الإمارات تجري أول جراحة لربط العمود الفقري في الشرق الأوسط

صورة لمدينة دبي (رويترز)
صورة لمدينة دبي (رويترز)
TT

الإمارات تجري أول جراحة لربط العمود الفقري في الشرق الأوسط

صورة لمدينة دبي (رويترز)
صورة لمدينة دبي (رويترز)

نجح فريق طبي بالإمارات في إجراء أول جراحة لربط العمود الفقري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وبحسب ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية، أجرى أطباء مستشفى برجيل بدبي الجراحة لفتاة أردنية تبلغ من العمر 13عاماً، كانت تعاني من انحناء جانبي في العمود الفقري مجهول السبب. وقال الدكتور فراس حسبان، استشاري جراحة العظام في المستشفى، إن الفتاة الأردنية سلمى، وهي طالبة في الصف الثالث المتوسط، كان لديها منحنى صدري قطني بمقدار 65 درجة، وبسبب حالتها، عانت من تشوه في الظهر مع قصر في الجذع وظهر أحدب سفلي وحوض غير مستوٍ مع وجود آلام في منطقة الظهر. وأضاف، في بيان أمس (الأربعاء)، «يُعد الخيار التقليدي لتصحيح انحناء العمود الفقري، هو جراحة دمج الفقرات؛ إذ يجري ربط فقرتين أو أكثر بشكل دائم في هيكل واحد باستخدام المسامير، إلا أن هذه الجراحة تحد من حركة العمود الفقري ونموه». وتابع، أنه في عام 2019، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على علاج جديد لانحناء العمود الفقري يسمى ربط الجسم الفقري، وهو تقنية طفيفة التوغل تسمح بالنمو المستمر دون اندماج للفقرات مع الحفاظ على حركة ومرونة العمود الفقري. وتابع الدكتور حسبان «على عكس جراحات العمود الفقري التي تتضمن قطع الظهر ومعالجة الحبل الشوكي وجذور الأعصاب، ففي هذه الجراحة نقوم بعمل شقوق سرية في البطن من خلال المنظار، حيث يُوَصّل حبل مرن يدعى (الرباط) بالعمود الفقري خارج المنحنى من خلال مسامير العظام».
وأوضح «تتميز هذه الجراحة بأنها تمنع فقدان المريض كميات كبيرة من الدم أو الشعور بآلام شديدة بعد الجراحة ويتعافى المريض بشكل أسرع مقارنًة بجراحة دمج الفقرات». وأضاف «تحسنت حالة سلمى بشكلٍ جيد بعد الجراحة، حيث يمكن أن تمارس كل أنشطتها بما فيها الرياضة دون أي قيود بعد أربعة أسابيع».


مقالات ذات صلة

15 طعاماً قد تبقي جسمك رطباً إلى جانب شرب الماء

صحتك طفل يتناول قطعة من ثمرة البطيخ في باكستان (أرشيفية - رويترز)

15 طعاماً قد تبقي جسمك رطباً إلى جانب شرب الماء

لا يجوز أن يأتي حصولك على كمية كافية من الماء كل يوم من السوائل فقط. فتناول الأطعمة المرطبة يمكن أن يساعدك في الحفاظ على توازن الماء في جسمك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق (رويترز)

ماذا يحدث للكلى عندما تتناول مشروبات الطاقة يومياً؟

يحتوي كثير من مشروبات الطاقة على كميات عالية من الكافيين، ومنبّهات أخرى، والاستهلاك المنتظم يمكن أن يسهم في ارتفاع ضغط الدم والجفاف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)

الواقي الشمسي... ما الكمية المناسبة؟ وكيف تختار المنتج الأفضل؟

الواقي الشمسي... حماية ضرورية للبشرة من أضرار الأشعة فوق البنفسجية، تعرَّف على الكمية الصحيحة وطريقة الاستخدام لتجنب مخاطر الشمس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك انخفاض مستويات هرمون الذكورة لدى الرجال (رويترز)

دراسة: انخفاض مستويات هرمون الذكورة لدى الرجال إلى النصف خلال 5 عقود

دراسة: مستويات هرمون الذكورة لدى الرجال تراجعت بأكثر من 50 % خلال خمسة عقود، وسط مخاوف علمية من تأثير ذلك على الخصوبة والصحة العامة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يعتمد تشخيص سرطان الرئة عادة على الأشعة المقطعية لتحديد مرحلة تقدّمه (جامعة أبردين)

دراسة: زراعة الرئة لبعض مرضى السرطان في مرحلة متأخرة قد تنقذ الحياة

تتحدى نتائج دراسة ‌جديدة التوجيهات الصادرة منذ فترة طويلة بأن مرضى سرطان الرئة في المرحلة الرابعة يجب ألا يخضعوا لعملية زراعة رئة.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو)

تقرير: إيران قد تكون بصدد إعادة بناء بعض منشآتها النووية

صورة من «فانتور» لمجمع بارشين (أرشيفية)
صورة من «فانتور» لمجمع بارشين (أرشيفية)
TT

تقرير: إيران قد تكون بصدد إعادة بناء بعض منشآتها النووية

صورة من «فانتور» لمجمع بارشين (أرشيفية)
صورة من «فانتور» لمجمع بارشين (أرشيفية)

كشفت صور أقمار اصطناعية حصرية حصلت عليها شبكة «سي إن إن» من شركة «فانتور» مؤشرات تفيد بأن إيران قد تكون بصدد إعادة بناء بعض منشآتها النووية.

وأظهر تحقيق بصري أجرته الشبكة نشاطاً جديداً في عدد من المواقع النووية ومنشآت الصواريخ في أنحاء البلاد، خلال أواخر يونيو (حزيران) وأوائل يوليو (تموز). ويثير النشاط في المواقع النووية على وجه الخصوص تساؤلات بشأن ما إذا كانت طهران قد انتهكت مذكرة التفاهم التي وقَّعتها مع الولايات المتحدة في 17 يونيو، وتلتزم فيها بالحفاظ على «الوضع الراهن» في برنامجها النووي، والامتناع عن تطوير أسلحة نووية.

ولأسابيع، حجبت شركات توفير صور الأقمار الاصطناعية صور المنطقة عقب طلب من الحكومة الأميركية. إلا أن «سي إن إن» تمكنت من تحليل الصور بعدما رُفعت تلك القيود لفترة وجيزة، قبل أن يُعاد فرض بعضها مع استئناف العمليات العسكرية الأميركية.

ورصدت الشبكة نشاطاً لافتاً في موقع داخل مجمع بارشين العسكري يُعرف باسم «طالقان 2»، ويعتقد خبراء أنه يُستخدم لتخزين مواد متفجرة مرتبطة بتطوير الأسلحة النووية. وأظهر تحليل للموقع، أُجري بالتعاون مع معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، أعمال إصلاح وإعادة إعمار لعدد من الفجوات التي خلَّفتها الضربات الأميركية والإسرائيلية، وذلك في صور التقطت يومَي 22 يونيو و7 يوليو.

وفي موقع جبل بيكاكس، الذي يُشتبه في أنه منشأة نووية تحت الأرض، أظهرت صور التُقطت في 21 يونيو مركبات تدخل إلى الأنفاق وتخرج منها، وذلك خلال سريان مذكرة التفاهم.

وقال مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية لـ«سي إن إن»، إن الوزارة لن تناقش ظروف العمليات العسكرية أو المسائل الاستخباراتية، حفاظاً على الأمن العملياتي.


«فيتش» ترسِّخ الثقة بالاقتصاد السعودي رغم تداعيات «هرمز»

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

«فيتش» ترسِّخ الثقة بالاقتصاد السعودي رغم تداعيات «هرمز»

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

جاء قرار وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني تثبيت تصنيف السعودية عند «إيه +» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، ليحمل أبعاداً تحليلية تعكس قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص صدمات الحرب الأميركية الإيرانية، وتجاوز التداعيات المباشرة لإغلاق مضيق هرمز.

ووفقاً للقراءة التحليلية للوكالة، فإن قرار تثبيت التصنيف عند هذا المستوى المتقدم لم يكن مجرد تقييم كمي عابر؛ بل جاء مدفوعاً بنظرة تقديرية خاصة لصلابة المركز المالي للمملكة. وقد حسمت ضخامة أصول القطاع العام والمصدات المالية المتنوعة كفة هذا القرار، مدعومة بحجم الودائع الحكومية وأصول الصناديق السيادية والمؤسسات الحيوية للدولة، وهي مزايا استراتيجية منحت السعودية مرونة استثنائية لتأكيد جدارتها الائتمانية الفعلية.

وكان صندوق النقد الدولي قد رفع توقعاته لنمو اقتصاد السعودية في عام 2027 بمقدار نقطة مئوية كاملة إلى 5.5 في المائة، متوقعاً انتعاشاً قوياً مع انحسار الاضطرابات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط تدريجياً. في المقابل، خفض توقعاته لنمو الاقتصاد هذا العام إلى 1.7 في المائة، بانخفاض قدره 0.3 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات بعثته إلى المملكة الشهر الماضي.

وتتوقع «فيتش» تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 0.6 في المائة في عام 2026 نتيجة تأثر الصادرات غير النفطية بإغلاق مضيق هرمز، على أن يشهد عام 2027 ارتدادة نمو قوية مع عودة التدفقات الطبيعية، قبل أن يستقر عند 2.9 في المائة في عام 2028. وسيكون هذا النمو مدعوماً بالتشغيل التدريجي للمشاريع الكبرى، واستقرار الإنفاق المحلي لصندوق الاستثمارات العامة ضمن خطته الخمسية الجديدة.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع بالسعودية (واس)

شريان ينبع التصديري

وتوقفت وكالة «فيتش» بشكل تحليلي موسع عند كفاءة قطاع الطاقة السعودي خلال فترة الحرب؛ حيث أثبت خط أنابيب «شرق- غرب» الاستراتيجي الذي يعود تصميمه لثمانينيات القرن الماضي، أنه صمام الأمان الحقيقي للاقتصاد. ويمتد هذا الخط لأكثر من ألف كيلومتر عبر الصحاري وجبال الحجاز، ليربط حقول الشرق بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، مما سمح للمملكة بمواصلة تصدير نفطها مباشرة للأسواق العالمية متجاوزة الإغلاق الشامل للمضيق.

ومع التوصل إلى الخطوط العريضة لاتفاق التهدئة والتمهيد لفتح المضيق، تشير تقديرات «فيتش» إلى سيناريو متداخل يجمع بين حجم الإمدادات وحركة الأسعار؛ إذ ستعمل المملكة على زيادة إنتاجها تدريجياً لتلبية الطلب الخارجي وإعادة بناء مخزوناتها المحلية، مع استقرار متوسط الإنتاج السنوي عند 9 ملايين برميل يومياً، وهو ما يقل عن مستويات عام 2025.

وتتوقع الوكالة أن تؤدي إعادة فتح المضيق بالتوازي مع هذه الإمدادات إلى إعادة فائض المعروض للأسواق العالمية، مما سيتسبب في تراجع تدريجي لأسعار خام برنت من متوسط 87 دولاراً للبرميل المسجل في عام 2026، ليصل إلى نحو 60 دولاراً للبرميل بحلول عام 2028.

وزير المالية السعودي محمد الجدعان يتحدث في «ملتقى الميزانية لعام 2026» (الشرق الأوسط)

إدارة مرنة للمالية العامة

ويتخذ العجز المالي في المملكة مساراً متعرجاً نجحت السياسة المالية في احتوائه بكفاءة، وهو ما رصدته وكالة «فيتش» في تقريرها؛ فخلال العام الحالي، يتجه العجز نحو الانخفاض المؤقت بفضل مستويات أسعار النفط الحالية التي نجحت في تعويض تراجع كميات الإنتاج. ولكن مع الهبوط المتوقع للأسعار العام المقبل، تشير تقديرات التقرير إلى اتساع العجز ليصل إلى 4.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتوافق مع سعر تعادل مالي للنفط يبلغ 94 دولاراً للبرميل، قبل أن يعاود التراجع مجدداً بحلول عام 2028 مدفوعاً بالجهود المستمرة لضبط النفقات الجارية، وإعادة هيكلة الإنفاق الرأسمالي الحكومي.

وفي سياق متصل، تتوقع «فيتش» ارتفاع الدين الحكومي ليصل إلى 41.3 في المائة بحلول عام 2028 مقارنة بنحو 31.8 في المائة في نهاية عام 2025، ورغم أن هذا الصعود يتجاوز السقف الاسترشادي الحكومي المحدد بـ40 في المائة، فإن الوكالة تؤكد أنه يظل صمام أمان ونقطة قوة واضحة عند مقارنته بمتوسط الدول النظيرة البالغ 58.1 في المائة.

أما الحساب الجاري، فبعد تحقيقه فائضاً طفيفاً هذا العام، يتوقع التقرير أن يتحول إلى عجز بنسبة 5 في المائة بحلول عام 2028 مدفوعاً بمتطلبات المشاريع التنموية الكبرى من سلع وخدمات وعمالة مستوردة، وهو عجز تمكَّنت المملكة من وضع آليات لتمويله عبر الاقتراض الخارجي المخطط، وإعادة توجيه جزء من أصول القطاع العام نحو الاستثمارات المحلية.

الحصانة المصرفية

وبرز القطاع المصرفي السعودي كأحد المرتكزات الأساسية في تقييم «فيتش» محققاً أداءً استثنائياً؛ ففي الوقت الذي خفضت فيه الوكالة نظرتها المستقبلية لبنوك منطقة الشرق الأوسط إلى «متدهورة»، فضلت الإبقاء على نظرتها المستقرة للبنوك السعودية عند تصنيف «محايد».

ويؤكد التقرير أن المصارف المحلية أظهرت حصانة مطلقة طوال فترة التوترات الجيوسياسية؛ حيث لم تحتج إلى أي تدابير دعم أو حزم سيولة استثنائية من البنك المركزي السعودي (ساما).

وتستند هذه المتانة المصرفية -حسب الأرقام الواردة في التقرير- إلى مؤشرات سلامة مالية قوية؛ إذ استقرت نسبة القروض غير العاملة عند مستوى ضئيل لم يتجاوز 1.1 في المائة، في حين قارب معدل كفاية رأس المال الشريحة الأولى نسبة 19.2 في المائة.

وقد أشارت الوكالة إلى أن السياسات النقدية الحصيفة عززت هذا التوجه، من خلال تنظيم وتيرة نمو الائتمان، ولا سيما التمويل العقاري، مما أتاح لنمو الودائع قيادة المشهد المصرفي، ودعم المركز المالي الخارجي الصافي للبنوك وحمايتها من التقلبات العابرة.


أوروبا... نهاية «السلام الطويل» وبداية الاستعداد للحرب

رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
TT

أوروبا... نهاية «السلام الطويل» وبداية الاستعداد للحرب

رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي

يخبرنا التاريخ الموثّق بأن أوروبا شهدت أكثر من ألفي حرب؛ بدءاً من صراعات المدن الإغريقية ووصولاً إلى الحرب الروسية - الأوكرانية. وكان هذا نتاجاً لجغرافيتها القائمة على تشرذم الدول التي يتمسك كل منها بحدوده وسيادته، بالإضافة إلى تباين الانتماءات الإثنية والدينية، والطموحات التوسعية، والصراعات على الموارد وتبدّل التحالفات بصورة متكررة. غير أن هذه الحلقة كُسرت بعد الحرب العالمية الثانية مع قيام التحالفات الحديثة وتعميق التكامل الاقتصادي بين الدول الأوروبية، خصوصاً بعد إنشاء الاتحاد الأوروبي.

وعاش الأوروبيون حالة من التراخي والاطمئنان لعدة عقود؛ معتقدين أن الحروب الكبرى ولّت إلى غير رجعة في قارتهم. وقد بدأت هذه الفترة التي عُرفت باسم «السلام الطويل» بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وترسخت بشكل أكبر بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

وانعكس هذا التراخي مباشرة على العقيدة العسكرية الأوروبية، فقُلّصت الموازنات الدفاعية إلى مستويات قياسية (أقل من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، وأُلغي التجنيد الإلزامي، وتحولت الجيوش إلى قوات احترافية صغيرة مخصصة لمهمات حفظ السلام الخارجية.

«شارل ديغول» حاملة الطائرات الوحيدة التي تملكها فرنسا (أ.ف.ب)

وكانت «الصفعة الأولى» على وجه السلام حرب البوسنة (1992 - 1995) التي اندلعت بعد تفكك يوغوسلافيا. غير أن الأوروبيين الذين عجزوا عن وقفها (تولت الولايات المتحدة مهمة فرض السلام) رأوا فيها حدثاً إقليمياً طُويت صفحته.

وجاءت الصفعة الثانية بضم روسيا لشبه جزيرة القرم في مارس (آذار) 2014، لتعقبه الحرب الانفصالية في شرق أوكرانيا بين الناطقين بالروسية والجيش الأوكراني. وتطور هذا الصراع إلى حرب شاملة عندما غزت روسيا أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، فسقط «وهم السلام».

* مؤشرات التراجع

تمر أوروبا بمرحلة تراجع ملحوظ، خصوصاً في النمو الاقتصادي والاستقرار الديمقراطي والأمن. ورغم أن مستويات المعيشة لا تزال مرتفعة مقارنة بمناطق أخرى من العالم، فإن تراكم الأزمات المتزامنة بدأ يقوض تدريجياً مكاسب تحققت على مدى عقود.

وتبرز في هذا السياق صدمات الطاقة والتضخم التي ولّدتها الأزمات الجيوسياسية، لا سيما الصراع في الشرق الأوسط والاضطرابات التي طالت طرق الشحن العالمية الحيوية. ونتيجة لذلك، خفّضت المفوضية الأوروبية توقعاتها للنمو الاقتصادي لعام 2026 إلى نحو 1.1 في المائة فقط، في حين عاود معدل التضخم الارتفاع ليبلغ نحو 3.1 في المائة على مستوى الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وأجبر التضخم المرتفع واستمرار ارتفاع تكاليف الطاقة ما يقارب ثلثي الأسر على السعي المستمر إلى تقليص الإنفاق حتى على الاحتياجات الأساسية، وفق عدد من التقارير المتخصصة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته... وبدا في الخلف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال قمة الحلف بأنقرة (رويترز)

يضاف إلى ذلك أن الفارق بين الاقتصاد الأوروبي ومنافسيه يتّسع؛ فضعف نمو الإنتاجية، وشيخوخة القوى العاملة، وارتفاع الدين العام، وتراجع الاستقلالية الاستراتيجية، كلها عوامل تدفع أوروبا نحو مرحلة طويلة من النمو البطيء، بمعدلات أدنى بكثير من متوسطاتها التاريخية.

وعلى المستوى السياسي، أورد تقرير الديمقراطية الصادر عن معهد «V-Dem (Varieties of Democracy» السويدي المرموق، أن «الموجة الثالثة من الاستبداد» (تآكل المؤسسات، وتردّي القوانين الانتخابية، والتضييق على حرية التعبير...) التي يقول علماء السياسة إنها بدأت في عام 2010، باتت تؤثر بعمق في أوروبا. وقد صُنّفت 5 دول أوروبية؛ هي إيطاليا، وكرواتيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، والمملكة المتحدة، ضمن الدول التي تشهد تراجعاً ديمقراطياً ملحوظاً.

في موازاة ذلك، يواجه نموذج أوروبا القائم على الانفتاح والتكامل، ضغوطاً متزايدة؛ فقد دفعت موجات الهجرة غير النظامية، وتصاعد التوترات الثقافية الداخلية، والانقسامات السياسية، عدداً من الحكومات الأوروبية إلى تشديد إجراءاتها الحدودية وإعادة فرض قيود كانت قد خُففت سابقاً.

* تصاعد أعباء الدفاع

مع تنامي الأخطار الأمنية الناجمة عن النزاعات الإقليمية، خصوصاً الحرب الروسية - الأوكرانية، راحت الحكومات الأوروبية تضخ مليارات اليوروهات لتعزيز موازنات الدفاع وتطوير القدرات العسكرية المشتركة. ورغم أهمية هذه النفقات لتعزيز الأمن، فإنها تستنزف موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى البنية التحتية المدنية، والخدمات الاجتماعية، وبرامج الرعاية.

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

تفصيلاً، سجل الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفاعاً ضخماً خلال السنوات الأخيرة؛ إذ رفعت دول الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إنفاقها العسكري بأكثر من 98 في المائة منذ عام 2020. وفي عام 2025، ارتفع الإنفاق الدفاعي الأساسي في أوروبا نحو 20 في المائة مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى 418 مليار يورو.

وأعادت موجة إعادة التسلح التاريخية هذه رسم المشهد المالي العسكري في القارة على النحو الآتي:

- الإنفاق الإجمالي: من المتوقع أن يبلغ الإنفاق الدفاعي الأساسي لدول الاتحاد الأوروبي في عام 2026، نحو 454 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد.

- الاستثمارات: تشهد الاستثمارات في المعدات العسكرية والبنية التحتية الدفاعية ارتفاعاً غير مسبوق؛ إذ قفز الإنفاق الدفاعي لدول «الناتو» الأوروبية وكندا بأكثر من 90 مليار دولار (نحو 20 في المائة) خلال عام 2025 وحده.

- الزيادات الوطنية: تتصدر القوى الأوروبية الكبرى هذه الموجة؛ إذ تعتزم ألمانيا رفع إنفاقها الدفاعي السنوي إلى 118 مليار يورو، في حين سجلت دول مثل إسبانيا وإيطاليا زيادات سنوية تاريخية في موازناتها الدفاعية، سعياً إلى تحقيق أهدافها الأمنية الجديدة.

* موقف ترمب من الحلفاء

كانت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الشركاء الأوروبيين التجاريين والحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، العتبة التي جعلت القادة الأوروبيين يتجاوزون سياساتهم المتحفظة نحو اعتماد مقاربة مختلفة لمسألة الأمن الاستراتيجي؛ فالمظلة الأميركية التي حمت أوروبا الغربية طوال عقود رُفعت عملياً، وأمضى ترمب جانباً كبيراً من قمة «الناتو» بأنقرة في توجيه انتقادات علنية إلى حلفائه، معدداً سلسلة من الشكاوى، تراوحت بين بطء التقدم في الوفاء بالتزامات الإنفاق الدفاعي، وضعف انخراطهم في الحرب مع إيران.

نموذج أول لدبابة «Capint» التي ستخرج من مصانع «KNDS» الألمانية - الفرنسية خلال معرض دفاعي في فيلبانت قرب باريس - 15 يونيو 2026 (رويترز)

كذلك، أمر بـ«وقف جميع المبادلات التجارية» مع إسبانيا، فيما بدا أنه رد على رفض مدريد الالتزام بهدف الحلف الخاص بالإنفاق الدفاعي. ووصف إسبانيا بأنها «قضية خاسرة» و«شريك سيئ للغاية في (الناتو)».

كما استغل ترمب القمة ليكرر رغبته في أن تستحوذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، وقال: «غرينلاند مهمة جداً للولايات المتحدة، لكنها ليست مهمة بالنسبة إلى الدنمارك. نحن بحاجة إليها لحماية العالم، وليس الولايات المتحدة فقط».

* هل يكفي السلاح لضمان الأمان؟

الواقع أنه قبل انعقاد قمة «الناتو» في أنقرة، تصدر مطلب زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي جدول الأعمال في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا. ورغم أن تعزيز القدرات العسكرية ضرورة لا يختلف الأوروبيون بشأنه، فإن اختزال أمن قارتهم في زيادة مشتريات الأسلحة يعكس فهماً قاصراً لطبيعة التحديات التي تواجهها.

صحيح أن القوة العسكرية تظل ركيزة أساسية للردع، لا سيما بعد أن كشفت الحرب في أوكرانيا ضعف الجاهزية الدفاعية الأوروبية، فإن الأمن لا يقوم على السلاح وحده؛ بل يعتمد أيضاً على التماسك السياسي، وشرعية المؤسسات الديمقراطية، والقيم المشتركة التي يُفترض أن تجمع دولاً متحالفة.

لذا، يحذر مراقبون من تحول «الناتو» إلى تحالف يقوم على منطق المقايضة، بحيث تصبح الحماية الأميركية مرتبطة فقط بحجم الإنفاق الدفاعي الأوروبي الذي سيغذي حكماً الاقتصاد الأميركي عبر شركات الصناعات العسكرية. فهذا المنطق يتجاهل أن الحلف، منذ تأسيسه عام 1949، لم يكن مجرد تحالف عسكري؛ بل نشأ بوصفه كياناً سياسياً يفاخر بأنه يستند إلى الديمقراطية وسيادة القانون والحريات الفردية، وهي عوامل تعزز الثقة بين الحلفاء وتسهل التعاون العسكري والاستخباراتي.

دمار في أحد أحياء كييف السكنية سبّبه قصف روسي (أ.ف.ب)

ويرى محللون أوروبيون أن الولايات المتحدة نفسها تحتاج إلى حلفاء أقوياء وموثوقين في مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة والمستقبلية، وأن مساهمة أوروبا لا تقتصر على الجوانب العسكرية؛ بل تشمل قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية، بما يعزز مكانة «الناتو» وقدرته على المواجهة.

في المحصلة، يشكل رفع الإنفاق الدفاعي شرطاً ضرورياً لتعزيز الردع، لكنه لا يكفي وحده لبناء أمن أوروبي مستدام؛ فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع تعويض هشاشة الديمقراطية أو ضعف المؤسسات أو تآكل التماسك السياسي. لذلك، فإن أمن أوروبا في العقود المقبلة سيقاس ليس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل أيضاً بقدرتها على صون نموذجها الديمقراطي وتعزيز وحدتها الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية.