ليبيا: «نزاع السلطة» يبقي الباب مفتوحاً على جميع السيناريوهات

صعوبة الحل العسكري تدفع الأفرقاء للبحث عن بديل سياسي

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)
TT

ليبيا: «نزاع السلطة» يبقي الباب مفتوحاً على جميع السيناريوهات

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)

يعتقد ليبيون كثر أن الأوضاع في بلادهم قبل «معركة طرابلس»، التي وقعت قبل نهاية الشهر الماضي وعُرفت بـ«السبت الأسود»، تختلف عمّا بعدها. إذ بدت الصورة كاشفة عن حالة من الغضب والرفض لدى قطاعات من المواطنين لاستخدام الشعب منذ عِقد وأكثر «كوقود في معارك السلطة»، لكنها أظهرت لهم أيضاً مدى التباين في «القوة المسلحة» والإسناد الخارجي لكل من طرفي الصراع في البلاد. فالأحداث الدامية، التي راكمت 40 قتيلاً وعشرات الجرحى، في زمن قصير، يُنظر إليها على أنها أحدثت «خرقاً» -ولو مؤقتاً- في جدار الجمود المُسيطر على المشهد العام، كما دفعت القوى الدولية لوضع «الأطراف الفاعلة» في ليبيا أمام مسؤولية التوافق على حل سياسي يحمي البلاد من الانزلاق إلى مستنقع دماء دائم. هنا يتخوف الليبيون من هشاشة الأوضاع، لا سيما في العاصمة طرابلس التي تتجدد فيها الاشتباكات من آن إلى آخر، إذ بدا لهم أن الوعود الانتخابية للحكومتين المتنازعتين على السلطة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة وفتحي باشاغا، ليست إلا أحاديث مكررة تستهلك الوقت، ولم تخف تسارعهما نحو السلطة. وبالتالي، يبقى التساؤل هنا حول مدى قدرة عقيلة صالح وخالد المشري، رئيسي مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في ليبيا، بصفتهما من «الشركاء في العملية التشريعية»، على إنهاء التكلس السياسي، وتجاوز إشكاليات «المسار الدستوري»؟ وإلى متى ستظل البلاد مرتهَنة بهذه المعضلة؟ وإلى أن تحدث استجابة، يرى ساسة تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن كل «السيناريوهات» تظل مفتوحة ومحتملة، إلى حين التغلب على نقاط الخلاف الدستوري، وتحديد مواقيت حقيقية للاستحقاق المنتظر، آملين في المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا عبد الله باتيلي «سرعة العمل لمنع دخول بلادهم دوامة العنف الذي ليس منه عودة».

تراوح ليبيا مكانها، منذ قرابة 11 سنة، دون تقدم حقيقي على المسار السياسي، باستثناء اتساع رقعة الدماء، وتزايد منسوب الفساد في مؤسسات الدولة وفق تقارير رسمية. وأمام تردي الأوضاع في البلاد، يحلو للبعض تعليق الجرس في رقبة مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة» وتحميلهما مسؤولية تعذّر التوافق على «خارطة طريق» تخدم الليبيين بعيداً عن الحسابات الشخصية والمصالح المناطقية. ويرى هؤلاء أن الرحلات المكّوكية لرئيسيهما صالح والمشري بين القاهرة وجنيف، خلال الفترة الماضية، لم تثمر حتى الآن حلولاً نهائية لنقاط الخلاف حول «المسار الدستوري» اللازم لإجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية.
لهذا دخلت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، على خط الأزمة وحثت في إحاطتها أمام مجلس الأمن أخيراً، صالح والمشري، على ضرورة التوافق سريعاً بشأن «القاعدة الدستورية». والواقع أن ديكارلو، تخوفت من التأثيرات السلبية لحالة الانسداد السياسي في ليبيا، وقالت إنه «لم يُحرَز أي تقدم باتجاه الإطار الدستوري للانتخابات، حتى الآن؛ بسبب الخلاف بين صالح والمشري، حول معايير أهلية الترشح للانتخابات الرئاسية». وانتهت ديكارلو، بدعوة الرجلين، إلى استكمال العمل الذي أنجزته «اللجنة الدستورية المشتركة» من المجلسين، وزادت: «مهم التوصل إلى اتفاق بشأن إطار دستوري وجدول زمني للانتخابات التي ستمكن الشعب الليبي من اختيار قادته».
أمام الاتهامات الموجهة إلى مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بعرقلة العملية السياسية في البلاد، تحدث عضو لجنة «المسار الدستوري» عن مجلس الدولة فتح الله السريري، عن «جهود مبذولة للوصول إلى توافق بهذا الشأن»، لكنه قال «إذا كان الليبيون لا يريدون المجلسين، فالحل في إجراء الانتخابات الحرة والشفافة ولا حل آخر». وتطرق السريري، في تصريحات تلفزيونية إلى أسباب الانسداد السياسي وعدّه ناتجاً عن «الخلاف حول نقطتين.. ولا بد من مشاركة الشعب الليبي في اتخاذ القرار حول القاعدة الدستورية»، في إشارة إلى اعتراضات معسكر غرب ليبيا على ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للانتخابات الليبية، والتصويت بها.
أما رمضان التويجر، القانوني والباحث السياسي الليبي، فقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الوضع راهناً في ليبيا «يحمل جميع التوقعات والاحتمالات»، وأرجع ذلك لتعذر التوافق بين الأطراف الليبية، وللتنافس الدولي حول من يمكنه السيطرة على ليبيا خلال المرحلة المقبلة، وسط رفض من جميع الأطراف داخلياً وخارجياً لإجراء الانتخابات في أقرب الآجال. وأردف التويجر أن «حسم الوضع في ليبيا عسكرياً أمر بالغ الصعوبة، وعليه لا حل إلا بتوافق جميع الأطراف المحلية على إجراء الاستحقاق الرئاسي والبرلماني المنتظر»، مستدركاً: «عدا ذلك، يُهدِّد استقرار ليبيا، ويؤدي بها إلى حرب مفتوحة لن تكون لها نهاية، إلا باتضاح معالم العالم الجديد الذي يتشكل راهناً نتيجة الصراعات الدولية والحرب الروسية على أوكرانيا».

عبد الله باتيلي

تخريب جهود التهدئة
غير أن المشري، الذي زار تركيا الشهر الماضي، قال إنه سعى مع جميع الأطراف في طرابلس، خصوصاً العسكريين التابعين للدبيبة وباشاغا ووصل معهم لـ«خطوط عريضة» لمنع اندلاع أي اشتباكات بالعاصمة. وأضاف أنه أجرى زيارة «علنية تشاورية» إلى تركيا لإطلاع مسؤوليها على أن القتال في طرابلس «خط أحمر»، وباشر التواصل مع الأطراف المتنازعة في البلاد لعقد لقاء بهدف منع الصدامات المسلحة، وتابع: «لكن ثمة من حاول تخريب التهدئة».
الاقتتال بالأسلحة المتوسطة والثقيلة كان قد اندلع في طرابلس فجر 27 أغسطس (آب) الماضي، وامتد بسرعة ليطال المناطق المأهولة في طرابلس، مخلّفاً 40 قتيلاً و159 جريحاً. وعدّت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، هذه الأحداث محاولة من القوات الموالية لباشاغا لدخول العاصمة من الشرق، لكنهم مُنعوا من ذلك على يد القوات الموالية للدبيبة في زليتن (160 كلم شرقي طرابلس) وأُجبروا على التراجع عقب الاشتباكات. هذا، ولا تزال الاشتباكات تتجدد بين الميليشيات في طرابلس ومحيطها، على نحو يهدد «الجهود السياسية» المرتقبة، وفقاً لمسؤول بحكومة «الاستقرار» المدعومة من البرلمان، دافع عن حكومته في حديث إلى «الشرق الأوسط». وبرّر المسؤول عجز حكومته عن تنفيذ ما وعدت به بكونها «لم تتسلم مهامها في العاصمة».
في الواقع، لم يكن ذلك «السبت الأسود» الوحيد الذي عرفته ليبيا، إذ سبقته أحداث دامية عدة أطلق عليها هذا الوصف من قبل، لكن عقب الاشتباكات التي اندلعت مع نهاية أغسطس حدث ما يمكن تسميته باستدعاء اضطراري للمسار التفاوضي، وهو ما فسّره الدكتور عمرو الشوبكي، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بأن «المواجهات التي خسر فيها الجميع بطرابلس قد تفتح الباب أمام عودة الحلول السياسية». وذكّر الشوبكي، في مقال له بصحيفة «المصري اليوم»، بأنه «إذا كانت الحرب على العاصمة طرابلس في عام 2019 أدت إلى تأسيس (ملتقى الحوار السياسي) في تونس وجنيف، الذي أنتج حكومة (الوحدة الوطنية) برئاسة الدبيبة، فإن المواجهات الفاشلة تلك قد تفرز مساراً سياسياً جديداً سيتمثل في التوافق على (قاعدة دستورية) تُجرى على أساسها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».
هذا، وعاد الدبيبة وباشاغا من مباحثات مع مسؤولين أتراك في إسطنبول أُجريت مطلع الشهر الجاري، وبينما تحدث الأخير عن «تحقيق نتائج إيجابية» من الزيارة، ذكر الدبيبة أنه حصل على «دعم تركي» بشأن الاتفاق على «خارطة طريق» للوصول بليبيا لإجراء الانتخابات قريباً. وفي أعقاب لقاءات الرجلين في تركيا، شدد سفير أميركا ومبعوثها الخاص لليبيا ريتشارد نورلاند، على «الحاجة الملحة للأطراف جميعها للعمل مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الجديد لوضع خارطة طريق واضحة المعالم لإجراء انتخابات مبكرة بوصفها الحل الوحيد للاضطراب في ليبيا».

الدبيبة والمنقوش
من جهة أخرى، أمام تعطل قطار السياسة في ليبيا، وفي مواجهة سيل الملاسنات والاتهامات المتبادلة بين رئيسي الحكومتين المتناحرتين مثل «التشبث بالسلطة» أو «الانقلاب عليها»، استغل الدبيبة ترؤس وزيرة خارجيته نجلاء المنقوش أعمال الدورة العادية الـ158 لمجلس الجامعة العربية على المستوي الوزاري، وقال إنه يتطلع لأن «تبذل جهودها لحشد الدعم العربي لإنجاح الانتخابات الليبية». وللعلم، اختُتمت أعمال الدورة الأربعاء الماضي برئاسة ليبيا بعد انقطاع 9 سنوات، وشهدت انسحاب الوفد المصري من الاجتماع تحفظاً على تولي الرئاسة من ممثل حكومة «منتهية ولايتها». أما المنقوش فعقدت اجتماعات عدة مع وزراء خارجية عرب على هامش الدورة بمقر الجامعة العربية.
وبموازاة ما يجري على الأرض من تحشيد عسكري، وسعي طرفي النزاع إما لتكريس الجهود للبقاء في السلطة، كوضعية الدبيبة أو لمزيد من المحاولات لدخول طرابلس كحال حكومة باشاغا، رأى القائم بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ريزدون زينينغا أنه «لا حل عسكرياً للانسداد الانتخابي والتنفيذي». وتابع أن «الشعب الليبي عبّر بوضوح عن تطلعه لاختيار قادته وتجديد شرعية المؤسسات الليبية عبر انتخابات ديمقراطية». وكان زينينغا، قد استقبل وفداً من مدينة مصراتة (مسقط رأس الدبيبة وباشاغا) طرح أفكاره حول الأزمة الراهنة. ونقل عن البعثة أن «الأمم المتحدة تولي الأولوية للعمل مع الأطراف الليبية جميعها لتيسير التوصل إلى اتفاق على مسار للانتخابات الوطنية في أقرب وقت ممكن».

تعويل على باتيلي
على الرغم من التباين الليبي في الآراء حيال دور البعثة الأممية، تبقى الآمال معقودة على السياسي والدبلوماسي السنغالي عبد الله باتيلي، الذي عُين مبعوثاً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا. فكل الأطراف المعنية بليبيا، إقليمية ودولياً، أعربت عن تطلعها للعمل مع باتيلي، لإنقاذ البلاد من الفوضى السياسية، عبر تفاوض ينتهي بإجراء انتخابات عامة. ويفترض أن يعرض باتيلي، خطته للعمل في ليبيا على مجلس الأمن الدولي وكبار المسؤولين في الأمم المتحدة خلال النصف الثاني من الشهر الجاري، بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن يُتوقع أن تواجهه عقبات وعراقيل عدة، أفشلت مهمة سبعة مبعوثين سابقين.
وكان الرئيس السنغالي ماكي سال -الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي- قد هنّأ المبعوث الأممي الجديد عبر «تويتر» مغرداً: «أرحب بتعيين مواطننا عبد الله باتيلي، في منصب الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا». ولقد سعى الاتحاد الأفريقي مبكراً إلى تعيين مبعوث أممي أفريقي منذ استقالة منذ المبعوث السابق السلوفاكي يان كوبيش من مهمته في ديسمبر (كانون الأول) 2021.
ولكن حول الاستقرار أو الاتجاه للصراع المسلح، يقول التويجر: «ليبيا مؤهلة للاستقرار، لكن شرط الاتفاق بين الأطراف المحلية والدولية التي تقف من خلفها على إجراء الانتخابات، وقبول جميع الأطراف بنتائجها... ومؤهلة أيضاً لأن تكون ساحة أخرى من ساحات التنافس الدولي بحيث ينتقل إليها الصراع من جبهة أوكرانيا، وهذا يشكل خطراً على المنطقة». ولقد سبق للمشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي» القول خلال زيارته إلى مدينة الكفرة (جنوباً) إن الشعب الليبي «لن يقبل أن يرى وطنه يحترق ولا يحرك ساكناً، ولن يسمح لعبدة الكراسي أن يسلبوا إرادته ويستخفوا بوعودهم... ولن يسمح الشعب لصراعاتهم التي لا تنتهي بأن تقلب حياة المواطن إلى بؤس وفقر وآلام، لينعموا هم بحياة الرفاهية من أمواله».

محطات رئيسية في الأزمة الليبية

قبل أكثر من 3 سنوات، كانت الأوضاع في ليبيا تتجه لمزيد من الفوضى السياسية بعد فشل عديد المبادرات الدولية والمحلية في حلحلة الأزمة. يومذاك دعا المبعوث الأممي إلى ليبيا د.غسان سلامة، إلى عقد مؤتمر موسع بين 14 و16 أبريل (نيسان) 2019 بمدينة غدامس (جنوب غرب). مذاك وليبيا تراوح مكانها، لم تجنِ إلا حكومتين متناحرتين راهناً، ومزيداً من القتل والدماء، وهنا تسلسل لأهم المحطات التي شهدتها البلاد في هذه الفترة:
* 4 أبريل (نيسان) 2019، شن «الجيش الوطني الليبي» حرباً على العاصمة طرابلس، بحجة التخلص من «الجماعات الإرهابية» والتشكيلات المسلحة، استمرت قرابة 13 شهراً سقط فيها آلاف الضحايا من المدنيين والعسكريين.
> 5 يونيو (حزيران) 2020، انسحبت قوات «الجيش الوطني الليبي» إلى خارج الحدود الإدارية لطرابلس، وتمركز بالقرب من محور سرت – الجفرة، بوسط البلاد، حتى الآن.
> 20 سبتمبر (أيلول) 2020، أعلن المشير خليفة حفتر إعادة إنتاج وتصدير النفط وفق «شروط» تضمن التوزيع العادل لعوائده، بعدما ظلت أهم المنشآت النفطية الواقعة تحت سيطرة قواته مغلقة لثمانية أشهر كاملة.
> 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وقّع أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) اتفاقاً لوقف إطلاق النار في جنيف، ووعدوا بسحب «المرتزقة» وإخراج جميع القوات الأجنبية من البلاد، وإعادة فتح طرق العبور المغلقة عبر خطوط المواجهة بين شرق ليبيا وغربها.
> 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، اتفق أعضاء «ملتقى الحوار السياسي» الليبي الذي رعته الأمم المتحدة على «خارطة طريق» لتشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021.
> 16 ديسمبر 2020، عقد مصرف ليبيا المركزي الذي عانى من الانقسام لفترة طويلة اجتماعاً بكامل أعضاء مجلس الإدارة لأول مرة منذ سنوات لخفض قيمة الدينار، حيث وحّدوا سعر الصرف في المنطقتين الشرقية والغربية.
> 5 فبراير (شباط) 2021، «ملتقى الحوار السياسي» الليبي يختار عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، ومحمد المنفي رئيساً لمجلس رئاسي مؤلَّف من ثلاثة أشخاص عبر عملية تصويت، مع تفويضهم بالتحضير للانتخابات.
* 26 يوليو (تموز) 2021، مجلس النواب الليبي يعقد جلسة ثامنة لمناقشة الموازنة العامة لحكومة الدبيبة، وكان المجلس قد فشل على مدى 7 جلسات سابقة في الوصول لاتفاق لتمرير الميزانية بسبب خلافات على كثرة بنودها، وناشد الدبيبة، أعضاء المجلس أن يضعوا معاناة المواطنين أمام أعينهم.
> 21 سبتمبر 2021، مجلس النواب يسحب الثقة من حكومة الدبيبة بغالبية الأصوات (89 من أصل 113 نائباً حضروا جلسة).
> 27 أغسطس (آب) 2021، اتهم الدبيبة مجلس النواب الليبي بعرقلة عمل حكومته بشكل «مستمر ومتعمد». وقال مصعِّداً في كلمة وجهها للشعب الليبي بعد رفضه حضور جلسة مساءلة أمام المجلس، إن «البرلمان عرقل عمل الحكومة لأسباب واهية وغير صحيحة».
> 1 فبراير 2022، مجلس النواب يدفع نحو تشكيل حكومة جديدة خلفاً للدبيبة، ويبدأ في تلقي ملفات المرشحين لرئاستها.
> 10 فبراير، مجلس النواب يختار فتحي باشاغا رئيساً جديداً للحكومة، بعد تصويت جرى في طبرق بشرق ليبيا، لتبدأ من جديد الانقسامات السياسية والتنازع حول السلطة.
> 11 فبراير، الدبيبة يقول إنه لا يزال يمارس عمله وفق مُدد «خارطة الطريق» المحددة بـ18 شهراً، وأن حكومته لن تسلم السلطة إلا لجهة منتخبة.
> 17 مايو (أيار)، باشاغا يغادر طرابلس بعد ساعات من دخولها إثر اندلاع اشتباكات بين فصائل موالية لخصمه الدبيبة. وقالت حكومته إن «رئيس الحكومة باشاغا وعدداً من أعضاء الحكومة غادروا العاصمة بعد وصولهم إليها حرصاً على سلامة وأمن المواطنين وحقناً للدماء».
> 24 أغسطس، طالب باشاغا خصمه رئيس حكومة «الوحدة» بتسليم السلطة، لكن الأخير دعاه إلى «ترك الأوهام والاستعداد للانتخابات».
>27 أغسطس، اندلعت اشتباكات عنيفة في طرابلس تزامنت مع الحديث عن محاولة باشاغا دخول العاصمة للمرة الثانية. وخلّفت الاشتباكات 40 قتيلاً وعشرات الجرحى، حسب حصيلة جديدة أعلنتها وزارة الصحة في حكومة «الوحدة» المؤقتة.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.