«دانهيل» و«بيربري» تقدمان درسًا في الكلاسيكية والداندية

الكبار يعودون إلى التاريخ البريطاني وينقبون فيه عن صورة الأناقة الراقية

«دانهيل» و«بيربري» تقدمان درسًا في الكلاسيكية والداندية
TT

«دانهيل» و«بيربري» تقدمان درسًا في الكلاسيكية والداندية

«دانهيل» و«بيربري» تقدمان درسًا في الكلاسيكية والداندية

بريطانيا هي مهد الموضة الرجالية، ففيها ولدت الكلاسيكية، من خلال التوكسيدو الذي سوقته لكل العالم، كما ولدت الداندية. والملاحظ أن مصممي لندن الكبار، عادوا إلى كتب التاريخ الإنجليزي، ومزجوا المدرستين مع بعض لتكون النتيجة خلطة مثيرة تضج بالأناقة وبكل ما يخطر على بال رجل متطلب يريد كل شيء يزيد من تميزه.
إذا كان هذا الرجل يبحث عن زي ملائم لحضور مهرجان «أسكوت»، الذي انطلق يوم الثلاثاء الماضي مثلا، فإن جون راي، مصمم دار «دانهيل» قدم إليه عدة اقتراحات جاهزة قبل يومين، أي يوم الأحد.
لربيع وصيف 2016. لم يغص المصمم جون راي في أرشيف «دانهيل» فحسب، بل في تاريخ الموضة الإنجليزية ككل، والطبقات الارستقراطية تحديدا، وخرج بصورة تلهب الخيال، ولا شك ستجعل حتى من لا يميل إلى البدلة المفصلة يتوق إليها.
تعتبر هذه رابع تشكيلة يقدمها جون راي للدار الإنجليزية، ولم يخف فيها أنه يعتز بالكلاسيكية العصرية ولا يجري وراء الصرعات. فقد استهل العرض بثلاث بدلات مسائية مكونة من ثلاث قطع، تتميز ستراتها بذيول طويلة، وطبعا بكل الإكسسوارات التي ستروق لأي رجل «داندي» بما فيها القبعات العالية وربطات العنق بنقشات «البايزلي» ومناديل الجيب وغيرها. لكن هذه المجموعة الصغيرة لم تكن سوى إشارة إلى ما هو آت، إذ توالت بدلات من كل الأشكال والألوان، لكن تصب كلها في خانة الكلاسيكية الإنجليزية من دون أن تغرق في الرسمية، حتى لا يعزف عنها الرجل الشاب. وكيف يعزف عنها وكل ما فيها يضج بالترف والأناقة التي أكد فيها جون راي أنه يعرف سوقه. نظرة سريعة إلى الحضور، تشير إلى أن نسبة عالية منهم من الصين، وبأن الدار تنوي أن تسوق الصورة الإنجليزية الأرستقراطية لهذا السوق المتعطش لكل ما هو مميز وله إرث وتاريخ، وإذا كان هذه الإرث يعود إلى الملك إدوارد VIII الأب الروحي للأناقة البريطانية كما نعرفها اليوم، فهذا هو عز المنى والطلب. الجميل في الأمر، أن التشكيلة لم تقتصر على البدلات والمعاطف المفصلة الطويلة بل شملت أيضا قطعا منفصلة كثيرة تناسب رجلا له أنشطة وهوايات لا يضاهي تنوعها سوى تنوع التصاميم والأقمشة. فقد كانت هناك بدلات مزدوجة، بصفي أزرار تلمع بلون الذهب وأخرى بصف واحد، فضلا عن سترات «بلايزر» عصرية لكن بأقمشة وألوان كلاسيكية، وبنطلونات بطيات من الأمام وأخرى من دون طيات، وكأنه يريد أن يعطي الرجل خيارات كثيرة لكي يعبر عن شخصيته. الشيء الوحيد غير المتاح هنا البنطلونات الضيقة جدا أو القصيرة التي اجتاحت عروض الأزياء منذ بضع مواسم، والتي غابت تماما في إشارة واضحة إلى أن المصمم لا يميل إليها أو يريد أن يساهم في استمرارها.
القول بأن جون راي أبدع وتفوق على نفسه غير مبالغ فيه، لأنه قدم درسا رائعا في التاريخ وكيف يجب تطويره ليواكب العصري ويحافظ في الوقت ذاته على بريقه. تشعر أنك لا يمكن أن تعاين تصاميم تشد أنفاسك بنفس القدر. ثم تحضر عرض «بيربري». صحيح أنك لا تنسى عبقرية جون راي وما قدمه لـ«دانهيل» لكنك تحضر درسا آخر في الكلاسيكية العصرية، من خلال بدلات مفصلة على الجسم، إلى درجة أنك تشعر بأن كل سنتيمتر في الأكتاف أو الخصر أو الطول أخذ بعين الاعتبار وخضع لحسابات دقيقة، بالقلم والمسطرة، كذلك من خلال لمسات من الداندية التي تجسدت في قماش الدانتيل. فبالعودة إلى القرن الثامن عشر، الحقبة التي ظهرت فيها موجة «الداندية» لأول مرة على يد بو برامل، كان الدانتيل من بين الأقمشة التي تبناها عشاقها آنذاك. ما قام به كريستوفر بايلي أنه اقتبس هذه اللمسة ووظفها بأسلوب عصري، وكأنه يريد أن يعيد للداندية اعتبارها في العصر الحديث. والحقيقة أن بطاقة الدعوة التي أرسلها ويظهر فيها طاووس ينفش ريشه بمجرد أن تفتحها لتتطلع على مكان العرض وتوقيته، لم تحضرنا لكمية الدانتيل التي تم عرضها.
الفرق بين تشكيلتي «بيربري» و«دانهيل» أن هذه الأخيرة موجهة لرجل «جنتلمان»، أو متطلع ليكون كذلك، بينما الأولى موجهة لرجل شاب يعانق الموضة ويستمتع باللعب بها. والأهم من هذا رجل يعانق جانبه الأنثوي ولا يتخوف من إبرازه، أو على الأقل قد يكون هذا هو الجواب الوجيه عن السؤال الملح الذي راود الأغلبية وهم يتابعون العارضين في بدلات تم تنسيقها مع قمصان الدانتيل الذي ظهر أيضا كزخرفات وتفاصيل على قطع أخرى مثل ياقة المعطف الواقي من المطر أو في ربطات عنق. 44 قطعة أرسلها المصمم كريستوفر بايلي، تضمنت 33 قطعة من الدانتيل بالتمام والكمال. فقد أرسل مثلا بدلة باللون الأخضر الزيتوني الغامق بصفي أزرار، وهو التصميم المفترض أن يكون رسميا للغاية، ظهر من تحتها قميص باللون الأخضر النعناعي بالدانتيل، ما ألغى هذه الرسمية ومحاها من الذهن. كذلك في المجموعة الأولى نسق سترات مفصلة على الجسم مع بنطلونات من الصوف مستوحاة من ملابس الرياضة، أضفت على الإطلالة الكثير من الديناميكية التي ستروق للشباب تحديدا.
كريستوفر بايلي صرح، وابتسامة رضا بادية على ملامحه وراء الكواليس: «بعض الرجال سيلبسون الدانتيل وبعضهم الآخر لن يلبسوه، وأنا أعرف أن بعض القطع لن تخاطب كل الشرائح، لكني أحب شاعرية الدانتيل وما يضفيه على المظهر من نعومة، لهذا سنطرح في المحلات قمصانا من البوبلين مزينة بأجزاء خفيفة من الدانتيل حتى تكون أكثر عملية واستعمالا». ما يقصده بايلي أن بعض هذه القطع هي لزيادة الإبهار وهو عنصر مهم في أي عرض أزياء، بينما سيتم التخفيف منها عندما تطرح في المحلات. بالنظر إلى ردود الأفعال فإن هذه القطع بالذات ستلقى قبولا كبيرا من الجنسين، وإن ستكون نسبة النساء أكبر».
كل ما في العرض يفتح النفس، من موسيقى وإضاءة طبيعية، إذ إن السماء تآزرت مع «بيربري» وانفرجت أساريرها في ذلك اليوم، حيث أشرقت الشمس بعد أيام من الغيوم المتجهمة، لتضفي على حضور الخيمة المنصوبة في حديقة كيسينغتون سعادة. كل ما في التشكيلة أيضا يؤجج الرغبة فيها، بمن فيهم الأكثر كلاسيكية وتحفظا. فهؤلاء، لا بد أن تتوق أنفسهم إلى واحدة من البدلات أو معطف من المعاطف المطروحة بكل الأشكال، بينما سيرغب الشباب المتعلق بالموضة والمرأة، في القمصان. وهذا ما يعرف في عالم الموضة بالذكاء الفني والتجاري، فطرح هذه الإكسسوارات المشهية ضربة معلم لأنك كلما وسعت رقعة من تخاطبهم كلما زاد الإقبال وارتفعت المبيعات. إضافة إلى هذا أن الإكسسوارات، من حقائب اليد وشالات وأحذية مصنوعة من الجلد أو الشامواه التي تتوسطها شراشيب بألوان متوهجة، ستكون على لائحة كل رجل في الموسمين المقبلين.



كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

نسيج من حرير التوت والميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.


هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
TT

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة وقدمت إكسسوارات حصرية، ونظمت فعاليات إفطار وسحور وعروضاً ترويجية. فهذا الشهر يشهد ذروة الإنفاق الاستهلاكي في المنطقة، يُعوِضهم عن تباطؤ الطلب في أسواق رئيسة، مثل الولايات المتحدة، والصين.

عبايات وقفاطين كانت الموضوع الغالب في المجموعات الرمضانية (سافانا)

مؤسسة «مورنينغ ستار»، وهي من كبرى مجموعات السلع الفاخرة تقول إنها تستمد ما بين 5 و9 في المائة من إيراداتها العالمية من الشرق الأوسط. ورغم أن هذه الحصة أقل من مساهمة أوروبا، والولايات المتحدة، أو الصين، فإن المنطقة كانت خلال العام الماضي من النقاط المضيئة القليلة لصناع الموضة. لكن شتان بين الأمس واليوم.

في تلك الفترة، كانت الصورة مستقرة، وواعدة. فمراكز التسوق تضج بالمتسوقين، والحجوزات السياحية لا تتوقف. لم يكن يخطر على البال تغير المشهد بهذه السرعة المخيفة الناتجة عن تصاعد النزاع العسكري في المنطقة.

بيوت أزياء عالمية تسابقت لطرح فساتين طويلة تناسب شهر رمضان الفضيل وعيد الفطر (ألكسندر ماكوين)

تصاعد النزاع وتأثيراته

بين ليلة وضحاها تحوَلت الأولويات من إطلاق مجموعات جديدة إلى تقييم المخاطر، ومن التخطيط للفعاليات إلى إغلاق المتاجر، أو تشغيلها بطواقم محدودة، ومن التركيز على الإيرادات إلى احتواء الخسائر، وإدارة حالة عدم اليقين. حالة من الذهول والقلق تسودهم، وهم يتابعون من ميلانو وباريس، وغيرهما من عواصم الموضة العالمية، صوراً غير مطمئنة، إما لفندق خمس نجوم يحترق، أو طائرات مسيرة تُلهب السماء، وتزرع الخوف في الأرض، إضافة إلى دعوات موجهة للمواطنين الأجانب لمغادرة المنطقة.

كل هذه الإشارات تزيد من مخاوفهم، لأنهم يعرفون أن أي صدمة جيوسياسية مطولة ستؤثر سلبًا على الحالة النفسية التي تُحرك الاستهلاك، والمبيعات. والخوف أيضاً من احتمال امتداد التداعيات إلى باقي أنحاء العالم، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يزيد من توقعات التضخم، ومن ثم العزوف عن الشراء.

من التصاميم التي تم طرحها منذ أسابيع قليلة قبل اندلاع الحرب (سافانا)

ورغم أن الأرقام تشير إلى أن الشرق الأوسط لا يشكِل سوى 10 في المائة من مبيعات السلع الفاخرة العالمية، فإنه خلال العامين الماضيين كان الأمل الذي اعتمدوا عليه لتعويض تباطؤ النمو في الولايات المتحدة، والصين، حيث وصفت شركة الأبحاث «باين أند كومباني» المنطقة بأنها الأفضل أداء في قطع السلع الفاخرة خلال العام الماضي مقارنة بغيرها من الأسواق.

هذا الانتعاش جعلهم يتوسعون في مدن مثل دبي، وأبوظبي، والرياض، والدوحة، جعلوها مراكز شبه رئيسة. ولم لا، والمنطقة كانت حتى الأمس القريب بالنسبة لهم نموذجاً يُحتذى به للاستقرار السياسي تجذب المقيمين الأجانب، والسياح من ذوي الإمكانيات العالية.

بحسب محللين يعتمد قطاع السلع الفاخرة بدرجة كبيرة على ثقة المستهلك وتفاؤله بشأن المستقبل (إ.ب.أ)

التحديات الاقتصادية

منذ بدء التصعيد تزعزعت الأسواق، وتراجعت أسهم شركات كبرى، منها مجموعات ضخمة، مثل «إل في إم إتش» و«كيرينيغ» و«ريشمون». وإذا استمر الوضع على ما هو عليه من شلل، فإن مئات الملايين من الدولارات قد تكون عرضة للخطر. مجموعة «شلهوب» التي تدير نحو 900 متجر لعلامات من بينها «فرساتشي» و«جيمي شو» و«سيفورا» وغيرها، سارعت إلى إغلاق متاجرها في البحرين، بينما أبقت أسواقاً أخرى مثل الإمارات، والسعودية، والأردن مفتوحة بعدد محدود من الموظفين المتطوعين. بدورها أغلقت «كيرينغ» متاجرها مؤقتاً في الإمارات، والكويت، وقطر، والبحرين، إضافة إلى تعليق السفر إلى المنطقة. كما أظهرت بيانات أن متاجر «أبل» في دبي أُغلقت وكذلك محلات «إتش أند إم» في البحرين حتى إشعار آخر. من جهتها أعلنت «بريمارك» أنها تتابع الوضع بقلق في وقت كانت تستعد فيه لافتتاح أول متجر لها في دبي ضمن خطة توسع تشمل البحرين وقطر لاحقاً.

إغلاق الأجواء الجوية له تأثير مباشر على الموضة من ناحية المبيعات واللوجيستيات (رويترز)

بين المخاطر والفرص

ورغم أن بعض العلامات قد تراهن على القنوات الرقمية لتعويض جزء من تراجع الإقبال على المتاجر، كما كان عليه الأمر في زمن جائحة كورونا، فإن الأمر أكثر تعقيداً الآن بسبب اضطراب حركة الشحن الجوي، وارتفاع تكاليف التأمين، وإطالة أمد إجراءات التخليص، أو التوصيل في حال انفتاح الأجواء الجوية. كل هذه العوامل لها تأثير سلبي على سرعة التسليم التي تعد عنصراً أساسياً في تجربة التسوق. كما لا ننسى أن أي قيود أمنية، أو لوجيستية داخل المدن قد تُعقِد عمليات التوزيع المحلية.

ومع ذلك إذا نظرنا إلى هذا المشهد المليء بالتحديات وكأنه فنجان نصف ممتلئ، فإننا يمكن أن نأمل أن يتحول إلى فرصة ذهبية للمصممين المحليين، والعلامات الأصغر في الشرق الأوسط. فحين تتوقف أو تقل فعاليات المتاجر العالمية الكبرى، ويصبح الوصول إلى منتجاتها محدوداً أو باهظ الثمن بسبب صعوبة اللوجيستيات، يبرز أمام المستهلك المحلي على أنه خيار جديد يتمثل في دعم المصممين من أبناء البلد. لكن على شرط أن يقدموا لهم منتجات في متناول اليد، وبتصاميم تلائم الذوق الخليجي، وبالتالي كل ما قد يحتاجونه لحجز مساحة في سوق مزدحمة بالمنتجات هو بعض المرونة، والابتكار لكسب الثقة.