6 أشهر على حرب أوكرانيا... أضرار بيئية وانتعاش للطاقة النووية

من آثار الدمار الذي خلفته الحرب في أوكرانيا بعد تدمير القوات الروسية جسراً قرب مدينة أربين (إ.ب.أ)
من آثار الدمار الذي خلفته الحرب في أوكرانيا بعد تدمير القوات الروسية جسراً قرب مدينة أربين (إ.ب.أ)
TT

6 أشهر على حرب أوكرانيا... أضرار بيئية وانتعاش للطاقة النووية

من آثار الدمار الذي خلفته الحرب في أوكرانيا بعد تدمير القوات الروسية جسراً قرب مدينة أربين (إ.ب.أ)
من آثار الدمار الذي خلفته الحرب في أوكرانيا بعد تدمير القوات الروسية جسراً قرب مدينة أربين (إ.ب.أ)

اتهمت وزارة البيئة الأوكرانية روسيا بارتكاب جرائم «إبادة بيئية» تسببت في أضرار بمليارات الدولارات طالت موارد البلاد الطبيعية. وقالت الوزارة إن الغزو الروسي أدى إلى تدهور كبير لتربة أوكرانيا ومواردها المائية وتلوُّث هوائها؛ حيث بلغت قيمة الأضرار نحو 10 مليارات دولار منذ بداية الحرب قبل ستة أشهر.
البيئة تتدهور في أوكرانيا وروسيا
يحذّر تقرير جديد، صدر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من أن الحرب الروسية في أوكرانيا تسببت في «عواقب فورية وطويلة المدى على صحة الإنسان»، وأدّت أيضاً إلى «أضرار واسعة النطاق وشديدة» على البيئة. ويُشير التقرير إلى أن المعارك الحربية ألحقت أضراراً واسعة النطاق بالموارد الطبيعية والبُنى التحتية في أوكرانيا، ويشمل ذلك الغابات والأنظمة البيئية البرية والبحرية، إلى جانب المرافق الصناعية والبُنى التحتية للنقل والمنازل.
وأدّت الحرب إلى تلوُّث الهواء والماء والتربة في أوكرانيا بالمواد السامة بسبب وابل الضربات المستمرة على البنية التحتية، مثل المصافي والمصانع الكيماوية ومنشآت الطاقة والمستودعات الصناعية وخطوط الأنابيب، وأسهمت الحرائق وانهيارات الأبنية في تفاقم المشكلة. وستكون لتلوُّث التربة والمياه في المناطق الزراعية آثار جسيمة على الإنتاج الغذائي، كمّاً ونوعاً.
ونتجت عن القصف أضرار جسيمة في إمدادات المياه، حيث يقدّر أن نحو 1.4 مليون شخص في البلاد لم يعُدْ بإمكانهم الحصول على المياه الصالحة للشرب، وأن 4.6 مليون شخص آخر لديهم إمكانية محدودة للحصول على المياه الصالحة للشرب.
كما شهدت أوكرانيا زيادة في مستويات النفايات بسبب العمليات العسكرية. ويشمل هذا المركبات والمعدات العسكرية التالفة أو المهجورة، وشظايا القذائف والمركبات المدنية، وحطام المباني المدمّرة، إلى جانب النفايات المنزلية والطبية التي لم يتم جمعها. وبعض هذه النفايات سامة تحتاج إلى معالجة خاصة، مثل النفايات الطبية وشظايا القذائف، كما يمكن أن تحتوي أنقاض المباني على مواد سامة مثل الأسبستوس ومعادن ثقيلة مثل الرصاص والزئبق.
وتقدّر أوكرانيا أن 900 من مناطقها الطبيعية المحمية تأثرت بالأنشطة العسكرية الروسية، وأن 30 في المائة من جميع مناطقها المحمية تعاني من آثار الحرب نتيجة الحرائق الناجمة عن القصف أو بسبب سوء الاستخدام من قبل القوات الروسية.
وتشكّل بقايا الذخيرة في أوكرانيا خطراً مباشراً على الصحة العامة؛ حيث تتسرب موادها السامة إلى التربة، وتؤثر على جودة المياه السطحية والجوفية. وتشمل المواد الخطرة المعادن الثقيلة المستخدمة في الذخائر والمواد المتفجّرة ووقود الصواريخ.
ولم تسلَم البيئة في روسيا من أضرار الحرب، إذ جرى إدخال مجموعة من التعديلات التشريعية التي ستترك أثراً سلبياً على النظم الطبيعية وسلامة الهواء والمناخ. فعلى سبيل المثال، أصبح القانون الروسي يسمح حالياً بمدّ خطوط الأنابيب والطرق السريعة في المحميات الطبيعية دون مراجعة بيئية. وأقرّ القانون تخفيضات في معايير الانبعاثات، بحيث يمكن لمصنّعي السيارات في البلاد إنتاج آليات بغض النظر عن المعايير البيئية الأوروبية، وأعفى الشركات من إجراء تقييم الأثر البيئي لاستثماراتها لمدة سنتين.
كما أجّلت وزارة الموارد الطبيعية والبيئة في روسيا الموعد النهائي لتنفيذ مشروع الهواء النظيف لمدة سنتين أيضاً، وهي مبادرة حكومية للسيطرة على انبعاثات الجسيمات الضارة في أكثر مدن روسيا تلوُّثاً. ويمارس قطاع الأعمال الروسي ضغوطاً من أجل التخلي عن العديد من التشريعات البيئية، بحجّة أن ذلك سيساعد في التخفيف من آثار العقوبات الغربية والأزمة الاقتصادية. ويتوقع البنك الدولي أن ينكمش الاقتصاد الروسي بأكثر من 10 في المائة هذه السنة.
أزمة الغذاء تتفاقم والطاقة النووية تنتعش
وتسبب الغزو الروسي بدمار كبير في القطاع الزراعي في أوكرانيا، ما أدّى إلى اضطرابات شديدة في سوق الغذاء العالمي وتفاقم الجوع في العالم. وقد أتاحت الاتفاقية الموقعة بين أوكرانيا وروسيا في يوليو (تموز) الماضي رفع الحصار عن السفن التي تحمل الصادرات الغذائية، وسمحت لها بمغادرة موانئ أوكرانيا على البحر الأسود.
ويُشير تقرير حديث صادر عن اليونيسف إلى أن الجفاف الشديد، إلى جانب ارتفاع تكلفة الغذاء، زاد من تفاقم انعدام الأمن الغذائي والجوع في القرن الأفريقي. وأسهمت الحرب في أوكرانيا، وما تبِعها من اضطراب سوق الطاقة وسلاسل التوريد، في ارتفاع تكلفة السلع والخدمات عالمياً. وأصبح الوضع مروّعاً بشكل خاص في القارة الأفريقية؛ حيث تسببت الظروف المناخية القاسية وانعدام الأمن في إعاقة إنتاج الغذاء.
ومن ناحية أخرى، دفع استخدام الروس ورقة الغاز الطبيعي الدول التي توقفت عن الاستثمار في الطاقة النووية إلى مراجعة خياراتها في بناء محطات طاقة جديدة أو تأخير إغلاق المحطات القائمة. ويظهر هذا التحول على نحو خاص في اليابان وألمانيا، اللتين اتخذتا سابقاً قراراً حاسماً ضد الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما في عام 2011، وذلك رغم تصاعد المخاوف بشأن كارثة نووية محتملة في محطة زابوريجيا الأوكرانية، أكبر محطة كهربائية للطاقة النووية في أوروبا.
وكانت القوات الروسية سيطرت على زابوريجيا منذ مارس (آذار) الماضي. ويعتقد الخبراء النوويون أن المحطة، التي تقع على الخطوط الأمامية للحرب، تواجه وضعاً خطيراً بشكل متزايد. وفي الأيام الأخيرة تعرّضت المحطة لانقطاعات متكررة في التغذية الكهربائية، ما جعلها تستخدم المولدات الاحتياطية لتبريد مفاعلاتها النووية.
وتُظهر الحرب في أوكرانيا الدرجة الاستثنائية التي تعيد بها الأزمات الكبرى تشكيل المواقف الراسخة بشأن الطاقة النووية. وتستعد أوروبا لفصل شتاء مع نقص في الطاقة قد تنفذ فيه إمدادات الغاز الطبيعي، ما قد يجبرها على إغلاق كثير من المصانع وترك مواطنيها يرتجفون برداً. وفي جميع أنحاء العالم، ارتفعت أسعار الوقود الأحفوري، حيث قلّصت أوروبا والولايات المتحدة وبلدان أخرى مشترياتها من النفط والغاز الروسيين الرخيصين.
وفي ظل هذا المشهد، أعلن رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا أن حكومته تدرس بناء الجيل التالي من محطات الطاقة النووية، بهدف جعلها جاهزة للعمل تجارياً خلال العقد المقبل، وقد تقوم الحكومة بتمديد العمر التشغيلي لمحطات الطاقة النووية الحالية.
وكانت الطاقة النووية استحوذت على 6 في المائة من إمدادات الكهرباء في اليابان في عام 2019. وتهدف الحكومة اليابانية إلى زيادة هذه المساهمة إلى نحو 20 في المائة بحلول صيف 2023، بعودة 17 محطة طاقة نووية للعمل بعد آمال باجتيازها فحص السلامة الخاص بهيئة التنظيم النووي. وحتى الآن، تستخدم البلاد 6 من هذه المحطات وتستعد لتشغيل 3 محطات أخرى لمواجهة نقص الكهرباء في الشتاء المقبل.
وفي ألمانيا، التي قامت سياستها حول الطاقة والمناخ بعد كارثة فوكوشيما على إجماع متعدد الأطراف حول المخاطر التكنولوجية والأمنية للطاقة النووية، يفكر صانعو السياسة بإطالة عمر ثلاث محطات طاقة نووية كان من المقرر أن تتوقف في نهاية العام. هذا التمديد، الذي قد يستمر لعام أو عامين من أجل تجاوز أزمة الطاقة الحالية، يمثل تغيُّراً جذرياً في قضية كانت تمثّل محوراً مهماً في السياسة الألمانية خلال العقد الماضي.
وتعتمد ألمانيا على الغاز الطبيعي لتوليد نحو 15 في المائة من حاجتها للكهرباء. وهي تستخدم الغاز الطبيعي لتوليد الحرارة اللازمة في أفران المصانع، لا سيما لصناعة مواد البناء، ما يعني أن المحطات النووية لا يمكنها حلّ كامل المشكلة. وتشير التقديرات إلى أن إطالة عمر المحطات النووية الألمانية ستعالج واحداً في المائة فقط من النقص المتوقع في الطاقة.
ويبلغ سعر الغاز الطبيعي حالياً في أوروبا نحو عشرة أضعاف ما كان عليه قبل سنة. وتتنافس القارة مع اليابان ومشترين عالميين آخرين على إمدادات الغاز الطبيعي المسال، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار أكثر فأكثر. ووصلت المخاوف من غرق أوروبا في أزمة طاقة خلال الشتاء إلى مستويات جديدة، بعد أن مددت شركة «غازبروم» الروسية المورِّدة للطاقة إلى أجل مفتوح إيقاف تدفقات الغاز التي فرضتها عبر خط أنابيبها الرئيسي «نورد ستريم 1» إلى ألمانيا.
كما أن إمدادات الكهرباء منخفضة بشكل خاص في أوروبا حالياً، لأن الكثير من محطات الطاقة النووية الفرنسية غير متصلة بالشبكة في انتظار الحصول على شهادات الأمان. ورغم أن ترخيص عمل هذه المحطات لا شأن له بالحرب في أوكرانيا، فإنه يسهم في تفاقم أزمة الطاقة الشاملة.
التعافي من آثار الحرب
يقترح تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ينصبّ تركيز أوكرانيا على إزالة وتقليل المخاطر المباشرة على صحة الإنسان والبيئة من آثار الحرب على المدى القصير. وسيساعد جمع ومعالجة الكميات الهائلة من النفايات العسكرية والتخلص الآمن منها في تقليل المخاطر الصحية المباشرة. كما سيكون إصلاح وإعادة إنشاء بنية تحتية بيئية أكثر كفاءة، أولوية ملحة، وذلك من أجل توفير مياه شرب آمنة، وصرف صحي سليم، وإدارة متكاملة للنفايات.
وعلى المدى الطويل، يمكن لأوكرانيا استغلال إعادة الإعمار بعد الحرب لتحويل نفسها جذرياً نحو اقتصاد أخضر محايد كربونياً. ويجب ألا تؤدي عملية إعادة الإعمار إلى خلق اقتصاد مماثل لما قبل الحرب، يتّصف بالاعتماد على الوقود الأحفوري، والاستهلاك غير الكفؤ للطاقة، والتلوُّث المكثّف. وتحتاج أوكرانيا إلى سياسات وتشريعات جديدة لحماية البيئة من أجل توجيه هذا التحوُّل الأخضر، كما يجب توجيه التمويل المستدام لإعادة إعمار البلاد مع تحقيق الأهداف البيئية والخضراء.
وعلى المستوى العالمي، من المحتمل أن تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى إبطاء التحوُّل نحو مصادر الطاقة النظيفة. ويتّفق العديد من الخبراء على أن التحوُّل إلى مصادر الطاقة المستدامة قد يكون أكثر سرعة وفاعلية من حيث التكلفة من بناء خطوط أنابيب ومحطات غاز جديدة.
وفي الوقت نفسه، يمكن للحرب أن تعرقل الجهود المبذولة لتحقيق أهداف اتفاقية باريس المناخية؛ حيث قررت بعض الحكومات الاستغناء عن الوقود الأحفوري الروسي والاستيراد من دول أخرى وسدّ الفجوة باستخدام طاقة الفحم. ومن المؤكد أن بناء سلاسل إمداد وبُنى تحتية جديدة في محاولة لاستبدال الهيدروكربونات الروسية سيؤدي إلى ارتفاع الانبعاثات الكربونية في المدى القصير. لكن هذه الاندفاعة نحو توفير الطاقة بأي ثمن يجب أن يقابلها تصرّف عقلاني لتسريع تنفيذ تحوُّل سريع ومستدام إلى الطاقة النظيفة، أياً كان مصدرها.



2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.


دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
TT

دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)

رصد باحثون في كندا مؤخراً حالة نادرة جداً لدبة قطبية تبنَّت شبلاً لم تلده في شمال البلاد.

وقال الباحث في هيئة البيئة الكندية إيفان ريتشاردسون الذي يجري دراسات بشأن هذا المفترس الأكبر في القطب الشمالي منذ 25 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم تُسجَّل سوى 13 حالة (من هذا النوع) خلال 45 عاماً».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تمكن ريتشاردسون وفريقه من الإمساك بدبة مع شبلين لها، يبلغ سن أحدهما 10 أشهر، والآخر 11 شهراً، بالقرب من تشرشل التي تُلقَّب بـ«عاصمة الدببة القطبية في العالم»، والواقعة في شمال مانيتوبا بوسط كندا.

وأضاف: «عندما اقتربنا، لاحظنا أن أحد الشبلين يحمل علامة تعريف، بينما الآخر لا يحملها»؛ مشيراً إلى أن الأم نفسها شوهدت قبل بضعة أشهر مع شبل واحد فقط.

دب قطبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي هذه المنطقة الشمالية، يضع الباحثون علامات تعريف على الدببة القطبية ليتسنى لهم تتبعها ودراستها طوال حياتها.

وأكدت عمليات التتبع عبر أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع العالمية (جي بي إس) والملاحظات التي أجرتها منظمة «بولار بيرز إنترناشيونال»، وهي مجموعة بحثية معنية بالدببة القطبية، أن الأنثى المعنية احتفظت بالشبلين معها لأسابيع.

وقال إيفان ريتشاردسون: «إنها قصة رائعة. هذه الدببة القطبية تتمتع بحسِّ أمومة مذهل؛ إذ إنها مهيَّئة بطبيعتها لرعاية صغارها».

وقد انخفض عدد الدببة القطبية في غرب خليج هدسون بنسبة 30 في المائة خلال بضعة عقود فقط، من نحو 1200 دب في ثمانينات القرن الماضي إلى 800 دب اليوم. ويعود ذلك جزئياً إلى تسارع ذوبان الجليد الذي يشكل عنصراً ضرورياً لبقائها.

مع ذلك، لا يوجد دليل يربط بين هذا التبني وتغير المناخ، وفق ريتشاردسون.

ويجري حالياً فحص جيني لتحديد الأم البيولوجية للشبل المتبنَّى. وقال العالِم إنَّ ثمة «احتمالاً كبيراً أن نكتشف هويتها».

على مدى 45 عاماً، رُصد أكثر من 4600 دب قطبي في هذه المنطقة من كندا، ما يجعلها، حسب ريتشاردسون: «أفضل مجموعة دببة قطبية دُرست في العالم».