لوتريامون على حافة الجنون

مات في الرابعة والعشرين وحيدًا مهجورًا في غرفة فندق بباريس

لوتريامون
لوتريامون
TT

لوتريامون على حافة الجنون

لوتريامون
لوتريامون

ربما لم يشهد تاريخ الآداب الفرنسية شخصا في مثل هذه القسوة والرعونة والضرب عرض الحائط بكل المشاعر والقيم الإنسانية. هل ينبغي أن نستثني المركيز دو ساد؟ فعندما تقرؤه - هذا إذا ما تجرأت على قراءته - تصدمك صوره الشاذة وأفكاره المرعبة إلى أقصى الحدود. وربما بسبب ذلك - فإن السرياليين يضعونه على قمة الشعر الفرنسي. بل ويفضلونه على رامبو، معبودهم الأول، لأنه ذهب في الوحشية والخروج على المألوف مبلغا لم يتجرأ عليه صاحب «الإشراقات» و«فصل في الجحيم». إنه شخص لا أخلاقي بالمرة ولكنه يتمتع بعبقرية شعرية خارقة. هل هي عبقرية الشر؟ دون شك. ولكن أحيانا تمر به لحظات ناعمة إذا جاز التعبير، لحظات رومانطيقية لا تخلو من حنين مؤثر بل وحتى جارف. انظر مناجاته الشجية للمحيط الأطلسي وكأنه صديق شخصي قديم..أو قل إنه ينتقل فجأة من الشر إلى الخير، من الوحشية الصرفة إلى الغنائية العذبة. فمن هو هذا الشخص الذي أحدث بلبلة في الآداب الفرنسية فلعنه البعض ومجده الآخرون؟ تقريبا لا نعرف عنه أي شيء لأنه لم يعش أصلا لكي نعرف. لقد مات في الرابعة والعشرين وحيدا، مهجورا، في غرفة فندق بباريس. هل يعقل أن يشغل الآداب الفرنسية شخص مات في مثل هذه السن المبكرة؟ صحيح أن رامبو مات شعريا قبل ذلك. ولكن على الأقل رامبو كانت له علاقة بالحلقات الأدبية الباريسية وبفرلين على وجه الخصوص.ثم إنه كانت لرامبو حياة صاخبة نعرفها بكل مراحلها بدءا من مدينته الصغيرة شارلفيل وحتى باريس مرورا بلندن وبروكسل وانتهاء بعدن وحرار وبلاد العرب. أما إيزودور دوكاس الملقب بلوتريامون فلا يكاد أحد يعرف عنه شيئا يذكر. إنه سر الأسرار أو مجهول المجاهيل. ليست له بيوغرافيا أو حياة شخصية. من هنا الغموض المرعب الذي يحيط بهذا الشخص وكل إنتاجه الشعري الذي لا يتجاوز مجموعتين صغيرتين هما: أناشيد مالدورور، وأشعار. والثاني يشبه الكتابة النثرية التنظيرية وهو نقيض الأول!
بما أني لا أستطيع تحمل مسؤولية الحديث عنه فلأترك ذلك لمن هم أكبر مني وأهم. لأدع كبار نقاد فرنسا وكتابها يتحدثون عنه. وهكذا أنفض يدي منه تماما ولا أتحمل أي مسؤولية. يقول ذلك المجنون الرائع أنطونين ارتو: إنه - أي لوتريامون - شاعر مسعور بالحقيقة. لاحظوا هذه الكلمة الهامة جدا هنا: «مسعور». أما ليون بلوا فيقول هذه العبارة: إنه شخص مجنون هذا الذي يتكلم في ديوان أناشيد مادورور. إنه شخص تافه، أكثر المستلبين تمزقا. ثم يضيف عام 1890 أي عندما كانوا قد اكتشفوا للتو مجموعتي لوتريامون: إن الأشخاص الميالين إلى السوداوية والكآبة كانوا دائما يحبون الأنقاض. فموظفو الحزن ومحاسبو الألم ليس لهم بيت آخر لكي يأكلوا فيه، ويتناسلوا ويناموا. لقد اطلعنا مؤخرا على كتاب غير معروف حتى الآن على الرغم من أنه طبع في بلجيكا قبل عشر سنوات. ولكن لم ينتبه إليه أحد. واسمه أناشيد مالدورور لمؤلفه لوتريامون. إنه كتاب لا شبيه له في التاريخ وربما لقي صيتا عاليا وأصداء واسعة في المستقبل. وأما مؤلفه فقد مات في زنزانة، مجنونًا وهذا كل ما نعرفه عنه. من الصعب أن نعرف فيما إذا كانت كلمة وحش كافية لوصف هذا الشخص أو لوصف كتابه بالأحرى. فقد لا يكون هو حقيرا إلى مثل هذا الحد. ولكن لا ريب في أنه مستلب العقل كليا ذلك الشخص الذي يتحدث في الديوان بضمير الأنا. إنه مجنون حقيقي. أحيانا يتوقف فجأة عن الحلم بعالم لا نهائي لكي يطلق هذه الصرخة الممزقة: من هو إذن ذلك الشخص الذي سيضربني بقضيب من حديد على رأسي كما تضرب المطرقة السندان؟ فلعل رأسي تنكسر وأرتاح من هذه الحياة..
وأما أندريه مالرو فقد كتب عام 1920 مقالة عن لوتريامون ولكنها سلبية وهجائية جدا. فهو يعتبره صبيانيا وطفوليا أكثر من اللزوم. وهل يلام الأطفال على عبثهم وألاعيبهم؟ هل يمكن لشاب مراهق لم يعرك الحياة بعد ولم يشهد المعاناة والتجارب الكافية أن يكتب شعرا عظيما؟ يشك مالرو في ذلك كل الشك. ثم ينقل عنه صورة غير دقيقة، صورة أسطورية إذا جاز التعبير. فهو يعتقد أن لوتريامون كان يعيش دون طعام تقريبا، ولا يشتغل إلا في الليل بعد أن يكون قد عزف على البيانو طيلة ساعات وساعات. وكان يشرب عددا هائلا من فناجين القهوة إلى درجة أنه كان يزعج خادم الفندق..
ثم جاء السرياليون وأعطوا للوتريامون المكانة والشهرة المدوية بعد أن كان مغمورا تماما. وقد رفعه زعيمهم أندريه بريتون إلى أعلى عليين عندما صرح عام 1919: أعتقد أن الأدب يميل لأن يصبح بالنسبة للمحدثين آلة جبارة تحل محل الطرق القديمة للتفكير. ضمن هذا المعنى فإن لوتريامون تعبير عن إلهام خارق يتجاوز كل الإمكانيات البشرية! ثم يضيف: في نظر بعض الشعراء المعاصرين فإن مجموعتيه (أناشيد مالدورور، وأشعار) تشكلان إشراقة رائعة لا مثيل لها في تاريخ الشعر. ونفهم من كلام بريتون أن لوتريامون شاعر حديث بشكل مطلق ويائس بشكل مطلق أيضا. إنه أكثر شعراء فرنسا عداء للتقاليد والامتثاليات الاجتماعية. من هذه الناحية فهو يتفوق على رامبو الذي لم يبلغ من الوحشية مبلغه على الرغم من شذوذه وخروجه على المألوف. إنه أي لوتريامون - شخص خارج على المجتمع كليا. من هنا جاذبيته أصلا وبخاصة بالنسبة للسرياليين الذين كانت أفعالهم وفضائحهم تهز باريس. ألم ينتقموا من عدوهم أناتول فرانس بعد وفاته عندما دخلوا إلى الغرفة المسجى فيها وكشفوا عنه الغطاء وصفعوه عدة صفعات على وجهه وهو ميت؟ وكل ذلك أمام المعزين والشخصيات الحاضرة المذهولة التي لا تكاد تصدق ما يجري! من يفعل ذلك إلا السرياليون؟ لهذا السبب أحبوا لوتريامون لأنه مجنون مثلهم بل وأكثر منهم.لم يجدوا في تاريخ الآداب الفرنسية شخصا يتفوق عليهم جنونا واستهتارا إلا هو.
ثم دشن لوتريامون بواسطة فوضاه ونزعته التدميرية الهائلة كونا جديدا ترتبط فيه الكلمات والأشياء بعلاقات غريبة خارقة للعادة. من هنا جاذبيته أيضا وابتكاريته غير المسبوقة. فصوره الشعرية المبتكرة كليا أو مجازاته الإرهابية لا مثيل لها في تاريخ الأدب الفرنسي أو حتى العالمي. ولذا يمكن القول بأن لوتريامون يمثل بداية مطلقة لشيء آخر في الشعر. إنه شعر غير الشعر: لا قبله ولا بعده. إنه الجنون بعينه. لقد انتهت تلك الحدود الواضحة التي تحصر علاقات الكلمات ببعضها، أو الأشياء ببعضها. فلوتريامون انتهك كل العلاقات والمعقوليات. وطرأت طفرة دائمة على الأشياء كما على الأفكار. وسوف تؤدي إلى تحريرها كلها وتحرير الإنسان كما يعتقد أندريه بريتون. ثم يصل الأمر به وبقية السرياليين الآخرين من أمثال أراغون وايلوار إلى حد منع النقاد من دراسة هذا الشعر، أو حتى مسه مجرد مس. فأي دراسة نقدية تلوثه مهما كانت نافذة وكبيرة. إنه فوق الدراسة والنقد. إنه قدس الأقداس الشعرية!
وأما غاستون باشلار فقد أصدر عام 1939 كتابا بعنوان: لوتريامون. وقد طبق عليه منهجية التحليل النفسي لكي يضيئه من الداخل. ومنذ البداية طرح هذا السؤال: ما هي إذن تلك العقدة النفسية التي خلعت على أعمال لوتريامون كل طاقتها الإبداعية والتفجيرية الخارقة؟ والجواب: إنها عقدة الحياة الحيوانية. المقصود عقدة العدوان أو شهوة العدوان بالأحرى. ويبدو أنها كانت تعمر قلب هذا الشاعر الغريب الأطوار. وهذه العقدة هي ما ندعوها بعقدة المراهقين أو ضغينة المراهقين. وقد أحس بها الشاب لوتريامون عندما كان على مقاعد الدرس في المدرسة الثانوية. ولم يتخلص منها إلا بعد أن كتب ديوانه العبقري: أناشيد مالدورور. ويبدو أن لوتريامون بعد أن صب على الورق كل ما يعتمل في أحشائه من نزعات عدائية مدمرة، بعد أن كتب هذا الديوان الذي لا مثيل له في تاريخ الشعر الفرنسي، فإنه لم يعد يعني له شيئا. بل وأصبح معاديا له وكارها. والدليل أن ديوانه التالي كان مضادا له تماما. فبعد أن مجد الشر راح يمجد الخير والفضيلة. وهذا يعني أن الديوان الأول، الشيطاني النزعة، كان نتاج العقدة النفسية التي تؤرقه. وقد كتبه فقط لكي يتحرر منها ويسيطر على عقدته. وما إن نجح في ذلك حتى تنكر لإبداعه.
هذا على الأقل ما يعتقده الطبيب النفساني جان بول سولييه. فقد كرس للشاعر كتابا كاملا بعنوان: «لوتريامون: عبقري أم مريض عقلي؟» وقد صاغ أطروحته على النحو التالي: هناك تشابه مدهش بين أشعار لوتريامون والأعمال الفنية التي يرسمها المجانين المصابون بالشيزفرونيا: أي بانفصام الشخصية. ويقول الدكتور سولييه بأن لوتريامون ربما كان قد أصيب بذلك المرض الذي يصيب المراهقين عادة والمدعو بالذهان المزمن. وهو عبارة عن اختلال في الوظائف العقلية، اختلال ينتج عن اضطراب شامل في الشخصية فيصبح المرء عاجزا عن التكيف مع المجتمع. والواقع أن لوتريامون كان دائما وحيدا، يعيش بعيدا عن عائلته المقيمة في نيكارغوا فيما وراء المحيطات، وبعيدا عن أصدقائه النادرين المقيمين في الأقاليم الفرنسية البعيدة عن باريس. وبالتالي فهو شخص مقطوع. وكما ذكرنا فقد مات وحيدا في غرفته أثناء الليل. ولو لم ينتبه إليه موظف الفندق ويفتح الباب فجأة لربما ظل جثة هامدة عدة أيام قبل أن يكتشفوه.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.