السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا

مسؤولون أميركيون: انضم المئات منهم إلى «داعش».. ويلعبون أدوارا قيادية

السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا
TT

السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا

السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا

أدت عمليات هروب السجناء العراقيين إلى تحرير المئات من المحاربين الذين يعدون الآن من بين القادة والجنود في الجماعات السنية المتشددة التي تمارس نشاطها في سوريا وفي العراق نفسها بصورة متزايدة.
ويعد دور السجناء السابقين في إشعال موجة جديدة من الجهاد السني عبر المنطقة بمثابة تذكير بمسألة انهيار السلطة في العراق منذ رحيل الولايات المتحدة الأميركية عن البلاد في عام 2011 وحالة الفراغ الأمني التي انتشرت عبر المنطقة، ناهيك بالتهديد المستمر للجماعات الإرهابية التي يقودها السنيون والتي كانت الولايات المتحدة تقول إنها تحاربها أثناء احتلالها للعراق.
ويعكس اقتحام السجون وهروب السجناء الطلب المتزايد على المقاتلين ذوي الخبرة، والذين يسهمون بجهود تخطيطية كبيرة من خلال الجماعات المقاتلة، ولا سيما تنظيم «داعش» للوصول خصوصا إلى الأماكن التي كانوا محتجزين فيها سويا.
وفضلا عن ذلك، فإن الجماعة التي تتمتع بخبرة استراتيجية في تهريب السجناء والتي تعتمد أساسا على «عملية تكسير الجدران» التي جرى نشرها أثناء حملة مدتها 12 شهرا، بدأت من شهر يوليو (تموز) 2012 حتى عملية الاقتحام الرئيس لسجن أبو غريب في يوليو (تموز) الماضي.
وحسب تقديرات المسؤولين الأميركيين، ففي جميع تلك العمليات انضم المئات من هؤلاء الهاربين إلى تنظيم «داعش»، حيث يلعب الكثير منهم أدوارا قيادية بارزة في التنظيم.
ويقول أحد المسؤولين الأميركيين لمكافحة الإرهاب إنه «في حين أن الجماعة كانت تحصل بالفعل على القوة أثناء تلك الفترة، فمن المحتمل أن عملية تدفق هؤلاء الإرهابيين الذين يتمتعون جميعا بخبرة تصل إلى عقود من الزمان من القتال في ميادين الحرب أدت إلى تقوية الجماعة وتعزيز دورها القيادي».
وكان من بين هؤلاء الهاربين أبو عائشة، الذي رفض ذكر اسمه بالكامل ويقود الآن مجموعة من مقاتلي تنظيم القاعدة على الجانب الغربي من الفلوجة، مسقط رأسه، التي يسيطر عليها المقاتلون السنيون المناوئون للحكومة منذ نحو ستة أسابيع. ومع تعرض الفلوجة للحصار، تسارع الحكومة الأميركية لإرسال الأسلحة والذخائر والصواريخ لمساعدة القوات الأمنية العراقية التي تتشكل أغلبيتها من الشيعة وكذلك لمقاتلي القبائل المتحالفة معها من أجل إعادة السيطرة على المدينة التي قاتلت فيها الكثير من قوات البحرية الأميركية في وقت من الأوقات وقُتلوا هناك منذ نحو عشر سنوات.
وكان أبو عائشة ميكانيكيا يعمل بتصليح العربات قبل عام 2003، إلا أنه وجد مجالا جديدا من خلال قتال الأميركيين. ويقول أبو عائشة إن الكثير من المعتقلين، بمن فيهم هو نفسه، قضوا أوقاتهم في السجن لتعلم طرق القتال، حيث درسوا القرآن والشريعة مع الاستعداد لمعاودة الجهاد بمجرد خروجهم من السجون. وجرى اعتقال أبو عائشة في بداية الأمر على أيدي الأميركيين، ثم أطلق سراحه من معسكر بوكا، الذي يعتبر أحد السجون الأميركية ذات السمعة السيئة في جنوب العراق، في عام 2008. واعتقل أبو عائشة مرة أخرى من قبل العراقيين في عام 2010. ويقول أبو عائشة: «في نهاية المطاف قامت القوات بالزج بي في سجن أبو غريب حيث قابلت بعض القادة والمقاتلين الذين أعرفهم مرة أخرى، بما في ذلك أمراء من تنظيم القاعدة، ومن العراقيين والعرب وجنسيات أخرى. وكان معظم هؤلاء السجناء في معسكر بوكا أيضا».
وفي إحدى ليالي الصيف الماضي، عندما كان أبو عائشة يجلس في زنزانته مثلما كان يفعل كل يوم منتظرا موعد إعدامه، اندلعت انفجارات وسمع دوي إطلاق النار وجاء حارس سجن معروف بالنسبة له وفتح له الباب وأخبره بأن يغادر زنزانته على الفور.
جرى أبو عائشة مع مئات من السجناء الآخرين عبر طرقات السجن حتى هرب من خلال إحدى الفتحات الناتجة عن تفجير أحد الجدران. وقفز ليستقل شاحنة من نوع «كيا» كانت بانتظاره ليتحرر من سجنه ويعود مرة أخرى إلى ميدان القتال. وقال أبو عائشة إن قادة تنظيم «داعش» طرحوا عليه خيارين، إما أن يغادر ويقاتل معهم في سوريا وإما يبقى ويقاتل في العراق. وفي إحدى المقابلات التي جرت معه مؤخرا، قال أبو عائشة: «ذهب الكثير من القادة الذين أعرفهم إلى سوريا للجهاد هناك بمجرد هروبهم من سجن أبو غريب، بينما ذهب المقاتلون الآخرون إلى هناك بعد فترة لأنهم شعروا بأنهم سيتمتعون بحرية أكثر في سوريا. وبالنسبة لي، فقد قررت البقاء مع جماعتي».
وعلاوة على ذلك، كان لعمليات هروب السجناء والفوضى التي ساعدت في إشعال الصراع في سوريا أثر في تغيير حسابات المسؤولين الغربيين تجاه الحرب هناك. وفي البداية، كان هؤلاء المسؤولون يعتبرون أن هذه الأزمة نزاع في ضوء وجود بشار الأسد.
ولكن بعد أن لعب تنظيم «داعش» دورا مهما بشكل متزايد في عملية القتال هناك، حيث كان غالبا ما يتعارك مع جماعات متمردة أكثر اعتدالا، مع إدانة تنظيم القاعدة الذي أنهى علاقاته مع «داعش» بسبب هذا الأمر، كانت القوى الغربية رافضة للتدخل بشكل أكثر من ذي قبل.
ومن جانبه، قال أسامة النجيفي رئيس مجلس النواب العراقي وواحد من أهم السياسيين السنيين بالبلاد، إن المقاتلين الهاربين «ذهبوا إلى سوريا لقيادة معظم الجماعات المقاتلة هناك. وبناء على ذلك، بدأ الشعب في التفكير إذا ما كان الأسد هو الأفضل أم تنظيم القاعدة». ألقى الكثير من المحللين الغربيين باللوم على سياسة الباب المفتوح التي تتبعها تركيا بطول حدودها الجنوبية مع سوريا، حيث أدت تلك السياسة إلى تقوية عملية نمو تنظيم «داعش» والجماعات الأخرى المتشددة، بيد أن المسؤولين التركيين دافعوا عن هذا الأمر مستشهدين بالتقارير الاستخباراتية التي تعزو نمو تلك الجماعات إلى اقتحام السجون العراقية. ويقول مسؤولون إنه من المعتقد هروب أكثر من 600 سجين في أكثر الهجمات المتطورة لاقتحام السجون، حيث يقوم حراس السجون المتورطون بالفساد بتسهيل عملية الهروب.
ويوضح المسؤولون حدوث تأثير كبير على قدرة هذه الجماعة من خلال عمليتين، على وجه الخصوص، من عمليات اقتحام السجون، كانت إحداهما في سجن أبو غريب والأخرى حدثت في سبتمبر (أيلول) 2012 في شمال مدينة تكريت. وأدت هاتان العمليتان إلى إضعاف الأمن العراقي والإسهام في توسع الجماعة في سوريا.
ووفقا لما ذكره تشارلز ليستر، الباحث في مركز بروكينغز - الدوحة في قطر، فإنه خلال عملية اقتحام سجن تكريت، على سبيل المثال، هرب 47 معتقلا من المحكوم عليهم بالإعدام، وظهر أن ذلك الأمر كان من العوامل التي ساعدت في إعادة إنعاش جماعة «داعش» وتصعيد العمليات على مدار عام 2013.
وقال المسؤولون الأميركيون إن أكثر من 50 سجينا هربوا خلال عملية اقتحام سجن أبو غريب وحدها. وأضافوا أيضا أن «معظم» الهاربين جرى اعتقالهم في الأساس من قبل القوات العراقية، بيد أنهم اعترفوا بأن أعدادا كبيرة منهم قد اعتقلوا أثناء العمليات الأميركية في العراق قبل مغادرة الجيش الأميركي للبلاد نهاية عام 2011.
وشاكر وهيب، الذي قد يكون من أخطر الأشخاص الذين ظهروا مؤخرا بتنظيم القاعدة، واحد من هؤلاء المعتقلين. وكان وهيب يدرس علوم الكومبيوتر بإحدى الجامعات في الأنبار عندما غزا الأميركيون العراق، مما دفعه إلى تغيير هذا المجال وسرعان ما لجأ إلى محاربة الأميركيين. واعتقل وهيب وسُجن في معسكر بوكا قبل أن يستحوذ عليه العراقيون. وهرب وهيب من السجن في تكريت في أواخر عام 2012.
وفي العراق، صار وهيب من الشخصيات الجهادية المشهورة، حيث كان يشار إليه بأنه خليفة أبو مصعب الزرقاوي، القائد بتنظيم القاعدة المعروف بوحشيته وعنفه والذي قتلته القوات الأميركية في عام 2006. وادعى المسؤولون العراقيون أكثر من مرة بأنهم قتلوا وهيب، بيد أنه يعد الآن من أحد القادة البارزين المقاتلين في الفلوجة. وفي الصيف الماضي ظهر وهيب في مقطع فيديو مروع حيث أعدم ثلاث سائقين شيعيين على الطريق السريع في صحراء محافظة الأنبار، كما أنه اتهم بالضلوع في هجوم استهدف 14 سائقا شيعيا من سائقي الشاحنات في العراق والذين وُجدوا مقطوعي الرأس.
وبالنسبة للجماعات المقاتلة الأكثر اعتدالا داخل سوريا، ساعدت عملية هروب السجناء في إثارة نظريات المؤامرة بأن تنظيم «داعش»، الذي يحارب مؤخرا مع الجماعات هناك، يعد بمثابة ورقة رهان لحكومة الأسد.
وفي حين أنه لا يوجد أي دليل يدعم هذا الأمر، يقول البعض إنهم يعتقدون أن الحكومة السورية ساعدت في التخطيط لعمليات الهروب، مع مساعدة الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي التي تتضامن بشكل كبير مع الأسد.
وقال عبد الجبار أوسو، أحد قادة المتمردين في حلب والذي يحارب مع تنظيم «داعش»: «من خلال فعل هذا الأمر (جلب الكثير من المقاتلين الأجانب إلى الأراضي السورية) قامت حكومة المالكي بمساعدة نظام الأسد عن طريق دعمه في ادعائه بأنه يحارب الإرهاب داخل سوريا».
ومن جانبه قال أحمد العبود، أحد قادة مقاتلي المعارضة، إنه «عندما سمع شعبنا بأمر هروب السجناء في العراق أدركنا حينها أننا سنواجه المزيد من المصاعب». ويضيف العبود: «لقد كنا نواجه دائما المصاعب في تهريب الأسلحة الخفيفة من العراق إلى سوريا، لكن تنظيم (داعش) يمكنه الحصول بكل سهولة على أرتال كاملة من المركبات والأسلحة والمقاتلين وتهريبها إلى الداخل السوري».
ولم توفر الحكومة العراقية المعلومات الكافية بشأن كيفية حدوث عمليات هروب السجناء، على الرغم من اتفاق الكثيرين على أن هؤلاء السجناء تلقوا مساعدة من داخل السجون للهروب. ويقول أعضاء البرلمان العراقي إنهم عندما حاولوا مناقشة موضوع هروب السجناء من سجن أبو غريب جرى إسكاتهم من قبل الأجهزة الأمنية ومسؤولي الحكومة الكبار. وقال شوان محمد، عضو البرلمان وأحد أعضاء فريق التحقيق: «للأسف، لم تسمح لنا الحكومة حتى بالاقتراب من السجن لمدة تقترب من الأسبوع». غير أنه لم ينخرط جميع السجناء الهاربين في القتال، حيث يعمل أحمد الديلمي (31 عاما)، الذي فر هاربا من سجن أبو غريب، كمزارع في محافظة ديالى، أحد معاقل تنظيم القاعدة، باستخدام هوية مزورة. ومثل الكثير من السنة في العراق، يشرح الديلمي أسباب التمرد الحالي من جانب المتشددين السنة بقوله إن ذلك يأتي كرد فعل لسياسات الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة، بما في ذلك المداهمات الأمنية الواسعة التي نتج عنها الزج بالكثير من السنة بغير ذنب في غياهب السجون. واختتم الديلمي حديثه قائلا: «الكثير من أصدقائي يتحلون بالطيبة، غير أنهم تحولوا إلى أشخاص خطيرين وقادة في تنظيم القاعدة بسبب ممارسات الحكومة. إنه الظلم الذي أدى إلى ظهور (القاعدة)».

* خدمة «نيويورك تايمز»



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».