البداية القوية لـ«آرسنال»... مكافأة تخطيط وصبر

أرتيتا أعاد بناء الفريق وأصبح جاهزاً للعودة إلى المستوى الأعلى

آرسنال سحق ليستر برباعية في ثاني جولات البطولة (رويترز)
آرسنال سحق ليستر برباعية في ثاني جولات البطولة (رويترز)
TT

البداية القوية لـ«آرسنال»... مكافأة تخطيط وصبر

آرسنال سحق ليستر برباعية في ثاني جولات البطولة (رويترز)
آرسنال سحق ليستر برباعية في ثاني جولات البطولة (رويترز)

حصل المدير الفني الإسباني ميكيل أرتيتا على الوقت اللازم لإعادة بناء فريق آرسنال على مدار عامين ونصف. يريد الجميع إصلاحاً سريعاً في كرة القدم، لكن في بعض الأحيان يستغرق تغيير استراتيجية النادي وقتاً طويلاً، ويبدو أن آرسنال على وشك أن يجني ثمار صبره.
لم يمر سوى ثلاث جولات فقط من الموسم الجديد للدوري الإنجليزي الممتاز، وبالتالي لا ينبغي لأحد أن يبالغ فيما حققه آرسنال من خلال الفوز على كريستال بالاس وليستر سيتي وبورنموث وحصد التسعة نقاط، لكن الشيء الواضح للجميع هو أن كل المؤشرات واعدة ومشجعة للغاية.
لقد مهدت هذه الانتصارات الطريق لبداية رائعة للموسم، خاصة أن الفريق سيخوض مباريات سهلة نسبياً يمكنه خلالها تحقيق الفوز على كل من فولهام وآستون فيلا قبل نهاية الشهر الحالي.
وإذا تمكن آرسنال من تحقيق الفوز في هتين المباراتين والحصول على كامل النقاط، فسيساعد ذلك على بناء حالة من الزخم والثقة لدى اللاعبين، وهما عنصران مهمان للغاية.


أرتيتا نجح بشكل ملحوظ في إعادة هيكلة فريقه (أ.ف.ب)

لقد شهد هذا الصيف نافذة انتقالات أخرى ناجحة لآرسنال، حيث تعاقد مع لاعبين لديهم خبرة الفوز في الدوري الإنجليزي الممتاز.
يعرف غابرييل جيسوس وأوليكسندر زينتشينكو معنى القتال على صدارة الدوري، ويمكنهما قيادة الفريق للوصول إلى مستويات أعلى.
ويسعى المديرون الفنيون دائماً إلى إضافة لاعبين لديهم عقلية الفوز إلى غرفة خلع الملابس، نظراً لأن هؤلاء اللاعبين يتمتعون بمرونة كبيرة وروح معنوية عالية تنتقل إلى باقي زملائهم في الفريق. لقد تعاقد أرتيتا مع اثنين من اللاعبين الذين عمل معهم من قبل في مانشستر سيتي، ورغم أن فلسفته التدريبية ليست متطابقة تماماً لفلسفة جوسيب غوارديولا، إلا أنها تأتي من المنبع نفسه، وبالتالي فإن هذين اللاعبين يعرفان جيداً ما يريده منهما أرتيتا. لقد كان انتقالاً سلساً بالنسبة إلى زينتشينكو وخيسوس، وكان كل منهما يريد أن يلعب في مثل هذه البيئة لكرة القدم.


لاعبو آرسنال يحتفلون بأحد أهدافهم أمام بورنموث (رويترز)

ويجب الإشادة أيضاً بالمدير التقني، إيدو، بسبب العمل الرائع الذي قام به في فترة الانتقالات الصيفية الحالية. وعند التعاقد مع جيسوس، أشار إيدو إلى أنه يعتقد أن اللاعب البرازيلي قد فقد بريقه ويسعى لاستعادته مع آرسنال، وقد اتفق جيسوس مع ذلك تماماً. أنا أحب هذه الطريقة الشيقة في التعاقدات الجديدة، ومن الواضح أن خيسوس سيكون صفقة مفيدة للغاية لآرسنال، وهو ما ظهر من خلال الهدفين اللذين أحرزهما في شباك ليستر سيتي.
كان يقال لي دائماً إن أي مدير فني يجب أن يحصل على فرصة إبرام تعاقدات جديدة خلال ثلاث فترات انتقال. إنني أدرك أن أرتيتا قد حصل على فرصة عقد صفقات خلال أكثر من ثلاث فترات، لكن المدير الفني الإسباني الشاب قد استغل كل فترة من هذه الفترات في تدعيم صفوف فريقه بشكل مدروس للغاية وبعناية فائقة. فخلال الصيف الماضي، تم التعاقد مع حارس المرمى آرون رامسديل ليكون الخيار رقم واحد للدفاع عن عرين المدفعجية على المدى الطويل. لقد تفاجأ بعض الناس بهذه الصفقة، خاصة أنه رامسديل قد هبط من الدوري الإنجليزي الممتاز مرتين متتاليتين مع بورنموث وشيفيلد يونايتد.
لكن أثناء فترة الإغلاق ذهبت لمشاهدة بعض المباريات التي كان يلعب فيها رامسديل، وأدركت أنه كان يتواصل مع زملائه في الفريق بشكل رائع، وكان يعطي التعليمات وينقل كل التفاصيل الدقيقة لخط ظهره بشكل ممتاز. لم يحدث ذلك في مباراة واحدة فحسب، فقد ذهبت لمشاهدة الكثير من المباريات خلال تلك الفترة ولم أر أي حارس مرمى آخر يتصرف بهذا الشكل المميز.
إنني أشعر دائماً بأن مهمة أفضل المدافعين تكون أسهل بكثير عندما يلعبون أمام أفضل حراس المرمى، الذين يجب أن يتصرفوا داخل الملعب مثل المديرين الفنيين لأنه يُمكنهم رؤية كل شيء من الخلف بشكل أوضح وينقلون التعليمات المناسبة للمدافعين من أمامهم. وأعتقد أن الثقة التي حصل عليها رامسديل من اختياره ضمن قائمة المنتخب الإنجليزي المشاركة في نهائيات كأس الأمم الأوروبية قد ساعدته كثيراً. في بعض الأحيان، يجب أن يشعر اللاعب بأنه في منزله، ومن الواضح أن رامسديل يشعر الآن أن آرسنال هو منزله.
ويعد مارتن أوديغارد أحد اللاعبين الذين تم اختيارهم بعناية فائقة من جانب أرتيتا، ومن الواضح أن هذا اللاعب بدأ يتأقلم بشكل واضح في إنجلترا وبدأ يلعب الدور المنوط به في آرسنال. لقد منح أرتيتا شارة القيادة للاعب النرويجي هذا الصيف رغم أنه يبلغ من العمر 23 عاماً فقط. أعتقد دائماً أنه من المخاطرة أن تعطي شارة القيادة للاعب مبدع، لكنه يتمتع بخبرة لا تُصدق بالنسبة لسنه الصغيرة بسبب الفترة التي قضاها في ريال مدريد وفترات الإعارة المختلفة التي لعبها لأندية أخرى، كما يمتلك خبرة دولية كبيرة، نظراً لأنه لعب بالفعل 43 مباراة دولية مع منتخب بلاده. من الواضح أن أرتيتا يحبه ويثق به تماماً، ولهذا اختاره ليكون قائداً للفريق.
في كثير من الأحيان - كنقاد ومشجعين ولاعبين سابقين - لا نعرف بالضبط ما يحدث داخل النادي؛ لكنهم بالداخل يعرفون جيداً ما يقدمه هذا اللاعب، سواء فيما يتعلق بهدوئه أو سلوكه أو صفاته القيادية، أو كل ما سبق. لقد كان أرتيتا قائداً سابقاً، وبالتالي لا بد أنه رأى شيئاً مميزاً في اللاعب النرويجي يجعله قائداً للفريق، ومن الواضح حتى الآن أن أرتيتا كان موفقاً في هذا القرار.
لقد استمتعت بمشاهدة المباريات الودية التي خاضها آرسنال استعداداً للموسم الجديد. لقد رأيت لاعبي آرسنال وهم يتألقون أمام تشيلسي ويلعبون بشكل سلسل وبسيط، وهو الشيء كرروه الذي أيضاً في المباريات الرسمية في بداية الموسم. لقد استمتعت بلحظات تألقهم ومرونتهم في أول ثلاث مباريات في الموسم، وأتطلع حقاً لرؤية ما يمكنهم تقديمه خلال ما تبقى من الموسم.
أنا متأكدة من أن هناك عناصر لا يشعر أرتيتا بالرضا عنها، ومن الجيد حقاً تجنب التراخي والاستمرار في دفعها إلى الأمام. لقد اهتزت شباك الفريق بهدفين أمام ليستر سيتي، ومن المؤكد أن أرتيتا يشعر بالإحباط وخيبة الأمل بسبب ذلك، وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على رامسديل، نظراً لأن حراس المرمى والمدافعين يريدون دائماً الخروج بشباك نظيفة. من المؤكد أن هناك بعض اللاعبين الذين يريد أرتيتا أن يتحسن مستواهم، لكن الزخم مهم للغاية، وقد بدأ الفريق الموسم بشكل جيد، وهو الأمر الذي سيعطي ثقة كبيرة لهذه المجموعة من اللاعبين.
وحتى يمكن الوصول إلى المستوى التالي، بعد احتلال المركز الخامس في جدول الترتيب الموسم الماضي، سيتعين على آرسنال تقديم أداء أفضل ضد الفرق التي احتلت مراكز أفضل منه. لقد حصد آرسنال ست نقاط فقط من مبارياته الثماني ضد مانشستر سيتي وليفربول وتشيلسي وتوتنهام، وهو ما يشير إلى أنه كان بعيداً كل البعد عن مستوى الفرق التي يطمح للتغلب عليها. وسيلعب آرسنال أمام توتنهام في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، وهي المباراة التي ستوضح إلى حد كبير مدى التقدم الذي أحرزه الفريق.
يحتاج آرسنال لاحتلال أحد المراكز الأربعة الأولى المؤهلة لدوري أبطال أوروبا هذا الموسم، دون أدنى شك. لقد قام الفريق بعمل جيد في فترة الانتقالات الصيفية وبدأ الموسم بشكل ممتاز، لكن الموسم لا يزال طويلاً. وإذا تمكن الفريق من احتلال أحد المراكز الأربعة الأولى، فإن ذلك سيسمح له بالتعاقد مع لاعبين أفضل والمضي قدماً للمنافسة على المستوى التالي. من المؤكد أن الهدف الأساسي لأرتيتا هو الوصول إلى المراكز الأربعة الأولى قبل أي شيء، وإذا تمكن من الفوز ببطولة على طول الطريق فسيكون ذلك بمثابة مكافأة له على العمل الكبير الذي يقوم به. ولكي ينتقل آرسنال إلى المستوى التالي، فإنه بحاجة ماسة للمشاركة في دوري أبطال أوروبا.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.