6 أشهر على حرب أوكرانيا... أضرار بيئية وانتعاش للطاقة النووية

من آثار الدمار الذي خلفته الحرب في أوكرانيا بعد تدمير القوات الروسية جسراً قرب مدينة أربين (إ.ب.أ)
من آثار الدمار الذي خلفته الحرب في أوكرانيا بعد تدمير القوات الروسية جسراً قرب مدينة أربين (إ.ب.أ)
TT

6 أشهر على حرب أوكرانيا... أضرار بيئية وانتعاش للطاقة النووية

من آثار الدمار الذي خلفته الحرب في أوكرانيا بعد تدمير القوات الروسية جسراً قرب مدينة أربين (إ.ب.أ)
من آثار الدمار الذي خلفته الحرب في أوكرانيا بعد تدمير القوات الروسية جسراً قرب مدينة أربين (إ.ب.أ)

اتهمت وزارة البيئة الأوكرانية روسيا بارتكاب جرائم «إبادة بيئية» تسببت في أضرار بمليارات الدولارات طالت موارد البلاد الطبيعية. وقالت الوزارة إن الغزو الروسي أدى إلى تدهور كبير لتربة أوكرانيا ومواردها المائية وتلوُّث هوائها؛ حيث بلغت قيمة الأضرار نحو 10 مليارات دولار منذ بداية الحرب قبل ستة أشهر.
البيئة تتدهور في أوكرانيا وروسيا
يحذّر تقرير جديد، صدر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من أن الحرب الروسية في أوكرانيا تسببت في «عواقب فورية وطويلة المدى على صحة الإنسان»، وأدّت أيضاً إلى «أضرار واسعة النطاق وشديدة» على البيئة. ويُشير التقرير إلى أن المعارك الحربية ألحقت أضراراً واسعة النطاق بالموارد الطبيعية والبُنى التحتية في أوكرانيا، ويشمل ذلك الغابات والأنظمة البيئية البرية والبحرية، إلى جانب المرافق الصناعية والبُنى التحتية للنقل والمنازل.
وأدّت الحرب إلى تلوُّث الهواء والماء والتربة في أوكرانيا بالمواد السامة بسبب وابل الضربات المستمرة على البنية التحتية، مثل المصافي والمصانع الكيماوية ومنشآت الطاقة والمستودعات الصناعية وخطوط الأنابيب، وأسهمت الحرائق وانهيارات الأبنية في تفاقم المشكلة. وستكون لتلوُّث التربة والمياه في المناطق الزراعية آثار جسيمة على الإنتاج الغذائي، كمّاً ونوعاً.
ونتجت عن القصف أضرار جسيمة في إمدادات المياه، حيث يقدّر أن نحو 1.4 مليون شخص في البلاد لم يعُدْ بإمكانهم الحصول على المياه الصالحة للشرب، وأن 4.6 مليون شخص آخر لديهم إمكانية محدودة للحصول على المياه الصالحة للشرب.
كما شهدت أوكرانيا زيادة في مستويات النفايات بسبب العمليات العسكرية. ويشمل هذا المركبات والمعدات العسكرية التالفة أو المهجورة، وشظايا القذائف والمركبات المدنية، وحطام المباني المدمّرة، إلى جانب النفايات المنزلية والطبية التي لم يتم جمعها. وبعض هذه النفايات سامة تحتاج إلى معالجة خاصة، مثل النفايات الطبية وشظايا القذائف، كما يمكن أن تحتوي أنقاض المباني على مواد سامة مثل الأسبستوس ومعادن ثقيلة مثل الرصاص والزئبق.
وتقدّر أوكرانيا أن 900 من مناطقها الطبيعية المحمية تأثرت بالأنشطة العسكرية الروسية، وأن 30 في المائة من جميع مناطقها المحمية تعاني من آثار الحرب نتيجة الحرائق الناجمة عن القصف أو بسبب سوء الاستخدام من قبل القوات الروسية.
وتشكّل بقايا الذخيرة في أوكرانيا خطراً مباشراً على الصحة العامة؛ حيث تتسرب موادها السامة إلى التربة، وتؤثر على جودة المياه السطحية والجوفية. وتشمل المواد الخطرة المعادن الثقيلة المستخدمة في الذخائر والمواد المتفجّرة ووقود الصواريخ.
ولم تسلَم البيئة في روسيا من أضرار الحرب، إذ جرى إدخال مجموعة من التعديلات التشريعية التي ستترك أثراً سلبياً على النظم الطبيعية وسلامة الهواء والمناخ. فعلى سبيل المثال، أصبح القانون الروسي يسمح حالياً بمدّ خطوط الأنابيب والطرق السريعة في المحميات الطبيعية دون مراجعة بيئية. وأقرّ القانون تخفيضات في معايير الانبعاثات، بحيث يمكن لمصنّعي السيارات في البلاد إنتاج آليات بغض النظر عن المعايير البيئية الأوروبية، وأعفى الشركات من إجراء تقييم الأثر البيئي لاستثماراتها لمدة سنتين.
كما أجّلت وزارة الموارد الطبيعية والبيئة في روسيا الموعد النهائي لتنفيذ مشروع الهواء النظيف لمدة سنتين أيضاً، وهي مبادرة حكومية للسيطرة على انبعاثات الجسيمات الضارة في أكثر مدن روسيا تلوُّثاً. ويمارس قطاع الأعمال الروسي ضغوطاً من أجل التخلي عن العديد من التشريعات البيئية، بحجّة أن ذلك سيساعد في التخفيف من آثار العقوبات الغربية والأزمة الاقتصادية. ويتوقع البنك الدولي أن ينكمش الاقتصاد الروسي بأكثر من 10 في المائة هذه السنة.
أزمة الغذاء تتفاقم والطاقة النووية تنتعش
وتسبب الغزو الروسي بدمار كبير في القطاع الزراعي في أوكرانيا، ما أدّى إلى اضطرابات شديدة في سوق الغذاء العالمي وتفاقم الجوع في العالم. وقد أتاحت الاتفاقية الموقعة بين أوكرانيا وروسيا في يوليو (تموز) الماضي رفع الحصار عن السفن التي تحمل الصادرات الغذائية، وسمحت لها بمغادرة موانئ أوكرانيا على البحر الأسود.
ويُشير تقرير حديث صادر عن اليونيسف إلى أن الجفاف الشديد، إلى جانب ارتفاع تكلفة الغذاء، زاد من تفاقم انعدام الأمن الغذائي والجوع في القرن الأفريقي. وأسهمت الحرب في أوكرانيا، وما تبِعها من اضطراب سوق الطاقة وسلاسل التوريد، في ارتفاع تكلفة السلع والخدمات عالمياً. وأصبح الوضع مروّعاً بشكل خاص في القارة الأفريقية؛ حيث تسببت الظروف المناخية القاسية وانعدام الأمن في إعاقة إنتاج الغذاء.
ومن ناحية أخرى، دفع استخدام الروس ورقة الغاز الطبيعي الدول التي توقفت عن الاستثمار في الطاقة النووية إلى مراجعة خياراتها في بناء محطات طاقة جديدة أو تأخير إغلاق المحطات القائمة. ويظهر هذا التحول على نحو خاص في اليابان وألمانيا، اللتين اتخذتا سابقاً قراراً حاسماً ضد الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما في عام 2011، وذلك رغم تصاعد المخاوف بشأن كارثة نووية محتملة في محطة زابوريجيا الأوكرانية، أكبر محطة كهربائية للطاقة النووية في أوروبا.
وكانت القوات الروسية سيطرت على زابوريجيا منذ مارس (آذار) الماضي. ويعتقد الخبراء النوويون أن المحطة، التي تقع على الخطوط الأمامية للحرب، تواجه وضعاً خطيراً بشكل متزايد. وفي الأيام الأخيرة تعرّضت المحطة لانقطاعات متكررة في التغذية الكهربائية، ما جعلها تستخدم المولدات الاحتياطية لتبريد مفاعلاتها النووية.
وتُظهر الحرب في أوكرانيا الدرجة الاستثنائية التي تعيد بها الأزمات الكبرى تشكيل المواقف الراسخة بشأن الطاقة النووية. وتستعد أوروبا لفصل شتاء مع نقص في الطاقة قد تنفذ فيه إمدادات الغاز الطبيعي، ما قد يجبرها على إغلاق كثير من المصانع وترك مواطنيها يرتجفون برداً. وفي جميع أنحاء العالم، ارتفعت أسعار الوقود الأحفوري، حيث قلّصت أوروبا والولايات المتحدة وبلدان أخرى مشترياتها من النفط والغاز الروسيين الرخيصين.
وفي ظل هذا المشهد، أعلن رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا أن حكومته تدرس بناء الجيل التالي من محطات الطاقة النووية، بهدف جعلها جاهزة للعمل تجارياً خلال العقد المقبل، وقد تقوم الحكومة بتمديد العمر التشغيلي لمحطات الطاقة النووية الحالية.
وكانت الطاقة النووية استحوذت على 6 في المائة من إمدادات الكهرباء في اليابان في عام 2019. وتهدف الحكومة اليابانية إلى زيادة هذه المساهمة إلى نحو 20 في المائة بحلول صيف 2023، بعودة 17 محطة طاقة نووية للعمل بعد آمال باجتيازها فحص السلامة الخاص بهيئة التنظيم النووي. وحتى الآن، تستخدم البلاد 6 من هذه المحطات وتستعد لتشغيل 3 محطات أخرى لمواجهة نقص الكهرباء في الشتاء المقبل.
وفي ألمانيا، التي قامت سياستها حول الطاقة والمناخ بعد كارثة فوكوشيما على إجماع متعدد الأطراف حول المخاطر التكنولوجية والأمنية للطاقة النووية، يفكر صانعو السياسة بإطالة عمر ثلاث محطات طاقة نووية كان من المقرر أن تتوقف في نهاية العام. هذا التمديد، الذي قد يستمر لعام أو عامين من أجل تجاوز أزمة الطاقة الحالية، يمثل تغيُّراً جذرياً في قضية كانت تمثّل محوراً مهماً في السياسة الألمانية خلال العقد الماضي.
وتعتمد ألمانيا على الغاز الطبيعي لتوليد نحو 15 في المائة من حاجتها للكهرباء. وهي تستخدم الغاز الطبيعي لتوليد الحرارة اللازمة في أفران المصانع، لا سيما لصناعة مواد البناء، ما يعني أن المحطات النووية لا يمكنها حلّ كامل المشكلة. وتشير التقديرات إلى أن إطالة عمر المحطات النووية الألمانية ستعالج واحداً في المائة فقط من النقص المتوقع في الطاقة.
ويبلغ سعر الغاز الطبيعي حالياً في أوروبا نحو عشرة أضعاف ما كان عليه قبل سنة. وتتنافس القارة مع اليابان ومشترين عالميين آخرين على إمدادات الغاز الطبيعي المسال، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار أكثر فأكثر. ووصلت المخاوف من غرق أوروبا في أزمة طاقة خلال الشتاء إلى مستويات جديدة، بعد أن مددت شركة «غازبروم» الروسية المورِّدة للطاقة إلى أجل مفتوح إيقاف تدفقات الغاز التي فرضتها عبر خط أنابيبها الرئيسي «نورد ستريم 1» إلى ألمانيا.
كما أن إمدادات الكهرباء منخفضة بشكل خاص في أوروبا حالياً، لأن الكثير من محطات الطاقة النووية الفرنسية غير متصلة بالشبكة في انتظار الحصول على شهادات الأمان. ورغم أن ترخيص عمل هذه المحطات لا شأن له بالحرب في أوكرانيا، فإنه يسهم في تفاقم أزمة الطاقة الشاملة.
التعافي من آثار الحرب
يقترح تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ينصبّ تركيز أوكرانيا على إزالة وتقليل المخاطر المباشرة على صحة الإنسان والبيئة من آثار الحرب على المدى القصير. وسيساعد جمع ومعالجة الكميات الهائلة من النفايات العسكرية والتخلص الآمن منها في تقليل المخاطر الصحية المباشرة. كما سيكون إصلاح وإعادة إنشاء بنية تحتية بيئية أكثر كفاءة، أولوية ملحة، وذلك من أجل توفير مياه شرب آمنة، وصرف صحي سليم، وإدارة متكاملة للنفايات.
وعلى المدى الطويل، يمكن لأوكرانيا استغلال إعادة الإعمار بعد الحرب لتحويل نفسها جذرياً نحو اقتصاد أخضر محايد كربونياً. ويجب ألا تؤدي عملية إعادة الإعمار إلى خلق اقتصاد مماثل لما قبل الحرب، يتّصف بالاعتماد على الوقود الأحفوري، والاستهلاك غير الكفؤ للطاقة، والتلوُّث المكثّف. وتحتاج أوكرانيا إلى سياسات وتشريعات جديدة لحماية البيئة من أجل توجيه هذا التحوُّل الأخضر، كما يجب توجيه التمويل المستدام لإعادة إعمار البلاد مع تحقيق الأهداف البيئية والخضراء.
وعلى المستوى العالمي، من المحتمل أن تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى إبطاء التحوُّل نحو مصادر الطاقة النظيفة. ويتّفق العديد من الخبراء على أن التحوُّل إلى مصادر الطاقة المستدامة قد يكون أكثر سرعة وفاعلية من حيث التكلفة من بناء خطوط أنابيب ومحطات غاز جديدة.
وفي الوقت نفسه، يمكن للحرب أن تعرقل الجهود المبذولة لتحقيق أهداف اتفاقية باريس المناخية؛ حيث قررت بعض الحكومات الاستغناء عن الوقود الأحفوري الروسي والاستيراد من دول أخرى وسدّ الفجوة باستخدام طاقة الفحم. ومن المؤكد أن بناء سلاسل إمداد وبُنى تحتية جديدة في محاولة لاستبدال الهيدروكربونات الروسية سيؤدي إلى ارتفاع الانبعاثات الكربونية في المدى القصير. لكن هذه الاندفاعة نحو توفير الطاقة بأي ثمن يجب أن يقابلها تصرّف عقلاني لتسريع تنفيذ تحوُّل سريع ومستدام إلى الطاقة النظيفة، أياً كان مصدرها.



فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».