ليبيا: «نزاع السلطة» يبقي الباب مفتوحاً على جميع السيناريوهات

صعوبة الحل العسكري تدفع الأفرقاء للبحث عن بديل سياسي

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)
TT

ليبيا: «نزاع السلطة» يبقي الباب مفتوحاً على جميع السيناريوهات

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)

يعتقد ليبيون كثر أن الأوضاع في بلادهم قبل «معركة طرابلس»، التي وقعت قبل نهاية الشهر الماضي وعُرفت بـ«السبت الأسود»، تختلف عمّا بعدها. إذ بدت الصورة كاشفة عن حالة من الغضب والرفض لدى قطاعات من المواطنين لاستخدام الشعب منذ عِقد وأكثر «كوقود في معارك السلطة»، لكنها أظهرت لهم أيضاً مدى التباين في «القوة المسلحة» والإسناد الخارجي لكل من طرفي الصراع في البلاد. فالأحداث الدامية، التي راكمت 40 قتيلاً وعشرات الجرحى، في زمن قصير، يُنظر إليها على أنها أحدثت «خرقاً» -ولو مؤقتاً- في جدار الجمود المُسيطر على المشهد العام، كما دفعت القوى الدولية لوضع «الأطراف الفاعلة» في ليبيا أمام مسؤولية التوافق على حل سياسي يحمي البلاد من الانزلاق إلى مستنقع دماء دائم. هنا يتخوف الليبيون من هشاشة الأوضاع، لا سيما في العاصمة طرابلس التي تتجدد فيها الاشتباكات من آن إلى آخر، إذ بدا لهم أن الوعود الانتخابية للحكومتين المتنازعتين على السلطة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة وفتحي باشاغا، ليست إلا أحاديث مكررة تستهلك الوقت، ولم تخف تسارعهما نحو السلطة. وبالتالي، يبقى التساؤل هنا حول مدى قدرة عقيلة صالح وخالد المشري، رئيسي مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في ليبيا، بصفتهما من «الشركاء في العملية التشريعية»، على إنهاء التكلس السياسي، وتجاوز إشكاليات «المسار الدستوري»؟ وإلى متى ستظل البلاد مرتهَنة بهذه المعضلة؟ وإلى أن تحدث استجابة، يرى ساسة تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن كل «السيناريوهات» تظل مفتوحة ومحتملة، إلى حين التغلب على نقاط الخلاف الدستوري، وتحديد مواقيت حقيقية للاستحقاق المنتظر، آملين في المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا عبد الله باتيلي «سرعة العمل لمنع دخول بلادهم دوامة العنف الذي ليس منه عودة».

تراوح ليبيا مكانها، منذ قرابة 11 سنة، دون تقدم حقيقي على المسار السياسي، باستثناء اتساع رقعة الدماء، وتزايد منسوب الفساد في مؤسسات الدولة وفق تقارير رسمية. وأمام تردي الأوضاع في البلاد، يحلو للبعض تعليق الجرس في رقبة مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة» وتحميلهما مسؤولية تعذّر التوافق على «خارطة طريق» تخدم الليبيين بعيداً عن الحسابات الشخصية والمصالح المناطقية. ويرى هؤلاء أن الرحلات المكّوكية لرئيسيهما صالح والمشري بين القاهرة وجنيف، خلال الفترة الماضية، لم تثمر حتى الآن حلولاً نهائية لنقاط الخلاف حول «المسار الدستوري» اللازم لإجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية.
لهذا دخلت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، على خط الأزمة وحثت في إحاطتها أمام مجلس الأمن أخيراً، صالح والمشري، على ضرورة التوافق سريعاً بشأن «القاعدة الدستورية». والواقع أن ديكارلو، تخوفت من التأثيرات السلبية لحالة الانسداد السياسي في ليبيا، وقالت إنه «لم يُحرَز أي تقدم باتجاه الإطار الدستوري للانتخابات، حتى الآن؛ بسبب الخلاف بين صالح والمشري، حول معايير أهلية الترشح للانتخابات الرئاسية». وانتهت ديكارلو، بدعوة الرجلين، إلى استكمال العمل الذي أنجزته «اللجنة الدستورية المشتركة» من المجلسين، وزادت: «مهم التوصل إلى اتفاق بشأن إطار دستوري وجدول زمني للانتخابات التي ستمكن الشعب الليبي من اختيار قادته».
أمام الاتهامات الموجهة إلى مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بعرقلة العملية السياسية في البلاد، تحدث عضو لجنة «المسار الدستوري» عن مجلس الدولة فتح الله السريري، عن «جهود مبذولة للوصول إلى توافق بهذا الشأن»، لكنه قال «إذا كان الليبيون لا يريدون المجلسين، فالحل في إجراء الانتخابات الحرة والشفافة ولا حل آخر». وتطرق السريري، في تصريحات تلفزيونية إلى أسباب الانسداد السياسي وعدّه ناتجاً عن «الخلاف حول نقطتين.. ولا بد من مشاركة الشعب الليبي في اتخاذ القرار حول القاعدة الدستورية»، في إشارة إلى اعتراضات معسكر غرب ليبيا على ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للانتخابات الليبية، والتصويت بها.
أما رمضان التويجر، القانوني والباحث السياسي الليبي، فقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الوضع راهناً في ليبيا «يحمل جميع التوقعات والاحتمالات»، وأرجع ذلك لتعذر التوافق بين الأطراف الليبية، وللتنافس الدولي حول من يمكنه السيطرة على ليبيا خلال المرحلة المقبلة، وسط رفض من جميع الأطراف داخلياً وخارجياً لإجراء الانتخابات في أقرب الآجال. وأردف التويجر أن «حسم الوضع في ليبيا عسكرياً أمر بالغ الصعوبة، وعليه لا حل إلا بتوافق جميع الأطراف المحلية على إجراء الاستحقاق الرئاسي والبرلماني المنتظر»، مستدركاً: «عدا ذلك، يُهدِّد استقرار ليبيا، ويؤدي بها إلى حرب مفتوحة لن تكون لها نهاية، إلا باتضاح معالم العالم الجديد الذي يتشكل راهناً نتيجة الصراعات الدولية والحرب الروسية على أوكرانيا».

عبد الله باتيلي

تخريب جهود التهدئة
غير أن المشري، الذي زار تركيا الشهر الماضي، قال إنه سعى مع جميع الأطراف في طرابلس، خصوصاً العسكريين التابعين للدبيبة وباشاغا ووصل معهم لـ«خطوط عريضة» لمنع اندلاع أي اشتباكات بالعاصمة. وأضاف أنه أجرى زيارة «علنية تشاورية» إلى تركيا لإطلاع مسؤوليها على أن القتال في طرابلس «خط أحمر»، وباشر التواصل مع الأطراف المتنازعة في البلاد لعقد لقاء بهدف منع الصدامات المسلحة، وتابع: «لكن ثمة من حاول تخريب التهدئة».
الاقتتال بالأسلحة المتوسطة والثقيلة كان قد اندلع في طرابلس فجر 27 أغسطس (آب) الماضي، وامتد بسرعة ليطال المناطق المأهولة في طرابلس، مخلّفاً 40 قتيلاً و159 جريحاً. وعدّت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، هذه الأحداث محاولة من القوات الموالية لباشاغا لدخول العاصمة من الشرق، لكنهم مُنعوا من ذلك على يد القوات الموالية للدبيبة في زليتن (160 كلم شرقي طرابلس) وأُجبروا على التراجع عقب الاشتباكات. هذا، ولا تزال الاشتباكات تتجدد بين الميليشيات في طرابلس ومحيطها، على نحو يهدد «الجهود السياسية» المرتقبة، وفقاً لمسؤول بحكومة «الاستقرار» المدعومة من البرلمان، دافع عن حكومته في حديث إلى «الشرق الأوسط». وبرّر المسؤول عجز حكومته عن تنفيذ ما وعدت به بكونها «لم تتسلم مهامها في العاصمة».
في الواقع، لم يكن ذلك «السبت الأسود» الوحيد الذي عرفته ليبيا، إذ سبقته أحداث دامية عدة أطلق عليها هذا الوصف من قبل، لكن عقب الاشتباكات التي اندلعت مع نهاية أغسطس حدث ما يمكن تسميته باستدعاء اضطراري للمسار التفاوضي، وهو ما فسّره الدكتور عمرو الشوبكي، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بأن «المواجهات التي خسر فيها الجميع بطرابلس قد تفتح الباب أمام عودة الحلول السياسية». وذكّر الشوبكي، في مقال له بصحيفة «المصري اليوم»، بأنه «إذا كانت الحرب على العاصمة طرابلس في عام 2019 أدت إلى تأسيس (ملتقى الحوار السياسي) في تونس وجنيف، الذي أنتج حكومة (الوحدة الوطنية) برئاسة الدبيبة، فإن المواجهات الفاشلة تلك قد تفرز مساراً سياسياً جديداً سيتمثل في التوافق على (قاعدة دستورية) تُجرى على أساسها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».
هذا، وعاد الدبيبة وباشاغا من مباحثات مع مسؤولين أتراك في إسطنبول أُجريت مطلع الشهر الجاري، وبينما تحدث الأخير عن «تحقيق نتائج إيجابية» من الزيارة، ذكر الدبيبة أنه حصل على «دعم تركي» بشأن الاتفاق على «خارطة طريق» للوصول بليبيا لإجراء الانتخابات قريباً. وفي أعقاب لقاءات الرجلين في تركيا، شدد سفير أميركا ومبعوثها الخاص لليبيا ريتشارد نورلاند، على «الحاجة الملحة للأطراف جميعها للعمل مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الجديد لوضع خارطة طريق واضحة المعالم لإجراء انتخابات مبكرة بوصفها الحل الوحيد للاضطراب في ليبيا».

الدبيبة والمنقوش
من جهة أخرى، أمام تعطل قطار السياسة في ليبيا، وفي مواجهة سيل الملاسنات والاتهامات المتبادلة بين رئيسي الحكومتين المتناحرتين مثل «التشبث بالسلطة» أو «الانقلاب عليها»، استغل الدبيبة ترؤس وزيرة خارجيته نجلاء المنقوش أعمال الدورة العادية الـ158 لمجلس الجامعة العربية على المستوي الوزاري، وقال إنه يتطلع لأن «تبذل جهودها لحشد الدعم العربي لإنجاح الانتخابات الليبية». وللعلم، اختُتمت أعمال الدورة الأربعاء الماضي برئاسة ليبيا بعد انقطاع 9 سنوات، وشهدت انسحاب الوفد المصري من الاجتماع تحفظاً على تولي الرئاسة من ممثل حكومة «منتهية ولايتها». أما المنقوش فعقدت اجتماعات عدة مع وزراء خارجية عرب على هامش الدورة بمقر الجامعة العربية.
وبموازاة ما يجري على الأرض من تحشيد عسكري، وسعي طرفي النزاع إما لتكريس الجهود للبقاء في السلطة، كوضعية الدبيبة أو لمزيد من المحاولات لدخول طرابلس كحال حكومة باشاغا، رأى القائم بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ريزدون زينينغا أنه «لا حل عسكرياً للانسداد الانتخابي والتنفيذي». وتابع أن «الشعب الليبي عبّر بوضوح عن تطلعه لاختيار قادته وتجديد شرعية المؤسسات الليبية عبر انتخابات ديمقراطية». وكان زينينغا، قد استقبل وفداً من مدينة مصراتة (مسقط رأس الدبيبة وباشاغا) طرح أفكاره حول الأزمة الراهنة. ونقل عن البعثة أن «الأمم المتحدة تولي الأولوية للعمل مع الأطراف الليبية جميعها لتيسير التوصل إلى اتفاق على مسار للانتخابات الوطنية في أقرب وقت ممكن».

تعويل على باتيلي
على الرغم من التباين الليبي في الآراء حيال دور البعثة الأممية، تبقى الآمال معقودة على السياسي والدبلوماسي السنغالي عبد الله باتيلي، الذي عُين مبعوثاً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا. فكل الأطراف المعنية بليبيا، إقليمية ودولياً، أعربت عن تطلعها للعمل مع باتيلي، لإنقاذ البلاد من الفوضى السياسية، عبر تفاوض ينتهي بإجراء انتخابات عامة. ويفترض أن يعرض باتيلي، خطته للعمل في ليبيا على مجلس الأمن الدولي وكبار المسؤولين في الأمم المتحدة خلال النصف الثاني من الشهر الجاري، بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن يُتوقع أن تواجهه عقبات وعراقيل عدة، أفشلت مهمة سبعة مبعوثين سابقين.
وكان الرئيس السنغالي ماكي سال -الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي- قد هنّأ المبعوث الأممي الجديد عبر «تويتر» مغرداً: «أرحب بتعيين مواطننا عبد الله باتيلي، في منصب الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا». ولقد سعى الاتحاد الأفريقي مبكراً إلى تعيين مبعوث أممي أفريقي منذ استقالة منذ المبعوث السابق السلوفاكي يان كوبيش من مهمته في ديسمبر (كانون الأول) 2021.
ولكن حول الاستقرار أو الاتجاه للصراع المسلح، يقول التويجر: «ليبيا مؤهلة للاستقرار، لكن شرط الاتفاق بين الأطراف المحلية والدولية التي تقف من خلفها على إجراء الانتخابات، وقبول جميع الأطراف بنتائجها... ومؤهلة أيضاً لأن تكون ساحة أخرى من ساحات التنافس الدولي بحيث ينتقل إليها الصراع من جبهة أوكرانيا، وهذا يشكل خطراً على المنطقة». ولقد سبق للمشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي» القول خلال زيارته إلى مدينة الكفرة (جنوباً) إن الشعب الليبي «لن يقبل أن يرى وطنه يحترق ولا يحرك ساكناً، ولن يسمح لعبدة الكراسي أن يسلبوا إرادته ويستخفوا بوعودهم... ولن يسمح الشعب لصراعاتهم التي لا تنتهي بأن تقلب حياة المواطن إلى بؤس وفقر وآلام، لينعموا هم بحياة الرفاهية من أمواله».

محطات رئيسية في الأزمة الليبية

قبل أكثر من 3 سنوات، كانت الأوضاع في ليبيا تتجه لمزيد من الفوضى السياسية بعد فشل عديد المبادرات الدولية والمحلية في حلحلة الأزمة. يومذاك دعا المبعوث الأممي إلى ليبيا د.غسان سلامة، إلى عقد مؤتمر موسع بين 14 و16 أبريل (نيسان) 2019 بمدينة غدامس (جنوب غرب). مذاك وليبيا تراوح مكانها، لم تجنِ إلا حكومتين متناحرتين راهناً، ومزيداً من القتل والدماء، وهنا تسلسل لأهم المحطات التي شهدتها البلاد في هذه الفترة:
* 4 أبريل (نيسان) 2019، شن «الجيش الوطني الليبي» حرباً على العاصمة طرابلس، بحجة التخلص من «الجماعات الإرهابية» والتشكيلات المسلحة، استمرت قرابة 13 شهراً سقط فيها آلاف الضحايا من المدنيين والعسكريين.
> 5 يونيو (حزيران) 2020، انسحبت قوات «الجيش الوطني الليبي» إلى خارج الحدود الإدارية لطرابلس، وتمركز بالقرب من محور سرت – الجفرة، بوسط البلاد، حتى الآن.
> 20 سبتمبر (أيلول) 2020، أعلن المشير خليفة حفتر إعادة إنتاج وتصدير النفط وفق «شروط» تضمن التوزيع العادل لعوائده، بعدما ظلت أهم المنشآت النفطية الواقعة تحت سيطرة قواته مغلقة لثمانية أشهر كاملة.
> 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وقّع أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) اتفاقاً لوقف إطلاق النار في جنيف، ووعدوا بسحب «المرتزقة» وإخراج جميع القوات الأجنبية من البلاد، وإعادة فتح طرق العبور المغلقة عبر خطوط المواجهة بين شرق ليبيا وغربها.
> 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، اتفق أعضاء «ملتقى الحوار السياسي» الليبي الذي رعته الأمم المتحدة على «خارطة طريق» لتشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021.
> 16 ديسمبر 2020، عقد مصرف ليبيا المركزي الذي عانى من الانقسام لفترة طويلة اجتماعاً بكامل أعضاء مجلس الإدارة لأول مرة منذ سنوات لخفض قيمة الدينار، حيث وحّدوا سعر الصرف في المنطقتين الشرقية والغربية.
> 5 فبراير (شباط) 2021، «ملتقى الحوار السياسي» الليبي يختار عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، ومحمد المنفي رئيساً لمجلس رئاسي مؤلَّف من ثلاثة أشخاص عبر عملية تصويت، مع تفويضهم بالتحضير للانتخابات.
* 26 يوليو (تموز) 2021، مجلس النواب الليبي يعقد جلسة ثامنة لمناقشة الموازنة العامة لحكومة الدبيبة، وكان المجلس قد فشل على مدى 7 جلسات سابقة في الوصول لاتفاق لتمرير الميزانية بسبب خلافات على كثرة بنودها، وناشد الدبيبة، أعضاء المجلس أن يضعوا معاناة المواطنين أمام أعينهم.
> 21 سبتمبر 2021، مجلس النواب يسحب الثقة من حكومة الدبيبة بغالبية الأصوات (89 من أصل 113 نائباً حضروا جلسة).
> 27 أغسطس (آب) 2021، اتهم الدبيبة مجلس النواب الليبي بعرقلة عمل حكومته بشكل «مستمر ومتعمد». وقال مصعِّداً في كلمة وجهها للشعب الليبي بعد رفضه حضور جلسة مساءلة أمام المجلس، إن «البرلمان عرقل عمل الحكومة لأسباب واهية وغير صحيحة».
> 1 فبراير 2022، مجلس النواب يدفع نحو تشكيل حكومة جديدة خلفاً للدبيبة، ويبدأ في تلقي ملفات المرشحين لرئاستها.
> 10 فبراير، مجلس النواب يختار فتحي باشاغا رئيساً جديداً للحكومة، بعد تصويت جرى في طبرق بشرق ليبيا، لتبدأ من جديد الانقسامات السياسية والتنازع حول السلطة.
> 11 فبراير، الدبيبة يقول إنه لا يزال يمارس عمله وفق مُدد «خارطة الطريق» المحددة بـ18 شهراً، وأن حكومته لن تسلم السلطة إلا لجهة منتخبة.
> 17 مايو (أيار)، باشاغا يغادر طرابلس بعد ساعات من دخولها إثر اندلاع اشتباكات بين فصائل موالية لخصمه الدبيبة. وقالت حكومته إن «رئيس الحكومة باشاغا وعدداً من أعضاء الحكومة غادروا العاصمة بعد وصولهم إليها حرصاً على سلامة وأمن المواطنين وحقناً للدماء».
> 24 أغسطس، طالب باشاغا خصمه رئيس حكومة «الوحدة» بتسليم السلطة، لكن الأخير دعاه إلى «ترك الأوهام والاستعداد للانتخابات».
>27 أغسطس، اندلعت اشتباكات عنيفة في طرابلس تزامنت مع الحديث عن محاولة باشاغا دخول العاصمة للمرة الثانية. وخلّفت الاشتباكات 40 قتيلاً وعشرات الجرحى، حسب حصيلة جديدة أعلنتها وزارة الصحة في حكومة «الوحدة» المؤقتة.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.