«قصة حب» لم تنقطع بين إليزابيث الثانية وفرنسا

عرفت عشرة رؤساء فرنسيين وقامت بست زيارات دولة

ماكرون يضع وردة بيضاء عند صورة الملكة إليزابيث في السفارة البريطانية بباريس أمس (أ.ب)
ماكرون يضع وردة بيضاء عند صورة الملكة إليزابيث في السفارة البريطانية بباريس أمس (أ.ب)
TT

«قصة حب» لم تنقطع بين إليزابيث الثانية وفرنسا

ماكرون يضع وردة بيضاء عند صورة الملكة إليزابيث في السفارة البريطانية بباريس أمس (أ.ب)
ماكرون يضع وردة بيضاء عند صورة الملكة إليزابيث في السفارة البريطانية بباريس أمس (أ.ب)

بين الملكة إليزابيث الثانية وفرنسا «قصة حب» طويلة وعميقة لم تفسدها العلاقات المتوترة بسبب الخلافات السياسية التي غالباً ما باعدت ما بين لندن وباريس. فمن بين ألقاب الملكة الكثيرة، ثمة لقب ينساه الكثيرون وهو أنها «دوقة نورماندي»، وهي المنطقة التي انطلق منها «غيوم المظفر» لاحتلال إنجلترا الذي توج ملكاً عليها في 25 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1066، وإليزابيث الثانية وريثته بعد ألف عام، هي أيضاً دوقة جزيرتي جيرسي وغيرنسي الواقعتين على بعد رمية حجر من الشاطئ الفرنسي. وما بين مدينة كاليه الفرنسية ودوفر البريطانية سوى لسان بحري لا يزيد عرضه على 42 كيلومتراً، هو اليوم مصدر خلاف كبير واتهامات بين البلدين بسبب تدفق الهجرات غير الشرعية التي تنطلق من الشاطئ الفرنسي باتجاه الشاطئ المقابل.
وخلال تاريخهما المشترك، اندلعت حروب عديدة وطويلة، منها حرب المائة العام، وحرب وراثة العرش الإسباني، ولكن أيضاً وخصوصاً حروب الإمبراطور نابليون الأول الذي هزمه التحالف الذي بناه الإنجليز مع النمساويين والبروسيين والروس في معركة ووترلو الشهيرة عام 1815 «في بلجيكا».
هذا التاريخ ورثته إليزابيث الثانية، لكنه لم يكن كله حروباً ومآسي، فالأمتان كانتا جنباً إلى جنب في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولولا المساهمة البريطانية فيهما لكان تاريخ فرنسا اتخذ مساراً مختلفاً. ومن يزور منطقة النورماندي، سيتعرف على المقبرة البريطانية التي تضم 4648 شاهداً لجنود بريطانيين سقطوا في معارك تحرير فرنسا من الهيمنة النازية. ومنذ ذاك التاريخ، تعود العلاقة «الرسمية» بين الملكة الراحلة وبين فرنسا، إذ إن إليزابيث الثانية التي شاركت وهي في العشرين من عمرها في الجهد الحربي البريطاني، تعرفت على الجنرال شارل ديغول، زعيم فرنسا الحرة الذي لجأ إلى لندن بعد استسلام القوات الفرنسية.
بيد أن إليزابيث بدأت تتعرف على فرنسا وهي طفلة، إذ إن والدتها اختارت لها مربية فرنسية وعبرها تعلمت اللغة الفرنسية التي أتقنتها بشكل تام وتعرفت على الثقافة والفنون الفرنسية وما يمكن تسميته «أسلوب العيش الفرنسي»، ومن بين سماته المطبخ الفرنسي وفنون الطاولة بكافة مذاقاتها، بيد أن الأهم من ذلك كله، أن الملكة الراحلة كانت تتمتع بشعبية لا تضاهى في فرنسا. وسارع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى توجيه رسالة عاطفية إلى البريطانيين أشار فيها إلى «الفراغ» الذي يخلفه رحيل الملكة، وإلى «الحزن الكبير» الذي ألمّ بالفرنسيين. وبعد أن اعتبرها «رمزاً دائماً» للمملكة المتحدة، أشاد بمحبتها الخاصة لفرنسا وبحبها لثقافتها وبمكانتها في قلوب الفرنسيين. ولم تفت ماكرون الإشارة إلى أنها عرفت والتقت كافة رؤساء فرنسا منذ صعودها إلى العرش في عام 1953، وختم الرئيس الفرنسي قائلاً: «ليس هناك بلد آخر في العالم كان له شرف استقبالها بقدر فرنسا». وصباح الجمعة، بكر ماكرون لتسطير كلمة في سجل التعازي للسفارة البريطانية، الذي كتب فيه: «هنا في باريس التي أحبتها كثيراً وكما في كافة أرجاء فرنسا، حزن مواطنينا لا حدود له... كانت طيلة سبعين عاماً صديقة لفرنسا».
ما كتبه ماكرون لا غلو فيه؛ فإليزابيث الثانية عايشت عشرة رؤساء فرنسيين، منذ فانسان أوريول وحتى إيمانويل ماكرون، وزارها في لندن كافة الرؤساء الذين تعاقبوا على قصر الإليزيه منذ ما قبل تأسيس الجمهورية الخامسة. وقامت الملكة الراحلة بست زيارات دولة إلى فرنسا. وكما في كل مرة كانت تلقى أعلى مظاهر التكريم والإجلال الرسمية. فرنسا فتحت أمامها قصورها وفرشت تحت أقدامها السجاد الأحمر. وفي كل زيارة رسمية لها، كانت الدولة الفرنسية حاضرة بكليتها لتحيتها. وفي كل الخطب التي ألقيت، كانت إليزابيث الثانية حريصة على أن تتحدث بفرنسية طليقة. كانت لا تخفي الأيام الصعبة التي عرفتها الأمتان. وبالمقابل، كانت تشدد على الصداقة العميقة والحقيقية بين بلدين أحياناً متحاربين، وغالباً متنافسين، ولكنهما بالضرورة متكاملين.
وإلى جانب البروتوكول، كانت هناك خصوصاً الحفاوة الشعبية التي لا تضاهى. وتبين صور الأرشيف التي بثها التلفزيون الفرنسي منذ مساء الخميس تدافع عشرات الآلاف من المواطنين، لدى كل زيارة، إن كان على جانبي جادة الشانزيليزيه أو على الطريق المؤدي من المدرسة الحربية إلى القصر الرئاسي، كم أن شعبية هذه الملكة كانت جائحة في فرنسا. ويشير المؤرخون إلى أن أول زيارة رسمية لإليزابيث، قبل صعودها إلى العرش كانت في عام 1948، أي بعد زواجها مباشرة من الأمير فيليب، وذلك بتكليف من والدها الملك جورج السادس وذلك لإعادة التأكيد على العلاقات المتواصلة بين باريس ولندن عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.
من بين كافة الرؤساء الفرنسيين الذين التقتهم، ارتبطت إليزابيث الثانية بعلاقة صداقة مع الرئيس فرنسوا ميتران الذي بقي في قصر الإليزيه لولايتين من 14 عاماً. ودشنا معاً «اليوروستار»، وهو خط القطار السريع الذي يربط البلدين ويمر تحت بحر المانش. وروى الرئيس فاليري جيسكار ديستان الذي توفي في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2020، أنه بمناسبة عشاء رسمي دعي إليه في قصر ويندسور، كم كانت مفاجأته كبيرة عندما وجد أن القصر بمفروشاته وأوانيه وتحفه ولوحاته يضم محتويات فرنسية، ربما أكثر من قصر فرساي.
كثيرة الجولات غير الرسمية التي حملت إليزابيث الثانية إلى فرنسا. كانت تهوى الخيول وعميقة المعرفة بها، ولذا كانت تداوم على زيارة الإسطبلات الفرنسية كما كانت تهوى التعرف على المناطق التي كانت تحت سيطرة الإنجليز في العديد من الفترات التاريخية مثل منطقة بوردو وغيرها.
يبقى السؤال: هل سيعرف الملك تشارلز الثالث أن يحافظ على إرث والدته؟ الجواب في القادم من الأيام.


مقالات ذات صلة

محمد بن سلمان يصطحب ويليام في جولة بـ«الدرعية»

الخليج الأمير محمد بن سلمان والأمير ويليام أمام قصر سلوى في حي الطريف التاريخي (رويترز) p-circle 00:55

محمد بن سلمان يصطحب ويليام في جولة بـ«الدرعية»

اصطحب الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الأمير ويليام أمير ويلز، ولي العهد البريطاني، مساء الاثنين، بجولة في الدرعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا الأمير السابق المعروف الآن باسم أندرو ماونتباتن - وندسور (أرشيفية - أ.ف.ب)

الشرطة البريطانية «تقيم مزاعم» بأن أندرو أرسل تقارير حساسة إلى إبستين

أعلنت شرطة منطقة وادي التايمز في بريطانيا، اليوم الاثنين، أنها «تقيم مزاعم» بأن الأمير السابق أندرو أرسل تقارير تجارية سرية إلى المدان بارتكاب جرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملك تشارلز يحيي الجمهور خارج محطة كليثيرو (أ.ب)

ماذا يأكل الملك البريطاني تشارلز خلال يومه؟

تستحضر عبارة «الأكل كملك» صور الولائم الفاخرة وشاي ما بعد الظهيرة المترف، غير أن ملك بريطانيا، الملك تشارلز الثالث، غالباً ما يُشاهَد وهو يتناول طبقاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير ويليام والأميرة كيت (أ.ف.ب)

أمير وأميرة ويلز يشعران بـ«قلق بالغ» بعد كشف وثائق جديدة بقضية إبستين

قال متحدث باسم قصر كنسينغتون، إن أمير وأميرة ويلز «يشعران بقلق بالغ» إزاء الجولة الأخيرة من الكشف عن معلومات جديدة تتعلق بجيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب) p-circle

وثائق جديدة: الأمير السابق أندرو شارك معلومات سرية مع إبستين

كشفت وثائق أميركية أُفرج عنها مؤخراً، أن الأمير البريطاني السابق، أندرو ماونتباتن - ويندسور، شارك معلومات وُصفت بأنها «سرية» مع جيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟