أفلام القطارات تحمل دلالات ورموزاً خطرة

علم النفس فسّرها وهوليوود أحبّتها

كَنيث برانا في «جريمة في قطار الشرق السريع»
كَنيث برانا في «جريمة في قطار الشرق السريع»
TT

أفلام القطارات تحمل دلالات ورموزاً خطرة

كَنيث برانا في «جريمة في قطار الشرق السريع»
كَنيث برانا في «جريمة في قطار الشرق السريع»

أغرب صفقة تمّت في قطار كانت تلك التي اقترحها مجرم على بريء: تبادل جريمة قتل. الأول سيقتل شخصاً يود الثاني التخلص منه، وسيقوم الثاني بقتل شخص يود الأول التخلّص منه. بذلك، وكما يقول العقل المخطط، لن يستطع البوليس معرفة القاتل لأنه لا توجد علاقة بين القاتل والقتيل وبالتالي لا توجد دوافع.
ورد هذا في فيلم ألفرد هيتشكوك «غريبان في قطار» (Strangers on a Train) سنة 1951. المغمّس بفكرة نيّرة من الروائية البوليسية باتريشا هايسميث وبسيناريو من الروائي البوليسي رايموند تشاندلر.
مع خروج فيلم جديد تقع أحداثه في قطار، هو Bullet Train لديفيد ليتش، يُفتح الباب عريضاً أمام عشرات الأفلام التي وقعت أحداثها، جزئياً أو كليّاً، في قطار منطلق عادة بالسرعة القصوى.
هيتشكوك نفسه لديه فيلمان آخران يستخدمان القطار في سياق أحداثهما. في عام 1938 أخرج «السيدة تختفي» (The Lady Vanishes) الذي دارت معظم أحداثه في قطار وتحدّث عن امرأة شابّة تتعرّف على مسافرة عجوز تختفي بعدما انطلق القطار. تحاول الشابّة معرفة سر اختفائها. تسأل الركّاب فينفون أنهم شاهدوها أساساً.

إميلي بلنت في «الفتاة في القطار»

«السيدة تختفي» هو واحد من الأفلام الجاسوسية التي حققها هيتشكوك. كذلك الحال مع «شمال، شمالي غرب» (North By Northwest) الذي احتوى فصلاً من المشاهد في قطار يؤمه المتهم البريء غاري غرانت و(غير البريئة) إيفا ماري - سانت. هي تعمل لصالح عصابة نازية في أميركا للتجسس على غرانت الذي تعتقد العصابة أنه خطر محدق عليها.
- جريمة في قطار
تحمل القطارات في الحياة كما في الأفلام دلالات مختلفة. في عام 1979 خرجت الباحثة في علم النفس إريكا إيفل بنظرية تحدد فيها أن القطار رمز للرغبة الجنسية السوية ومراقبة القطارات هو جزء مما يُعرف بـObjectophilia («فوبيا الأجسام»)، كما ورد في عدد صدر قبل عامين من مجلة «سايكولوجي توداي».
هناك بعد نفسي آخر للقطارات يتجلّى في الأحلام وما يعنيه القطار من رمز. أقرب هذه الرموز هي أن القطار يعني أن حياتك تسير جيداً وخططك كذلك تمشي حسب القواعد المختارة لها، مما ينعكس في الحياة على شخصية الحالم كشخص ملتزم.
تستلهم الروايات والأفلام من كل هذه المعاني ما تؤسسه في بال المتلقي. من ناحية يمكن أن يكون الشخص المعني هو غير ما هو عليه في الواقع على أساس أن المحيط المجتمع حوله قريب في المسافة وبعيد عن المعرفة، مما يساعد الراكب المنفرد اقتراح نفسه لمحدّثه على غير ما هو عليه فيدّعي أنه طبيب أو أستاذ في تاريخ الفنون أو صاحب مكتبة. أو قد يكذب في سبب ركوبه القطار فيدّعي النزهة أو يدّعي زيارة خاصة أو مقابلة لوظيفة جديدة. كل ما سبق يعني حرية أن يتحرر المرء من نفسه.
يرد ذلك جيّداً في رواية أغاثا كريستي «جريمة في قطار الشرق السريع» (Murder on the Orient Express) التي صيغ منها فيلمان للآن. الفيلم الأول سنة 1974 بتوقيع المخرج سِدني لومِت والثاني سنة 2017 بتوقيع كنيث برانا الذي قام بدور المفتش هركول بوارو.
في كلا الفيلمين هو الوحيد الذي لا يدّعي غير ما هو عليه. شخصيته الواثقة ثابتة، أما الشخصيات الأخرى فهي هلامية النزعة. غير واضحة. لديها دوافع للجريمة رغم أن المرتكب الفعلي واحد. وفي كل الأحوال تقدّم حقيقة شخصياتها بالتدرّج.

براد بيت وآرون تايلور جونسن في «بولِت ترين»

ليس في نسختي «جريمة في قطار الشرق السريع» أي مشاهد عنيفة. معارك يدوية أو إطلاق نار عشوائي. هذا على عكس ما تؤمّه معظم الأفلام الحديثة التي تتخذ من القطار عالم حكاياتها.
«بولِت ترَين» للمخرج ديفيد ليتش ليس الوحيد الذي تدور داخله معارك فردية طاحنة. حسب القصّة هناك نصف دزينة من القتلة المدرّبين يحاول كل منهم الاستيلاء على حقيبة تحوي 100 ألف دولار. بين هؤلاء بطل الفيلم براد بيت. هذا الهدف يغذي مشاهد من الضرب والرفس والعنف، والفيلم بلا ريب يستفيد، كسواه من قبل، من الحدود الضيقة للعربات، ولو أنه يسمح لنفسه كذلك ببعض التجاوزات غير المنطقية، ومنها أن أحداً من الموجودين في المقطورة من الركّاب العاديين. كلهم من العصبة الشريرة.
كنا شاهدنا حبكة قريبة من تلك الماثلة في فيلم ليتش من خلال فيلم The Commuter لخوام كوليت - سيرا (مع ليان نيسون في البطولة، 2018)
- قطارات فالتة
لا يستطيع هذا الوضع (والحبكة المرتبطة به) تجاوز ما جاء في غمار فيلم Runaway Train لأندريه كونتشالوفسكي (1985). هناك تختفي الصراعات الفردية أمام أزمة أكبر: أبطال الفيلم (من بينهم جون فويت وإريك روبرتس) هم مساجين هاربون اعتلوا القطار الذي انطلق بلا توقف وبأعلى سرعة بسبب عطل تعرّض إليه. بذلك تحوّل هؤلاء إلى سجناء في القطار. المزج بين فعل الهروب وفعل القطار الذي يهدد الجميع بالموت تتويج تشويقي رائع يقدم عليه كونتشالوفسكي بمهارة.
في ركاب المغامرات التي تقع داخل قطارات فالتة من عقالها نجد «خطف بلهام 123» (The Taking of Belham 123).
تم إنجاز هذا الفيلم مرّتين، كما حال «جريمة في قطارالشرق السريع». الأولى سنة 1974 في فيلم من تحقيق جوزيف سارجت وبطولة وولتر ماتاو وروبرت شو وهكتور أليزوندو والثاني من تحقيق توني سكوت سنة 2009 مع دنزل واشنطن وجون ترافولتا ولويس غوزمن.
النسخة الأولى لا تختلف عن الثانية كثيراً، لكنها تتميّز في أنها الأصل. أربعة رجال معروفون بأسماء مستر غرين ومستر غراي ومستر براون ومستر بلو (سبق الفيلم في ذلك ذاك الذي أخرجه كونتن تارنتينو بعنوان «كلاب المستودع»، 1992. حين منح كل واحد من أشراره اسماً يدل على لون) يركبون قطاراً متجهاً من محطة بلهام ثم يستولون عليه مطالبين المدينة بدفع مليون دولار وإلا بدأوا بقتل الركّاب.
الحبكة ذاتها في نسخة توني سكوت (الأفضل) لكن الفدية ارتفعت إلى 10 ملايين دولار.
توني سكوت لديه فيلم قطارات آخر أنجزه في العام التالي بعد «خطف بالهام 123» وهو Unstpopable مع دنزل واشنطن وكريس باين. الحكاية هنا تختلف وتذكّر بفيلم كونتشالوفسكي «قطار الهروب». ذلك لأن الحبكة هنا تتمحور حول قطار فلتت معاييره منطلقاً عبر خطوط المدينة ومهدداً باصطدام مروع بقطار مقبل من الاتجاه الآخر.
أزمة أكبر، وبطبيعة مختلفة، تقع في الفيلم الكوري Snowpiercer لبونغ جوون هو (2013) حيث يركب الناجون القطار الذي لا محطة له لكي يتوقف عندها. الأحداث تقع في المستقبل. معظم البشر حول الأرض ماتوا لأسباب مختلفة (غالبها بيئي) باستثناء ركاب القطار. ما يلبث البعض هنا أن ينصب نفسه حاكماً ويتم تقسيم المجتمع الماثل تقسيم طبقي بين من يملك ومن لا يملك. وسينما الغرب الأميركي لديها الكثير مما يمكن أن توفّره من أفلام تقع في قطارات تتعرض، في معظمها، لغزوات اللصوص. في الواقع فإن أول فيلم وسترن ذي شأن كان The Great Train Robbery لإدوين س. بورتر سنة 1903.
- دلالات أخرى
بعيداً عن سينما الأكشن والمخاطر، هناك أفلام كثيرة احتلت فيها القطارات أوضاعاً وأبعاداً مختلفة أشبه بنوافذ تطل منها على مواضيع ذاتية أو اجتماعية.
على سبيل المثال، هناك فيلم بيلي أوغست المعنون «قطار ليلي للشبونة» (2013). ليس أن كله يدور في قطار لكن القطار في الفيلم يعكس صلة وصل بين بطل الفيلم (جيريم جونز) وسعيه لاكتشاف وضع فتاة كانت اختفت بعدما أنقذها من الموت انتحاراً.
وفي «الفتاة في القطار» (The Girl on the Train) لتيت تايلور نجد إميلي بلنت تأخذ القطار كل يوم إلى عملها في مدينة نيويورك. في مسيرته، لا بد للقطار أن يمر بالمنزل الذي كانت تعيش فيه هي وزوجها قبل طلاقهما. هو الآن يعيش في البيت ذاته مع زوجته الجديدة. هذا يبعث فيها ألماً عاطفياً تحاول أن تتجاوزه بالتركيز على منزل آخر تعيش فيه عائلة أخرى تبدو متحابّة، هذا إلى أن تكتشف أن الزوج قتل زوجته وأن عليها أن تفعل شيئاً في هذا الصدد.
ويحمل القطار رموزاً عدّة بحسب الحاجة إلى ذلك. في «جسر فوق نهر كواي» (The Bridge Over River Kwai) فإن الأحداث لا تقع داخل قطار بل خارجه، على ذلك وفي هذا الفيلم الحربي الذي أخرجه ديفيد لين سنة 1957. فإن الموضوع بأسره مرتبط بالقطار الذي يرغب البعض في نسفه.
إلى كل ذلك، ترتبط صور القطارات لدى اليهود الذين عانوا من ويل النازية بوضع استثنائي خاص. فتلك القطارات هي التي حملت اليهود إلى المعتقلات والنهايات المأسوية. وهناك عشرات الأفلام التي صوّرت حشر المقبوض عليهم من اليهود في تلك القطارات التي تذهب بهم بعيداً صوب موت محدق.
هذا المشهد نجده في «قائمة شندلر» لستيفن سبيلبرغ (1993) وفي «اختيار صوفي» لألان ج. باكولا» (1982) كما في فيلم منسي للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو (صاحب «معركة الجزائر»، 1966) عنوانه Kapo أنجزه سنة 1960 عن فتاة تقوم بمحاولة جسورة ويائسة للهرب من القطار الذي يقلها - وآخرين - إلى المعتقلات.
والبحث عن ملجأ آمن نجده في «القارب امتلأ» للسويسري ماركوس إمهوف حول مجموعة من اليهود تنجح في التسلل من القطار صوب سويسرا طلباً للحماية. الحال ذاته نجده في «قطار الحياة» (1998) لكن مع معالجة كوميدية حول قرية يهودية في الوسط الأوروبي تقوم بركوب قطار أعدته بنفسها، وذلك للهرب به صوب سويسرا.
على كثرة أفلام الهولوكوست التي احتوت مشاهد قطارات تخزّن بائسين لإرسالهم إلى المحارق فإن المختلف هو الذي يبقى في البال أكثر من سواه وهذا حال فيلم «القطار الأخير» للفرنسي بيير غرانييه - ديفير (1973) المأخوذ عن رواية لجورج سيمنون. فيه يركب الفرنسي (جان - لوي ترتنيان) قطاراً متوجهاً إلى المدينة لكن حين لا يجد له مكاناً في العربة التي تقل زوجته وأطفالهما يركب عربة أخرى، حيث يتعرّف على فتاة تخفي هويتها اليهودية (رومي شنايدر) ويقعان في الحب. في النهاية سيكتشف البوليس الفرنسي، الذي يعمل تحت مظلّة الغاستابو خلال احتلال ألمانيا لفرنسا الحقيقة ويلقي القبض عليهما وتوجيه كل منهما لمصير منفصل.


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز