«الشرق الأوسط» ترصد هدوءا حذرا بعد 76 يوما من الرعب في قرية «دلجا» بصعيد مصر

تعرضت لأعمال سلب ونهب.. وحررتها قوات الجيش والشرطة من المسلحين والبلطجية

أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)
أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)
TT

«الشرق الأوسط» ترصد هدوءا حذرا بعد 76 يوما من الرعب في قرية «دلجا» بصعيد مصر

أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)
أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)

أخيرا التقط هاني يوسف أنفاسه هذا اليوم، لأنه الأول الذي يستريح فيه من إجهاد حراسة الشارع الذي يقع فيه منزله بعد 76 يوما من هجمات المسلحين. واستراح مثله الآلاف من سكان قرية «دلجا» الواقعة في وسط مصر بمنطقة الصعيد، فوق نقطة فاصلة بين المزارع والصحراء، وتبعد عن القاهرة جنوبا بنحو 300 كيلومتر.
وفي الخلفية سمع رجال الأمن زغاريد الفرحة من السيدات في شرفات المنازل، بينما كان هاني يهتف مع الرجال والشباب في الشوارع ترحيبا بأرتال سيارات الجيش والشرطة المحملة بالجنود، وفي السماء حلقت مروحيات عسكرية.
إنها الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين الماضي. والمهمة تحرير القرية من سطوة المسلحين المتشددين الذين أرادوا - وفقا للتحقيقات الأمنية المبدئية - معاقبة سكان القرية من المسلمين والمسيحيين على عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي يوم الثالث من يوليو (تموز) الماضي، وفض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس (آب) الماضي. وبينما كانت السلطات تعالج الاضطرابات التي يثيرها أنصار مرسي مطلع الشهر قبل الماضي، خاصة في المحافظات الكبرى كالقاهرة والجيزة والإسكندرية، بدأت قصة العنف في «دلجا» بشكل متتال ومتصاعد منذ ذلك الوقت بعيدا عن أعين السلطات المركزية.
وتعد القرية ذات الطبيعة الآمنة والأغلبية المسلمة، من أكبر القرى في مصر، ويصل عدد سكانها إلى نحو 120 ألف نسمة بينهم نحو 20% من المسيحيين. ومنذ مطلع يوليو الماضي كانت الأجواء مشحونة، وتعرض المسيحيون في عموم البلاد لهجوم من أنصار الرئيس المعزول، مثلهم مثل غالبية المصريين الذين أيدوا خارطة طريق أدت للإطاحة بمرسي، وأعلن عنها الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والإنتاج الحربي، بحضور كل من شيخ الأزهر وبابا الأقباط وعدد من السياسيين.
ويقول شاهد من القرية يدعى محمد: «بعد أن انتهى الفريق أول السيسي من إعلان خارطة الطريق، هجم أنصار مرسي هنا على الكنائس وعلى قسم الشرطة، وضربوا حتى المسلمين الذين تظاهروا لتأييد الجيش. عشنا في رعب».
ووفقا لروايات شهود العيان، وفور إعلان السيسي، تجمهر المئات من الموالين لمرسي أمام مبنى خدمات تابع لكنيسة «مار جرجس» الخاصة بالأقباط الكاثوليك، وهو مبنى مكون من طابقين فوق دور أرضي. وبعد قليل تمكن المهاجمون الغاضبون من اقتحام المبنى الذي يضم مكتبة تغص بالكتب التاريخية والمراجع النادرة، وانضم إليهم لصوص، وبدأت عملية النهب.
وتقع القرية على حدود محافظتي المنيا وأسيوط، وهي منطقة يكثر فيها نشاط جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية المتشددة التي تحالفت مع مرسي للدفاع عن نظامه في أيامه الأخيرة، بالإضافة إلى جماعات جهادية أخرى. وقال راعي الكنيسة، القس أيوب يوسف لـ«الشرق الأوسط» إن مهاجمي مبنى الخدمات التابع للكنيسة لم يتركوا شيئا لم يسلبوه «حتى لعب الأطفال والأسلاك الكهربائية نزعوها من الحوائط واستولوا عليها».
كان الحشد الساخط على عزل مرسي يتزايد في مناطق مختلفة من القرية وهم يرددون العبارات المناهضة للجيش والشرطة والمسيحيين والتيارات السياسية المدنية في القرية. وبعد نحو ساعة ارتفعت ألسنة النيران من مبنى الخدمات التابع لكنيسة «مار جرجس». وأوضح شاهد يدعى «عبد الله» الذي كان يراقب المشهد من شرفة منزله في ذلك اليوم: سكب المخربون البنزين على مراتب أسفنجية وكتب المكتبة، وبعد ذلك تصاعدت ألسنة النيران، بينما كان راعي الكنيسة، القس يوسف، يلوح طالبا النجدة وهو محبوس في الطابق الثاني العلوي من المبنى.
وفي هذه اللحظة قفز مالك لمقهى مجاور، يعرف أهل القرية شهامته، ويدعى أحمد توني سيف النصر، وتحدى ألسنة النيران وغضب الحشود، وصعد لإنقاذ القس يوسف.
وأوضح أحد الشهود: لقد انتشله ومرره لمنزله المقابل لمبنى الخدمات عبر السطوح. وحين حاولت قوات الأمن القليلة التدخل لحماية غالبية سكان القرية المناوئين لحكم مرسي، من خطر التخريب والحرق والقتل، هاجمها المسلحون وأحرقوا قسم الشرطة الوحيد في «دلجا».
وخلال الأيام الأولى من الفوضى التي ضربت القرية، تعرض 18 بيتا من بيوت الأقباط المجاورة للكنيسة ومبنى الخدمات لاعتداءات ما أجبر الكثير من المسيحيين على الاختباء في منازل أصدقائهم المسلمين أو النزوح بأطفالهم بعيدا عن موقع الأحداث. وتفاقمت الأوضاع في «دلجا» مع بداية فض اعتصامي أنصار مرسي في ساحتي رابعة العدوية بالقاهرة ونهضة مصر في الجيزة، يوم 14 الشهر الماضي. وخرج عدة آلاف من أهالي وشباب القرية في مظاهرات اعتراضا على فض الاعتصامين. ويقول أحد سكان القرية، ويدعى «ناصر»، إن «عناصر تخريبية» استغلت الفراغ الأمني والحشود الغاضبة في شوارع القرية، لتعود وتهاجم واحدا من أقدم المباني الكنسية بمصر، وهو «دير السيدة العذراء والأنبا إبرام»، وهو مبنى أثري يعود تاريخه للقرن الخامس الميلادي، ويزيد عمره عن 1600 سنة. ويضيف: {استمر البلطجية في النهب والسلب من الدير طيلة ثلاثة أيام متتالية}. وبدأت نداءات تخرج من مكبرات الصوت بالقرية تطالب المسلمين بالخروج للجهاد ونصرة المسلمين بدعوى أن إخوانهم يقتلون في «رابعة» و«النهضة». وسريعا ما امتدت أعمال العنف إلى بيوت السكان المجاورة للكنيسة وجرى نهب وحرق نحو 20 منزلا من منازل الأقباط وسط اعتراض أكثرية المسلمين في القرية. وأدى الهجوم لمقتل رجل مسن، بسكين، حاول الدفاع عن منزله من هجوم المخربين، الذين قاموا بعد ذلك بسحله بواسطة جرار زراعي طاف الشوارع بجثته، وفقا لشهود عيان.
ووسط هذه الظروف الصعبة، ورغم إعلان السلطات المركزية في القاهرة فرض حالة الطوارئ في عموم البلاد، فإن قرية «دلجا» كانت كأنها دولة خارج الدولة. وسريعا ما وجد مستغلو الفرص ضالتهم، وكونوا لجانا لحماية المواطنين من المخربين، لكن بمقابل مادي، ما أدى إلى انتشار المناوشات والرعب في عموم القرية.
وبعد نحو أسبوع من انشغال العالم والإعلام بفض اعتصامي رابعة والنهضة، بدأ العالم يسمع عن الأحداث الشنيعة التي تجري في «دلجا». وفي يوم 20 الشهر الماضي دفعت قوات الجيش بمدرعتين للسيطرة على العنف لكنها لم تتمكن من دخول القرية. وبعد ثلاثة أيام حاولت قوة من الجيش والشرطة تضم أربع مدرعات دخول «دلجا» عبر الطريق الصحراوي الغربي، لكن مئات الشبان بينهم مسلحون، قطعوا الطريق أمامها وأشعلوا النيران في إطارات السيارات. ويقول مسؤول أمني: {في ذلك اليوم تراجعنا.. لم نكن نريد وقوع خسائر في أرواح المواطنين}.
وتتميز القرية بكثرة العائلات فيها. وتنقسم إلى 10 وحدات شمس {شياخات} تضم الشياخة الواحدة عائلات كبيرة، مثل شياخة أبو المكارم، وشياخة القاضي، وشياخة الشريف، وشياخة العوام، وشياخة عزور، وشياخة الغيتة، وشياخة الفرا، وشياخة الحرابوة، وشياخة البطرخانة وشياخة أولاد عباس.
وتتسم دلجا بالنشاط التجاري والاقتصادي الذي يفوق قدرات أي قرية وربما يفوق التعاملات الاقتصادية لبعض المدن وتتصدر إنتاج عدد من المحاصيل بالصعيد. ورغم ذلك تعاني القرية من فقر الخدمات، وهي سمة عامة في محافظات الجنوب منذ عقود. ولا يوجد في دلجا إلا مستشفى صغير ضعيف الإمكانيات، كما تعاني من انقطاع الكهرباء والإنترنت وخدمة الهاتف الأرضي.
والقرية، كثيفة السكان، يوجد بها 35 مدرسة فقط وأكثر من 100 مسجد وخمس كنائس ولا توجد فيها سوى نقطة أمنية واحدة. ويقول: «الحاج عبد الوهاب» من أبناء القرية، إن «دلجا» معروف عنها أنها «قرية مستقرة جدا، وكانت الأمور فيها منضبطة إلى أن تسلل إليها التردي الأمني خلال العامين الماضيين فقط، وهي الفترة التالية لثورة يناير (كانون الثاني) 2011. التي اتسمت بتخلي الشرطة عن الحزم في بعض الأمور»، مشيرا إلى أن «بعض مثيري الشغب والمحرضين على العنف كانوا يعانون من ضعف المستوى الاجتماعي لعائلاتهم وسط قرية معروفة بالاعتزاز بالعائلات الكبيرة.. عدد من هؤلاء وجدوا ضالتهم في أحضان تنظيمات وتيارات متشددة دينيا، خاصة خلال السنة التي حكم فيها مرسي، حيث كان القادم والذاهب ينادي كلا منهم بلقب يا شيخ أو يا مولانا، وكان من الطبيعي أن تكون صدمتهم النفسية بعزل مرسي فوق احتمالهم».
ويضيف مصطفى فتحي، وهو من أبناء القرية، أن بلطجية اندسوا وسط المظاهرات المؤيدة لمرسي واقتحموا الكنائس «ليس رغبة في إيذاء المسيحيين إنما لسرقة محتوياتها ولذلك بعدما انتهى المعتدون من الكنائس وبيوت الأقباط تحولوا لنقطة الشرطة واقتحموها وأحرقوها»، مشيرا إلى أن «كثيرين من المسلمين حاولوا التصدي للمندسين، لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء بسبب المخاوف من نزاعات ثأرية بين عائلات القرية.. بعض الخارجين عن القانون من دلجا لهم عائلاتهم أيضا». وقبل أن تلجأ السلطات لاقتحام القرية يوم الاثنين الماضي، حاولت في البداية نزع فتيل الغضب والاحتقان وإجراء مصالحة بين جميع الأطراف، وهي خطة كانت قد نفذتها بنجاح في عدة مناطق شهدت اضطرابات أقل حدة. وبدأت محاولة الصلح يوم 28 الشهر الماضي، بمؤتمر حضره ممثلون عن رجال الدين الإسلامي والوعاظ وشيوخ وممثلين لعائلات أخرى، وغاب عنه أقباط القرية.
وتقرر تشكيل لجنة من عشرين عضوا تتولى المهام الإصلاحية لحين عقد مؤتمر عام يضم المسيحيين والمسؤولين في الدولة. وتقبلت الكنيسة الأرثوذكسية مساعي التهدئة، وأقام الأقباط قداسا يوم الرابع من الشهر الجاري، فيما تبقى من دير العذراء الأثري، بينما ظلت القرية في حالة من الترقب خوفا من اندلاع العنف هنا أو هناك، في وقت كان فيه المتورطون في أحداث العنف والمطلوبون للقانون، يقيمون المتاريس والحواجز والتحصينات، للتصدي لأي قوات حكومة قد تصل للقرية، وهو ما حدث فجر الاثنين الماضي.
وطوق آلاف الجنود من الجيش والشرطة مداخل ومخارج القرية. واستخدمت القوات مروحيات لتوفير مظلة تأمين بجانب 15 مدرعة وعشرات المركبات الخفيفة وست فرق أمنية قوامها عدة آلاف من الأفراد والضباط. وبدأ الاقتحام من كافة مداخل القرية، مع تنبيه القوات على السكان، عبر مكبرات الصوت، بالتزام البيوت وعدم ارتقاء أسطح المنازل ثم أطلقت القوات النيران بشكل تحذيري مع إلقاء قنابل الغاز في بعض المناطق كإجراء احترازي لتعطيل هرب العناصر المطلوبة ومنعها من الاشتباك مع الأمن. وقال مصدر أمني رفيع من إدارة البحث الجنائي بمديرية أمن المنيا إن القوات انقسمت بمجرد دخولها القرية لفرق فصل وضبط وتأمين، قامت خلالها بتأمين دلجا وعزلها عن القرى المحيطة ومنع الدخول أو الخروج منها لضبط المطلوبين بالإضافة لفرق فرض السيطرة التي انتشرت في كل أركان القرية.
وبينما استمر تقدم القوات، حلقت مروحيات القوات المسلحة لتشكل ستار مسح جوي للتأكد من فرض السيطرة الأمنية. وكشف مصدر أمني أن القرية معروف عنها وجود أسلحة وهو ما أكدته تحريات أجهزة البحث الجنائي والأمن الوطني. وفسر المصدر أهمية استخدام الطائرات بخطورة بعض العناصر الموجودة بالقرية واحتمال لجوء الخارجين عن القانون لأسطح المنازل واستهداف القوات على الأرض. واستقبل أهالي القرية القوات الأمنية بالتهليل والفرحة، لعودة السيطرة الأمنية للقرية مرددين هتاف «الجيش والشرطة والشعب ايد واحدة». وضبطت الشرطة نحو مائة من سكان «دلجا» من أعمار مختلفة في أول يومين من المداهمة وأكدت أنه صدرت بشأنهم أوامر ضبط وإحضار من النيابة العامة لتورطهم بالفعل أو التحريض على اقتحام وحرق مركز شرطة ديرمواس ونقطة شرطة دلجا ودير السيدة العذراء والأنبا إبرام الأثري وبيوت أقباط بالقرية، بينما يتزايد السخط من جانب أهالي المقبوض عليهم، في الوقت الحالي، متهمين السلطات بتوجيه اتهامات لأبنائهم بناء على الخلفية السياسية دون جرائم حقيقية.
ويقول مصطفى فتحي، وهو محام بالقرية: كنا نتلهف لدخول الجيش والشرطة للتصدي للبلطجية الذين أرهبوا الأهالي وأحرقوا الكنائس.
ومن جانبه يقول الأب سلوانس لطفي، راعي كنيسة دير العذراء والأنبا إبرام لـ«الشرق الأوسط» إن «ثقافة البغض والحقد بين الأقباط والمسلمين ليست السائدة»، لافتا إلى أن الأسر المسلمة استضافت معظم الأسر القبطية بعد حالة الترهيب الأخيرة.
ويزيد أحمد عباس، وهو معلم من القرية: «نرحب كأهالي بالجيش والشرطة، فلا يوجد من الأهالي من يكره أن يعيش في أمن، لكننا لم نتوقع ما يحدث، فالأمن ترك البلطجية وتفرغ لضبط أئمة المساجد والشيوخ المحترمين وبعضهم ممن اختارتهم الأوقاف كوعاظ»، مشيرا إلى أن «البلطجية الذين يسيئون لسمعة القرية قد يزيد عددهم عن 100 ولم يضبط منهم إلا أفراد قليلون». وتنظر الجماعة الإسلامية بتشكك للحملة الأمنية على القرية التي وصفتها بأنها حملة «غير مناسبة» تستهدف المتظاهرين المعارضين للإطاحة بمرسي. واعتبر بيان الجماعة أن الحملة الأمنية على «دلجا» تثبت براءة التيار الإسلامي من تهم الاعتداء على المسيحيين متهمة «البلطجية» الذين قالت: «إنه تربطهم علاقات قوية بالأجهزة الأمنية، بالاعتداء على المسيحيين».
ومن جانبه قال اللواء أسامة متولي، مساعد وزير الداخلية لأمن المنيا، لـ«الشرق الأوسط»: «ما من شك أن قرية دلجا كان لديها مشكلة أمنية وكلنا نعرف ما حدث في دلجا بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، والتداعيات والأحداث المؤسفة»، واستطرد مدير الأمن قائلا: «إلا أنه كان لا بد لنا أن ندرس المكان دراسة جيدة ونعرف الطبيعة الجغرافية للمكان والتعداد السكاني لتأمين الأهالي وأن ندرس المداخل والمخارج للبلد».
وتابع أن «كل هذا جرى القيام به, قبل أن نقتحم مكانا أو ندخله لنضبط فيه عناصر إجرامية أو نضبط فيه ممنوعات». موضحا «هذا كله يستغرق وقتا، لأن تلك المواضيع تخضع للدراسة واعتبارات كثيرة جدا لنضمن أننا سندخل المكان ونسيطر ونضبط العناصر المطلوب ضبطها من قبل النيابة. وهذا ما حدث فعلا»، مشيرا إلى أن قوات الأمن لم تنه عملها وما زالت تواصل ضبط المطلوبين أمنيا في القرية، ومشددا على أن «تعداد سكان دلجا كبير جدا، وأغلبهم من الناس المحترمين والشرفاء الذين كانوا رافضين لما كان يحدث فيها». وبعد نحو ثلاثة أيام من دخول القوات الأمنية إلى القرية ما زال رجال الجيش والشرطة يبحثون عن المطلوبين، بينما توجد نقاط التفتيش على مداخل ومخارج القرية وفي عدة شوارع داخلها. ويشكو بعض السكان من صعوبة الحياة اليومية وإصابة التجارة والزراعة فيها بالشلل، إلا أن سوق القرية بدأ في العودة لطبيعته يوم الثلاثاء الماضي، والحركة فيه كانت طبيعية، بينما استأنفت المخابز عملها، لكن المواصلات من وإلى القرية متوقفة. لكن هاني يوسف، وبعد ليال من السهر في حراسة بيته، ذهب ليأخذ قسطا من الراحة وينام، على أمل أن تعود الحياة لطبيعتها في صباح اليوم التالي.



القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.


رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
TT

رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)

كشف الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، عن حزمة من ثلاث خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال «صومالي لاند»، مشيراً إلى التنسيق الوثيق مع شركائهم، بقيادة السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وقال الرئيس الصومالي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن هناك دولاً في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، دون أن يسميها: «لا أود تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض، ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».

واستدرك محمود قائلاً: «لكن رسالتنا واضحة للجميع بأن وحدة الصومال خط أحمر، وأن الصومال اتخذ مواقف لحماية الوحدة والسيادة الوطنية. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

وشدد على أهمية التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة لفوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره، مشيراً إلى أن السعودية، تعد شريكاً استراتيجياً محورياً لبلاده في دعم الاستقرار والوحدة، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.

ثلاث خطوات

وحول الخطوات التي تتخذها الحكومة الصومالية إزاء اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة، قال محمود: «أؤكد، وبأقصى درجات الوضوح والحزم، أن أي اعتراف بإقليم أرض الصومال – أو ما يُعرف بـ(صومالي لاند) – دولةً مستقلة يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة جمهورية الصومال الفيدرالية».

وزاد: «كما أن هذا الاعتراف الإسرائيلي، بإقليم أرض الصومال، يعد مخالفة جسيمة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الاتحاد الأفريقي التي تُجمع على احترام الحدود الموروثة للدول الأفريقية. وعلى هذا الأساس، اتخذ الصومال، وسيتخذ حزمة من الخطوات المتوازية».

وعدد الرئيس الصومالي، عدة خطوات بهذا الشأن، تبدأ من التحرك الدبلوماسي الفوري عبر الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، لرفض هذا الاعتراف وإبطاله قانونياً وسياسياً.

ولفت إلى أن بلاده، دعت بالفعل إلى عقد جلسة رسمية في مجلس الأمن الدولي بشأن هذا «الانتهاك الإسرائيلي السافر لسيادتنا ووحدتنا الوطنية»، مبيناً أنه تم عقد الجلسة، وكانت نصراً دبلوماسياً مهماً للصومال، لا سيما في ظل عضوية الصومال الحالية في مجلس الأمن الدولي.

وأضاف: «نُعرب هنا عن بالغ امتناننا لمواقف التضامن والتنديد التي صدرت عن الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنظمة الإيقاد، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من الشركاء الدوليين».

الخطوة الثانية من الخطة الصومالية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق الرئيس الصومالي، تتمحور في العمل على تنسيق موقف عربي وإسلامي وأفريقي موحد «ونثمّن عالياً أن السعودية كانت سبّاقة في إصدار بيان واضح وصريح استنكر أي مساس بوحدة الصومال».

مشيراً إلى أن «الموقف السعودي، هو موقف يعكس التزام المملكة الراسخ باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، زاد هذا الموقف رسوخاً ما أكده مجلس الوزراء السعودي من دعم ثابت ومبدئي للصومال في هذا الظرف الدقيق».

وزاد محمود: «نشير بتقدير بالغ إلى أن دولاً عربية وإسلامية وأفريقية عديدة، إضافة إلى دول من أميركا اللاتينية وآسيا، أصدرت بيانات تضامن وتنديد. ومن خلال صحيفتكم المرموقة، نتقدم إليهم جميعاً بالشكر والتقدير، مؤكدين أن الذاكرة الوطنية الصومالية ستحتفظ بهذا التضامن التاريخي».

الخطوة الثالثة من المسعى الصومالي لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق محمود، يتمحور في تعزيز الحوار الوطني الداخلي لمعالجة جميع القضايا السياسية في إطار الدولة الصومالية الواحدة، بعيداً عن أي إملاءات أو تدخلات خارجية.

السلم الإقليمي والدولي

وحول التخوف من أن يعيد هذا الاعتراف الإسرائيلي تشكيل الديناميكيات الإقليمية، وما يترتب عليه من مخاطر على أمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، قال محمود: «إن هذا الاعتراف – إذا لم يُواجَه بموقف حازم – ربما يفتح الباب أمام سابقة خطيرة ستزعزع الأمن والسلم الإقليميين والدوليين».

وفسّر ذلك بأن هذا الاعتراف، سيعمل على تشجع النزعات الانفصالية ليس فقط في القرن الأفريقي، بل في أفريقيا والعالم العربي عموماً، بما يهدد الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن ما تشهده بعض «الدول الشقيقة»، مثل السودان واليمن، خير دليل على كلفة تفكك الدول وانهيار بنيتها الوطنية.

أما فيما يتعلق بأثر هذا الاعتراف، بأمن بالبحر الأحمر، فقال الرئيس الصومالي: «نحن نتحدث عن شريان ملاحي عالمي وأمن قومي عربي بامتياز. وأي توتر سياسي أو أمني على السواحل الصومالية سينعكس مباشرة على أمن التجارة الدولية، وأمن الطاقة».

وأضاف: «سيمتد هذا الأثر الخطير، إلى استقرار الدول المشاطئة، وفي مقدمتهم السعودية ومصر والسودان وإريتريا واليمن والأردن. ومن هنا، فإن الحفاظ على وحدة الصومال يمثل ركيزة أساسية من ركائز أمن البحر الأحمر الجماعي».

مقدمة لهيمنة على المنطقة

وحاول الرئيس الصومالي قراءة الهدف الحقيقي لإسرائيل من هذا الاعتراف، ومدى اختبار ذلك لمعارضة الصومال التاريخية للانفصال، وقال: «نرى أن الهدف يتجاوز مجرد اعتراف سياسي».

وأضاف: «إن الهدف يتجاوز الهدف السياسي، ليشمل السعي إلى إيجاد موطئ قدم استراتيجي لإسرائيل في القرن الأفريقي وعلى مقربة مباشرة من البحر الأحمر، بما يتيح لها التأثير على مضيق باب المندب وتهديد الأمن القومي لكل الدول المشاطئة للبحر الأحمر».

وأوضح أن هذا التحرك، يمثل محاولة لاختبار صلابة الموقف الصومالي، والعربي، والأفريقي تجاه قضايا السيادة ووحدة الدول، «هنا أؤكد بجلاء أن معارضة الصومال للانفصال ليست موقفاً ظرفياً أو تكتيكياً، بل هي مبدأ وطني راسخ، يحظى بدعم عربي وأفريقي واسع، وفي طليعته دعم السعودية».

ولفت الرئيس الصومالي إلى أن المخطط الإسرائيلي بالاعتراف، ينقل الصراع في الشرق الأوسط إلى الأراضي الصومالية، «أقول بوضوح أننا لن نسمح بتحويل الصومال إلى ساحة لتصفية صراعات دولية أو إقليمية لا تخدم مصالح شعبنا ولا أمن منطقتنا».

وشدد على أن الصومال يتطلع إلى السلام، وإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة، وليس إلى استيراد أزمات الشرق الأوسط أو عسكرة سواحله ومياهه الإقليمية، «ونحن ننسق بشكل وثيق مع شركائنا العرب، وفي مقدمتهم السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب».

وأضاف: «إن التجارب أثبتت أن تفتيت الدول لا يصنع استقراراً، بل يخلق فراغات أمنية خطيرة لا تقتصر آثارها على دولة واحدة، بل تمتد إلى الإقليم بأسره. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

ودعا الرئيس الصومالي، الدول العربية، لا سيما المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، إلى إدراك أن الصومال يمثل البوابة الجنوبية لأمنها القومي، مجدداً دعوته للدول الأفريقية، خصوصاً دول الجوار الصومالي، إلى التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة إلى فوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (سفارة الصومال بالرياض)

العلاقات السعودية الصومالية

وعلى صعيد العلاقات السعودية – الصومالية، وأهميتها في تأمين البحر الأحمر، قال محمود: «إن العلاقات الثنائية، علاقات تاريخية واستراتيجية عميقة الجذور، تقوم على الأخوة، والدين، والمصير المشترك، حيث تُعد السعودية شريكاً استراتيجياً محورياً للصومال في دعم استقراره ووحدته، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية».

وأضاف: «ينظر الصومال بإعجاب وتقدير كبيرين إلى رؤية المملكة 2030، وما حققته من إنجازات تنموية واقتصادية غير مسبوقة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الوزراء. ونحن بصدد الاستفادة من الخبرات السعودية في هذه المجالات».

وتابع: «في الظرف الحالي أيضاً نحن على ثقة تامة بأن حكمة القيادة السعودية، وقوتها، وثقلها الإقليمي والدولي، تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في مساعدة الصومال على النهوض مجدداً قوياً، وموحداً، وعزيزاً».

وزاد: «نتطلع لأن تلعب الدبلوماسية السعودية، دوراً محورياً ورئيسياً، لحشد التأييد والتضامن للصومال بين الدول والمنظمات الدولية. وكما تعلمون، مرّ الصومال بظروف قاسية، لكنه اليوم يتعافى بوتيرة متسارعة».

وقال محمود: «في هذا السياق، نشعر بآلام الشعوب التي تمر اليوم بما مرّ به الصومال سابقاً، ونعرب عن تضامننا الصادق معها، ونشيد ونقف مع الدور الأخوي الصادق والمخلص، الذي تضطلع به السعودية تجاه اليمن، والسودان، وسوريا، وبإسهامها البارز في تعزيز استقرار المنطقة والعالم».

وعن انطباعه عند تلقيه، قرار مجلس الوزراء السعودي، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز أخيراً، الرافض لأي تقسيم لوحدة جمهورية الصومال، قال محمود: «تلقَّت الحكومة الفيدرالية في جمهورية الصومال قرار مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بتقدير بالغ وارتياح كبير».

وأضاف: «نعدّ هذا الموقف امتداداً للدعم التاريخي الذي تقدمه المملكة لوحدة الأراضي الصومالية وسيادتها. إن التأكيد الواضح من القيادة السعودية على رفض أي محاولات للمساس بوحدة الصومال يعكس عمق العلاقات الأخوية بين بلدينا، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويبعث برسالة مهمة إلى المجتمع الدولي حول أهمية احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».