن تقديمها يحتاج إلى عملية حسابية بسيطة، ولكن كيف يمكن جعلها مميزة؟ وكيف يمكن الحفاظ على استمرار اهتمام المشاهدين بالفيلم عندما يمكنهم توقع ما هو قادم؟».
> هل واجهت هوليوود مشكلة في الإجابة عن هذه الأسئلة؟ إذ يُنتج عدد أقل من الأفلام الرومانسية الكوميدية مما كان يُنتج في السابق، وقلت سابقاً إن «Ticket to Paradise» كان أول سيناريو من نوعية الأفلام الرومانسية الكوميدية منذ فيلم «Notting Hill» الذي عُرض في عام 1999، وفيلم «My Best Friend›s Wedding» الذي عُرض في عام 1997، وهي أفلام حققت نجاحاً كبيراً.
جوليا روبرتس: «أعتقد أننا لم نقدّر المحصول الوفير من الأفلام الكوميدية الرومانسية التي كانت لدينا في ذلك الوقت، فأنت لا ترى كل الجهد الموجود خلف الشاشة لأن هذه الأفلام تكون ممتعة ولطيفة والناس يضحكون ويقبّل بعضهم بعضاً، كما أنني أعتقد أيضاً أن الأمر يكون مختلفاً أن تقرأ تلك النصوص في سن الـ54، فلا أستطيع الآن قراءة نَص مثل «My Best Friend›s Wedding»، الذي أسقطُ فيه من على كرسي وكل هذه الأشياء التي فعلتها في الفيلم، وذلك لأنه من الجيد أن أقرأ شيئاً مناسباً لعمري، تبدو فيه النكات منطقية، وأن أستطيع أن أقدّر وأفهم ما يمر به هؤلاء الأشخاص الذين أجسد شخصياتهم، فهذا ما يريد الناس رؤيته، هم يريدون أن يروا اتصالي بالعمل، ويريدون أن يروا مدى اهتمامي بالدور، وليس فقط تقديم شيء مضحك لأننا نحبه».
> ولكن تقديم الضحك لا يزال أمراً مهماً، فهناك مشهد في «Ticket to Paradise»، ترقصان فيه على أغنية «Gonna Make You Sweat (Everybody Dance Now)»، مما يسبب الإحراج لابنتكما في الفيلم وأصدقائها، فهل صُمم ذلك المشهد بغرض التسبب في أقصى قدر من الإحراج أم لإثارة الضحك؟
جوليا روبرتس: «الحقيقة هي أنه دائماً ما يريده الناس، وضع تصميم للرقصات، ولكن عليك فقط أن تفتح الصندوق وتترك السحر يظهر من داخله بشكل طبيعي».
جورج كلوني: «كان لدى الجميع خطط للطريقة التي سنرقص بها في هذا المشهد، وبعد ذلك قلنا: (حسناً، لديّ وجوليا بعض حركات الرقص السيئة حقاً في الحياة الواقعية)، فقد قمت أنا وجوليا بكل تلك التحركات من قبل في حياتنا بالفعل».
> لقد صّور الفيلم في أستراليا، أليس كذلك؟
جورج كلوني: «بدأنا التصوير في جزيرة هاميلتون، التي تمتلئ بالطيور البرية، وكانت جوليا تقيم في منزل بجواري أنا وأمل والأطفال، وكنت أخرج في الصباح الباكر وأقلّد أصوات الطيور عند منزلها، فكانت جوليا تخرج أيضاً وتقلّد الصوت نفسه، ومن ثَم نحضر لها فنجان قهوة، فهي العمة (جوجو) بالنسبة لأولادي».
جوليا روبرتس: «لقد أنقذني آل كلوني من الشعور بالوحدة واليأس الكامل، ففترة التصوير كانت هي الفترة الأطول التي قضيتها بعيداً عن عائلتي، فلا أعتقد أنني قضيت كل هذا الوقت بمفردي منذ كان عمري 25 عاماً».
* خدمة «نيويورك تايمز»



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون»  عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الأثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الأثنين (أ.ف.ب)
TT

ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون»  عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الأثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الأثنين (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يدرس إرسال مجموعة ضاربة ثانية لحاملة طائرات إلى الشرق الأوسط، تحسباً لعمل عسكري محتمل ضد إيران في حال فشل المفاوضات، مؤكداً أن بلاده تجمع بين المسار الدبلوماسي والاستعداد العسكري.

وأوضح ترمب، في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، أن الولايات المتحدة وإيران استأنفتا المفاوضات في سلطنة عُمان للمرة الأولى منذ حرب الـ12 يوماً في يونيو، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن واشنطن «إما أن تتوصل إلى اتفاق، أو ستضطر إلى اتخاذ إجراءات قاسية جداً كما في المرة السابقة».

وأضاف ترمب أنه يتوقع عقد الجولة الثانية من المحادثات الأسبوع المقبل.

وقال ترمب: «لدينا أسطول يتجه إلى هناك، وقد يتجه أسطول آخر»، لافتاً إلى أنه «يفكر» في إرسال مجموعة ضاربة ثانية، إلى جانب حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومجموعتها الهجومية التي تضم طائرات مقاتلة وصواريخ «توماهوك» وعدداً من السفن.

وأكد مسؤول أميركي لموقع «أكسيوس» أن مناقشات جرت بالفعل حول تعزيز الوجود البحري الأميركي في المنطقة.

ومع ذلك، عبر ترمب عن تفاؤله بإمكان التوصل إلى اتفاق، معتبراً أن إيران «تريد بشدة إبرام صفقة» وتتفاوض بجدية أكبر بسبب التهديد العسكري.

وقال إن المحادثات الحالية «مختلفة تماماً»، مشيراً إلى أن طهران «لم تصدق في المرة السابقة» أنه سيقدم على توجيه ضربات عسكرية، مضيفاً أنها «بالغت في تقدير موقفها». وأكد أن من «البديهي» أن يشمل أي اتفاق البرنامج النووي الإيراني، معتبراً أيضاً أن من الممكن التطرق إلى ملف الصواريخ الباليستية.

وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبيل توجهه إلى واشنطن، إنه سيعرض على ترمب رؤية إسرائيل لمبادئ المفاوضات، معتبراً أن هذه المبادئ «ليست مهمة لإسرائيل فحسب، بل لكل من يسعى إلى السلام والأمن في الشرق الأوسط».


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.