ملايين الحرائق تضرب الغابات سنوياً

تغيُّر المناخ يزيد تكرارها وشدّتها

من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

ملايين الحرائق تضرب الغابات سنوياً

من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

بعد موجات الحرّ والجفاف الواسعة خلال السنوات الماضية، تشهد مناطق عدة حول العالم حرائق غابات مدمرة لا سابق لها. وتميّز هذا الموسم بتمدد الحرائق وقوَّتها؛ إذ لا يكاد مكان توجد فيه غابات على وجه الأرض إلا وطالته، من شرق البحر المتوسط إلى غربه مروراً بسوريا، ولبنان، وفلسطين، وتركيا، وإيران، واليونان، وسلوفينيا، وفرنسا، والبرتغال، وإسبانيا والمغرب، ومن أستراليا إلى قلب القارة الأفريقية وشمالاً باتجاه ألاسكا وسيبيريا، ومن الغابات الاستوائية في إندونيسيا إلى الغابات المطيرة في الأمازون والحدائق الوطنية في غرب الولايات المتحدة.
وخلال السنوات بين 2002 و2016، طالت الحرائق ما يقارب 423 مليون هكتار من سطح الأرض سنوياً، أي ما يعادل مساحة الهند ومصر مجتمعتين، وثلثا هذه الحرائق كانت في القارة الأفريقية. وخلال الفترة ذاتها حدث أكثر من 13 مليون حريق فردي على مستوى العالم، استمر كل منها ما بين 4 و5 أيام. وكان كل حريق يدمر 440 هكتاراً كمعدّل عالمي، في حين يصل المعدل في أستراليا إلى 1790 هكتاراً لكل حريق. لكن أفريقيا بدأت تشهد حرائق أقل في السنوات الأخيرة، مقارنة بالمناطق الأخرى؛ لأن مساحات شاسعة من أراضي الغابات فيها تحوَّلت إلى أنواع من الزراعات لا تساعد في انتشار الحرائق.
النشاط البشري يُفاقم الحرائق
يرجّح برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)، في تقريره الأخير عن القضايا الناشئة ذات الاهتمام البيئي، أن تؤدي الظروف المناخية إلى حرائق غابات أكثر خطورة بفعل تزايد تراكيز غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي المسببة لتغيُّر المناخ، وما يصاحب ذلك من تصاعد لعوامل الخطر. ويتسبب ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب المزيد من حالات الجفاف، بإطالة موسم الحرائق وتهيئة الأجواء لحصول حرائق مدمرة وامتدادها على مساحات شاسعة وإلى مناطق جديدة لم تصلها قبلاً.
وتُظهر الأبحاث التي تتناول مناطق غرب أميركا الشمالية، أن موجات الحرّ والجفاف لسنوات عدة لا تؤدي فقط إلى زيادة حرائق الغابات، ولكن تتسبب أيضاً في زيادة شدّتها واتساع نطاقها. وفي أميركا الجنوبية، يرتبط الجفاف الشديد والمديد وارتفاع درجات حرارة الهواء بزيادة عدد الحرائق وشدّتها في المناطق المدارية والأراضي الرطبة التي تغمرها الفيضانات موسمياً، بما في ذلك مناطق لم يسبق لها التعرض لحرائق. وقد تسببت الحرائق في الأرجنتين هذا الموسم بحجب نور الشمس عن عاصمة الباراغواي.
وفي المنطقة المناخية المعتدلة في أستراليا، انخفض هطول الأمطار في الفترة التي تسبق موسم الحرائق بأكثر من 10 في المائة منذ أواخر التسعينات. وفي تشيلي ونيوزيلندا وأجزاء من أفريقيا، أكّدت الأبحاث تأثير تغيُّر المناخ في زيادة ظروف الجفاف ونشاط حرائق الغابات. وفي جنوب أوروبا وعلى محيط البحر المتوسط، يتسبب تغيُّر المناخ في حدوث حرائق أكثر خطورة، حيث ينتقل حوض المتوسط بأكمله إلى نظام أكثر جفافاً.
وتخلص ورقة بحثية، نُشرت مؤخراً في دورية «ريفيو جيوفيزيكس»، إلى أن بعض مناطق الغابات الواقعة على خطوط العرض العليا شهدت زيادة في حرائق الغابات بنسبة 50 في المائة أو أكثر في العقدين الأولين من هذا القرن. في حين يتوقع تقرير صادر عن «يونيب» زيادة عالمية في «الحرائق الشديدة» تصل إلى 14 في المائة بحلول 2030 و50 في المائة مع نهاية القرن.
وفي المقابل، تُفاقم حرائق البراري مشكلة تغيُّر المناخ. وتشير الدراسات إلى أن فقدان غابات الأمازون المطيرة وذوبان الجليد الدائم في القطب الشمالي عاملان محتملان في تسريع تغيُّر المناخ. وتتسبب إزالة الغابات في منطقة الأمازون في تحويلها من مستوعب للكربون إلى مصدر له، كما تساهم الحرائق في المناطق السيبيرية إلى تسريع ذوبان الجليد القطبي. ومن مسببات حرائق الغابات أيضاً، تغيُّر استخدام الأراضي ونهج إدارة الحرائق الذي لا يقدّر العلاقة الوثيقة التي تطورت على مدى آلاف السنين بين الغطاء النباتي والنيران. وتؤسس التفاعلات بين الغطاء النباتي والمناخ على مدى فترات طويلة نمطاً معيّناً لتكرار حرائق الغابات في نظام بيئي محدد، ويُعرف هذا النمط بنظام الحرائق الطبيعي، الذي يُعدّ ضرورياً لعمل العديد من النظم البيئية. لكن الحرائق الشديدة والمتكررة التي يشهدها العالم اليوم تتجاوز نظام التوازن الطبيعي متسببة بالإخلال به.
أشجار الصنوبر، وأنواع شائعة أخرى في الغابات الشمالية وغابات حوض المتوسط، تخزن بذورها في أكواز لسنوات حتى يتسبب حدوث حريق في إطلاقها. وتحفّز حرائق الغابات الأزهار في النباتات المحلية المنتجة للأبصال مثل أنواع الأوركيد والزنابق، وفي الأعشاب المعمّرة. ويمكن أن يؤدي الدخان والخشب المتفحّم إلى أنبات البذور في العديد من الأنواع في أراضي الشجيرات المعرّضة للحرائق.
وتؤدي الانحرافات عن نظام الحرائق السائد، في التوقيت أو التواتر أو الحجم أو الشدّة، إلى تغيُّرات بيئية كبيرة في كل من النظم البيئية المعتمدة على الحرائق لتزدهر، وفي النظم البيئية الحساسة للحرائق، حيث تكون الآثار السلبية أكبر من الآثار الإيجابية.
على سبيل المثال، تُعدّ الغابات الاستوائية المطيرة حسّاسة للحرائق، ويندر أن تندلع وتنتشر فيها النيران بسبب غطائها النباتي الرطب، ومع ذلك جعلت الأنشطة البشرية حرائق الغابات شائعة في مناطق من غير المتوقع أن تحصل فيها. في غابات الأمازون المطيرة يتم قطع الغطاء النباتي الأصلي وانتقاء أنواع الأشجار الأكثر قيمة وإزالتها، وتُترك البقايا لتجف حتى يتم إشعالها عمدا لتحضير مساحات تصلح للزارعة أو للرعي. وفي المناطق الاستوائية، بشكل عام، تؤدي تجزئة الغابات وقضم مناطق السافانا والأراضي العشبية إلى خلق الظروف المواتية لحرائق الغابات وخسارة النظم البيئية.
ويعدّ التوسع الحضري المتزايد وتمدد المدن في البراري شكلاً آخر من أشكال تغيُّر استخدام الأراضي وتبديل المناظر الطبيعية. وقد شهدت العقود الأخيرة توسعاً سريعاً للمدن نحو مناطق الغابات في العديد من أنحاء العالم، وتمثل هذه الواجهة البرية الحضرية أكثر الأماكن التي تكون فيها مخاطر حرائق الغابات أكثر وضوحاً.
كما يسهم النشاط البشري إلى حدٍ بعيد في إدخال الأنواع الغازية التي يمكن أن تغيّر أنظمة الحريق، عن طريق تغيير بنية الغطاء النباتي داخل النظام البيئي. وتحتوي العديد من الأعشاب الغازية على كتلة حيوية ورطوبة منخفضة، مما يخلق ظروفاً مواتية لحرائق الغابات. وقد أدى غزو بعض الأعشاب غير الأصلية في الولايات المتحدة إلى زيادة فرص حصول الحرائق بنسبة 230 في المائة وزيادة تكرارها بنسبة 150 في المائة. كما يمكن أن تخلق أنظمة الحرائق المتغيّرة ظروف تعافٍ غير مناسبة للنباتات المحلية بعد حرائق الغابات، ولكنها مناسبة لغزو وازدهار الأنواع التي تتحمل الحرائق.
ويمكن لسياسات مواجهة الحرائق غير الملائمة ومحدودية المعرفة بالخبرات المحلية على إدارتها تقليدياً أن تزيد من تعقيد المشكلة. وفي حالات أخرى، يمكن أن تؤدي محاولات وقف الحرائق في النظم البيئية المعتمدة عليها إلى تراكم الكتلة الحيوية الميتة وزيادة مخاطر الاشتعال. وتؤدي ممارسات كهذه إلى تحولات في نظام الحرائق وتعزز فرص اندلاع الحرائق الكبيرة والمتكررة.
آثار حرائق الغابات ومواجهتها
تنبعث من حرائق الغابات الكبيرة كميات هائلة من الملوثات الجوية، مثل هباب الفحم والجسيمات المعلقة وغازات الاحتباس الحراري. ويمكن للرياح نقل هذه الملوثات إلى مسافات طويلة، حيث تترسب فوق المواقع الطبيعية البعيدة، بما في ذلك الأنهار الجليدية. ويقلل النقل الجوي وترسب هباب الفحم من بياض السطح؛ مما يزيد ذوبان الجليد والثلوج. وهناك دراسات تخلص إلى مساهمة هباب الفحم الناتج من حرائق حوض الأمازون في زيادة ذوبان الأنهار الجليدية على جبال الأنديز.
ويُلاحظ في أعقاب حرائق الغابات الكبيرة ارتفاع مستويات الرواسب في الأنهار، وتغيُّر درجات حرارة المياه وعكارتها، وينعكس ذلك على وفرة الأسماك. وتؤدي التعرية بعد حرائق الغابات إلى جلب مجموعة من العناصر الغذائية والملوثات إلى المسطحات المائية، فتؤثر على جودة المياه وسلامة الأنواع الحية. ويمكن أن تسبب المغذيات، مثل النيتروجين والفوسفور، في المسطحات المائية إلى ازدهار الطحالب وتقليل مستويات الأوكسيجين المذاب؛ مما يشكل خطراً على الكائنات المائية.
كما تؤدي التعرية الناتجة من حرائق الغابات في بعض الحالات إلى انهيار المنحدرات وحصول انزلاقات أرضية. وتطلق حرائق الغابات الواسعة والكبيرة كميات ضخمة من الهباء الجوي، بما في ذلك المعادن النزرة الحيوية الأساسية مثل الحديد. وقد تسبب الانتقال الجوي للهباء الغني بالحديد من حرائق الغابات الأسترالية في صيف 2019 و2020 في تكاثر الطحالب على نطاق واسع في جنوب المحيط الهادي على مدى 4 أشهر.
ويمكن أن تؤدي حرائق الغابات الأكثر تواتراً وشدة إلى تغيير طويل الأجل في تركيبة أنواع النباتات وفي بنية النظم البيئية للغابات. وعندما تصبح الحرائق أكثر تكراراً وشيوعاً، تتناقص فرص تجدد الطبيعة بعد الحرائق. واعتماداً على نوع الغابة الأصلي، يمكن أن يؤدي تكرار الحرائق في التحول إلى الغطاء النباتي غير الحرجي.
ولمواجهة الأسباب والنتائج، تعمل العديد من البلدان على تبني برامج مراقبة وتحذير من اندلاع حرائق الغابات، وإنجاز مبادرات لاستعادة النظم البيئية. في سوريا، على سبيل المثال، أطلقت الهيئة العامة للاستشعار عن بعد في 2021 «منصة الغابات ومراقبة الحرائق»، التي تقدم تحذيرات مسبقة من مخاطر حصول الحرائق في شرق المتوسط. وفي المغرب، جرى رصد ميزانية تناهز 28 مليون دولار لإعادة تشجير نحو 9 آلاف هكتار من الغابات التي أتت عليها الحرائق في شمال المملكة في منتصف هذه السنة.
مع التأثير المركّب للاحترار العالمي الذي يطيل موسم الحرائق ويؤدي إلى مزيد من أحداث الاشتعال الطبيعي، والتغيُّرات في استخدام الأراضي التي تقدم المزيد من الوقود القابل للاحتراق وتعزز المخاطر، وتوسع التجمعات السكانية التي اتخذت موطئاً لها على الواجهة البرية، تنمو التحديات حول قدرة البشر على التعايش مع عنصر النار في النظم البيئية التي يشغلونها. ولتجنب الآثار الكارثية الناتجة من حرائق الغابات العنيفة، يجب أن تتوافق قدرة المجتمعات واستجابتها للحرائق مع معدل تغيُّر المناخ أو تتجاوزه.
وهنا تأتي أهمية زيادة الموازنات المخصصة للتكيُّف مع آثار تغيُّر المناخ لمواجهة مضاعفاته، بدلاً من أن يذهب معظمها لتدابير الحدّ من الانبعاثات. وفي طليعة المهمات اعتماد إدارة سليمة للغابات، وتدريب القوى البشرية المؤهلة للتعامل مع الحرائق وتزويدها بالتجهيزات اللازمة. والمفارقة، أن بعض الدول الأكثر تعرُّضاً للحرائق هي الأقل استعداداً للتعامل معها. ففي حين تبلغ الموازنة المخصصة لمكافحة حرائق الغابات مليار دولار سنوياً في الولايات المتحدة، لا تتجاوز 50 مليون دولار في المكسيك المجاورة، ولا وجود لها على الإطلاق في دول أخرى. المناخ حتماً يتغيّر، والتصدي للآثار لا ينحصر في خفض الانبعاثات الكربونية.



السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.