القاهرة تتأهب لمواجهة حملة انتقادات دولية عقب الحكم بإعدام مرسي وقيادات «الإخوان»

محامي الجماعة: نعتزم الطعن على الأحكام > البيت الأبيض أبدى انزعاجه من قرار المحكمة.. وإردوغان: الحكم مجزرة ضد الحريات

الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي يحتج من داخل قفص الاتهام بعد أن صدر أمس حكم بإعدامه (إ.ب.أ)
الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي يحتج من داخل قفص الاتهام بعد أن صدر أمس حكم بإعدامه (إ.ب.أ)
TT

القاهرة تتأهب لمواجهة حملة انتقادات دولية عقب الحكم بإعدام مرسي وقيادات «الإخوان»

الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي يحتج من داخل قفص الاتهام بعد أن صدر أمس حكم بإعدامه (إ.ب.أ)
الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي يحتج من داخل قفص الاتهام بعد أن صدر أمس حكم بإعدامه (إ.ب.أ)

أصدرت محكمة مصرية أمس حكمًا بإعدام 115 متهمًا من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، والمرشد العام للجماعة محمد بديع، ونائبه خيرت الشاطر، والداعية يوسف القرضاوي، وذلك بعد إدانتهم في قضيتي اقتحام السجون خلال ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، والتخابر مع جهات أجنبية لتنفيذ عمليات إرهابية بمصر، كما شملت الأحكام السجن المؤبد والحبس لنحو 60 آخرين. في وقت يتوقع فيه خبراء أن تتعرض سلطات القاهرة لحملة انتقادات دولية متوقعة عقب الحكم بإعدام مرسي وقيادات الإخوان.
وشهدت مصر أمس حالة من الاستنفار بين قطاعات وزارة الداخلية، حيث تم تعزيز الميادين والمحاور الرئيسية بمختلف المحافظات، تحسبا لأي ردة فعل.
وكانت عدة دول غربية ومنظمات دولية قد وجهت انتقادات لاذعة لمصر إزاء أحكام الإعدام المتوالية بحق قيادات وأنصار جماعة الإخوان، منذ عزل مرسي في يوليو (تموز) 2013. لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية السفير بدر عبد العاطي قال لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «الوزارة ستواصل الرد على تلك الانتقادات التي تنبع من اتهامات باطلة، وغير المدركة لطبيعة النظام القضائي في مصر، عبر توضيح حقيقة التهم الموجهة إلى المدانين، وكذلك مراحل التقاضي المختلفة التي تضمن الالتزام بمعايير حقوق الإنسان المعترف بها في العالم»، مضيفا أن «القضاء المصري قضاء مستقل لا يخضع لأي ضغوط، كما أن مصر ترفض التدخل في شؤونها الداخلية».
وعقب صدور الأحكام توالت ردود الفعل المتباينة داخل مصر وخارجها، ففي أنقرة ندد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشدة بتثبيت القضاء المصري عقوبة الإعدام بحق مرسي، ووصف الحكم بأنه «مجزرة ضد الحقوق الأساسية والحريات.. ومذبحة للقانون».
وقال إردوغان في بيان، إنه «من الضروري من أجل السلم الاجتماعي وإعادة الاستقرار إلى مصر منع تطبيق الحكم بالإعدام الصادر بحق مرسي»، داعيا المجموعة الدولية إلى «التحرك». كما قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أمس، إن «الحكم بإعدام الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي سياسي، ولا يستند إلى القانون». وتابع رئيس الوزراء التركي قائلا: «إننا ننتظر رد فعل الدول الغربية تجاه ما يجري في مصر».
وفي واشنطن، قال البيت الأبيض إنه «منزعج بشدة» بسبب صدور الحكم بإعدام مرسي، إذ قال جوش إيرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، أمس، إن واشنطن «منزعجة بشدة» بسبب ما وصفه بحكم بالإعدام «مدفوع بدوافع سياسية» ضد الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي.
من جانبه، عبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن قلقه «العميق» جراء أحكام الإعدام. وقال المكتب الصحافي لبان كي مون في بيان، إن «الأمم المتحدة تعارض استخدام عقوبة الإعدام في كل الأحوال.. والأمين العام يشعر بالقلق من أن مثل تلك الأحكام التي صدرت عقب محاكمات جماعية قد يكون لها أثر سلبي على فرص الاستقرار في مصر في المدى البعيد».
من جهتها، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين، التي أعلنتها السلطات تنظيما إرهابيا، بيانا وصفت فيه الأحكام بـ«الهزلية»، واعتبرتها «محاكمة لثورة يناير ولأهدافها ومكتسباتها والمشاركين فيها»، من قبل من سمتهم بـ«الثورة المضادة». وطالبت الجماعة أنصارها في الداخل والخارج باستمرار وتصعيد ما سمته «نضالهم الثوري ضد سلطة الانقلاب العسكري وأفرعه الأمنية السياسية والاقتصادية والإعلامية والقضائية»، خلال الجمعة القادمة. من جانبه، قال يحيى حامد، القيادي البارز في الجماعة خلال مؤتمر صحافي احتضنته مدينة إسطنبول التركية، إن «هذا الحكم يدق مسمارا في نعش الديمقراطية في مصر»، واصفا المحاكمة بأنها «افتقرت إلى كل المعايير الدولية».
وتعد هذه الأحكام باتة وواجبة النفاذ، لكنها غير نهائية وقابلة للطعن أمام محكمة النقض، التي تعد أعلى جهة قضائية في البلاد، وفي حال قبول الطعن يوقف النفاذ لحين إعادة المحاكمة أمام دائرة جديدة. وفي هذا الصدد قال عبد المنعم عبد المقصود، محامي الجماعة، لـ«الشرق الأوسط» إن «هيئة الدفاع تعتزم الطعن على تلك الأحكام بعد الاطلاع على حيثياتها.. وليس لنا سبيل سوى مسايرة القانون في النهاية».
وشهدت البلاد أمس حالة من الاستنفار الأمني تحسبا لأي تهديدات أو أعمال عنف في أعقاب الحكم بالإعدام على مرسي وقيادات الإخوان، وقال مصدر أمني رفيع لـ«الشرق الأوسط» أمس إنه «رغم أخذ قوات الأمن كل احتياطاتها الأمنية، إلا أننا غير قلقين من ردة فعل الجماعة بعد أن فقدت قدرتها على الحشد، وأدرك الشعب المصري زيف ادعاءاتها».
وجاء في تفاصيل الأحكام التي أصدرتها أمس محكمة جنايات القاهرة، الإعدام شنقا لستة متهمين حضوريا، هم محمد مرسي وبديع ونائبه رشاد البيومي، ومحيي حامد عضو مكتب الإرشاد، وسعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب المنحل، والقيادي الإخواني عصام العريان، لإدانتهم بالاشتراك في ارتكاب جرائم اقتحام السجون المصرية والاعتداء على المنشآت الأمنية والشرطية وقتل ضباط شرطة إبان ثورة يناير، وفق مخطط سبق إعداده بالاتفاق مع حركة حماس الفلسطينية وميليشيا حزب الله اللبنانية، وبمعاونة من عناصر مسلحة من قبل الحرس الثوري الإيراني. كما قضت المحكمة غيابيا بإجماع آراء أعضاء هيئتها، بمعاقبة 93 متهما هاربا بالإعدام شنقا، من بينهم الداعية المصري المقيم في قطر يوسف القرضاوي، والباقي معظمهم يحمل الجنسية الفلسطينية.
وقضت المحكمة أيضا بمعاقبة 20 متهما، حضوريا، بالسجن المؤبد، بينهم القيادات الإخوانية البارزة حجازي والحسيني وصبحي صالح، وحمدي حسن، والبلتاجي. كما قضت أيضا بمعاقبة 16 متهما بالحبس مع الشغل لمدة عامين، وأيضا بمعاقبة 8 متهمين آخرين غيابيا بالحبس مع الشغل لمدة سنتين، بينما قضت بمعاقبة المتهم طارق أحمد قرعان السنوسي بالحبس مع الشغل لمدة 3 سنوات.
وتضم القضية 129 متهما، يحاكم فيها 27 متهما حضوريا و102 آخرين غيابيا، لأنهم هاربون ويوجدون خارج البلاد. ووفق للقانون تعاد محاكمة المحكوم عليهم غيابيا تلقائيا إذا ألقت الشرطة القبض عليهم أو سلموا أنفسهم.
وأسندت النيابة العامة للمتهمين في القضية اتهامات بـ«الاتفاق مع هيئة المكتب السياسي لحركة حماس، وقيادات التنظيم الدولي الإخواني، وحزب الله اللبناني، على إحداث حالة من الفوضى لإسقاط الدولة المصرية ومؤسساتها، تنفيذا لمخططهم، وتدريب عناصر مسلحة من قبل الحرس الثوري الإيراني لارتكاب أعمال عدائية وعسكرية داخل البلاد، وضرب واقتحام السجون المصرية إبان ثورة يناير».
وقال المستشار شعبان الشامي، رئيس هيئة المحكمة، في مقدمة مطولة قبل النطق بالحكم، إنه ثبت قيام عدد من الأشخاص ليسوا مصريين ويتحدثون بلهجة عربية ويحملون أسلحة متنوعة، لارتكاب جرائم مكلفة تم تنفيذها وفقا لمخططات معدة مسبقا، كما تلا رأي مفتي الجمهورية الذي دعم تلك الأحكام من الناحية الشرعية.
أما في القضية الأخرى، المعروفة إعلاميا بـ«التخابر»، فقد قضت محكمة جنايات القاهرة حضوريا بمعاقبة مرسي، بالسجن المؤبد لمدة 25 عاما، وذلك لإدانته بارتكاب جرائم التخابر مع منظمات وجهات أجنبية خارج البلاد، وإفشاء أسرار الأمن القومي، والتنسيق مع تنظيمات جهادية داخل مصر وخارجها، بغية الإعداد لعمليات إرهابية داخل الأراضي المصرية. كما قضت المحكمة حضوريا بمعاقبة الشاطر، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، والقياديين البلتاجي، وأحمد عبد العاطي، مدير مكتب رئيس الجمهورية الأسبق، بالإعدام شنقا، وذلك بإجماع آراء أعضاء هيئة المحكمة، عن ذات الاتهامات.
وقضت المحكمة بمعاقبة 13 متهما آخرين هاربين من قيادات وعناصر الجماعة بالإعدام شنقا، وهم كل من محمود عزت نائب المرشد، وصلاح عبد المقصود وزير الإعلام الأسبق، وعمار فايد البنا، وأحمد رجب سليمان، والحسن خيرت الشاطر، وسندس عاصم شلبي، وأبو بكر كمال مشالي، وأحمد محمد الحكيم، ورضا فهمي محمد خليل، ومحمد أسامة العقيد، وحسين القزاز، وعماد الدين عطوة شاهين، وإبراهيم فاروق الزيات.
وتضمن الحكم معاقبة 17 متهما من قيادات وعناصر جماعة الإخوان بالسجن المؤبد لمدة 25 عاما، بصفة حضورية، وهم إضافة إلى مرسي كل من بديع، والكتاتني والعريان والحسيني، وحازم فاروق، وعصام الحداد ومحيي حامد، وأيمن علي وصفوت حجازي، وخالد حسنين، وجهاد الحداد، وعيد إسماعيل دحروج، وإبراهيم خليل الدراوي، وكمال محمد، وسامي أمين حسين، وخليل أسامة العقيد. كما قضت المحكمة حضوريا أيضا بمعاقبة اثنين من المتهمين بالسجن لسبع سنوات، وهما محمد فتحي رفاعة الطهطاوي، الرئيس الأسبق لديوان رئاسة الجمهورية، ونائبه أسعد الشيخة، وقضت المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية بالنسبة للمتهم فريد إسماعيل خليل، نظرا لوفاته.
وقالت النيابة العامة في القضية التي وصفتها بأنها أكبر قضية تخابر في تاريخ مصر إن «جماعة الإخوان خططت لإرسال عناصر إلى قطاع غزة لتدريبهم من قبل كوادر حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ثم الانضمام لدى عودتهم إلى مصر لجماعات متشددة تنشط في شمال سيناء».
وتضاف تلك الأحكام الصادرة بحق مرسي أمس، إلى حكم صدر ضده قبل نحو شهر بالسجن المشدد 20 عامًا في قضية أحداث الاتحادية، ليصبح بذلك محاطا بثلاثة أحكام تتراوح ما بين الإعدام شنقا، والسجن المؤبد، والسجن المشدد 20 عاما. غير أنها كلها أحكام أولية من المتوقع نقضها. كما يحاكم مرسي أيضا في قضيتين أخريين وهما إهانة القضاة، وتسريب وثائق إلى قطر.
وبدا مرسي خلال جلسة النطق بالحكم أمس متماسكا وهادئا، بينما هتف عدد من المحكوم عليهم «يسقط يسقط حكم العسكر» رافعين إشارة «رابعة».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.