الربيع لم يزهر بعد في "سيدي بوزيد" التونسية

صعوبة العيش.. ارتفاع البطالة.. وغياب المشاريع الاستثمارية

صورة عملاقة للبوعزيزي معلقة على جدار أحد المباني في سيدي بوزيد التونسية (الشرق الأوسط)
صورة عملاقة للبوعزيزي معلقة على جدار أحد المباني في سيدي بوزيد التونسية (الشرق الأوسط)
TT

الربيع لم يزهر بعد في "سيدي بوزيد" التونسية

صورة عملاقة للبوعزيزي معلقة على جدار أحد المباني في سيدي بوزيد التونسية (الشرق الأوسط)
صورة عملاقة للبوعزيزي معلقة على جدار أحد المباني في سيدي بوزيد التونسية (الشرق الأوسط)

ربما تكون مدينة «سيدي بوزيد» هي أشهر مدينة تونسية اليوم في العديد من أصقاع العالم.. ولا غرابة في الأمر بما أنها كانت مسرحا لاندلاع الشرارة الأولى للانتفاضة الشعبية التي شهدتها تونس، والتي بلغ صداها كل أنحاء المعمورة بعد أن أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011، لتلهم في ما بعد شعوبا عربية أخرى لتسير على المنوال نفسه، لتبرز ما يطلق عليه البعض «دول الربيع العربي».
ولكن ماذا جنى أهالي «سيدي بوزيد» من هذه الشهرة العالمية لمدينتهم؟ وهل تغير واقعهم اليومي؟ وهل كانت عوائد هذه الانتفاضة في حجم تطلعاتهم خاصة من حيث التنمية وفرص التشغيل للشباب؟
إلى الآن يصر أهالي «سيدي بوزيد» على وجوب اعتماد يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) كيوم وطني للاحتفال الرسمي بالثورة التونسية. ويعبرون عن عدم رضاهم لاعتماد يوم 14 يناير لهذا الاحتفال. ويوم 17 ديسمبر 2010 هو اليوم الذي أقدم فيه محمد البوعزيزي على إحراق نفسه أمام مقر محافظة «سيدي بوزيد» احتجاجا على احتجاز السلطات البلدية لعربته الصغيرة التي كان يستغلها لبيع الخضر والغلال، قبل أن يتوفى يوم 4 يناير 2011 بأحد المستشفيات بالعاصمة التونسية.

في انتظار قطار التنمية

عندما أحرق محمد البوعزيزي نفسه اندلعت التحركات الشعبية وسط مدينة «سيدي بوزيد» وفي كل أرجائها وأريافها، قبل أن تمتد إلى المحافظات المجاورة ثم باقي المدن التونسية، حتى يوم 14 يناير 2011 تاريخ مغادرة بن علي تونس والإعلان عن سقوط نظامه.
ولكن عدم رضا أهالي «سيدي بوزيد» لا يتعلق فقط بتاريخ الاحتفال الرسمي بالثورة التونسية، بل يتعداه إلى عدم رضاهم عن أحوال مدينتهم بعد نحو ثلاث سنوات من انتفاضتهم الشعبية التي رفعوا خلالها بالخصوص شعارات تنادي بالتشغيل والتنمية والحرية والكرامة. ولا يتوانى بعضهم عن القول إن أحوال معيشتهم «ازدادت سوءا»، وإن «قطار التنمية لم يتحرك بعد باتجاه مدينتهم» التي سقط فيها أول شهداء الثورة التونسية وجرحاها. ومن أبرز مظاهر غضب أهالي «سيدي بوزيد»، وعدم رضاهم عن أحوالهم، مشاهد الفوضى العارمة التي رافقت احتفالات المدينة بالذكرى الثانية للثورة يوم 17 ديسمبر 2012، حين اضطرت قوات الأمن إلى التدخل لحماية رئيس الجمهورية محمد المنصف المرزوقي، ومصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي)، اللذين حضرا هذا الاحتفال لإلقاء كلمات بالمناسبة، وتأمين مغادرتهما المكان، بعد تعمد البعض من الحاضرين إلقاء مقذوفات نحو المنصة الشرفية، وترديد شعارات مناوئة للسلطات تعبر عن خيبة أمل الأهالي لعدم الاهتمام بمدينتهم وتجاهلها وعدم إنجاز الوعود التي كان أكثر من مسؤول واحد قد تعهد بها في الذكرى الأولى للثورة.
يقول جمال (الذي فضل عدم ذكر اسمه كاملا)، وهو إعلامي تونسي من أصيلي «سيدي بوزيد»، تحدثت إليه «الشرق الأوسط» ويواكب كل التطورات في المدينة، إن «سيدي بوزيد لم يطرأ على مسيرة التنمية فيها تغيير يذكر»، وإنها «لم تشهد منذ 2011 بعث مشاريع استثمارية نوعية جديدة»، مضيفا بقوله «حتى المشاريع المبرمجة تعطلت مثل مشروع استخراج الفوسفات من المكناسي، إحدى معتمديات محافظة سيدي بوزيد». ويرى جمال أن المصاعب «تفاقمت بحكم الظرف الاقتصادي الصعب الذي تمر به تونس عموما»، وأن «البطالة لم تشهد أي نقص»، مستشهدا على ذلك بقوله «يوجد في معتمديتي (منزل بوزيان) و(المكناسي) التابعتين لمحافظة سيدي بوزيد نحو 7 آلاف شاب يحمل شهادة جامعية عليا ولم يشتغل بعد».

مصاعب بالجملة

أما صالح، وهو موظف في مؤسسة خاصة تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، فيؤكد بدوره أن «الحركية الاقتصادية تراجعت في المدينة، وأن أصحاب الأعمال يشهدون نقصا في أرقام معاملات مؤسساتهم بحكم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وبحكم تدني المقدرة الشرائية لأهالي سيدي بوزيد، وأن نسق التنمية يراوح مكانه بسبب تواضع البنية التحتية للمدينة التي لم تشهد أي تغيير، ومصاعب التمويل التي يصطدم بها الباعثون».
ويضيف صالح أن «نقص الأمطار وارتفاع كلفة الأسمدة، وأسعار البترول، أثرت بدورها بشكل كبير في مردود القطاع الزراعي لتزيد الطين بلة»، على حد قوله، علما بأن مدينة سيدي بوزيد مدينة تعتمد على النشاط الزراعي بشكل أساسي.
ويعتقد جمال العمري أنه «من مظاهر عدم رضا أهالي سيدي بوزيد عن أوضاعهم حدة درجة التفاعل مع الأحداث التي ما فتئت تشهدها تونس في هذه الفترة الانتقالية، حيث إنه غالبا ما يكون هذا التفاعل أكبر وأشد قوة وحتى عنفا مقارنة مع المدن الأخرى»، موضحا قوله «الأهالي لا يفرطون في أي مناسبة للتعبير عن شدة غضبهم من أوضاعهم التي لم تتغير». وآخر هذه الحوادث التي أثارت موجة عارمة من الاحتجاجات، ومواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن في سيدي بوزيد، حادثة اغتيال محمد البراهمي، عضو المجلس الوطني التأسيسي والقيادي في التيار الشعبي (حزب قومي عربي) يوم 25 يوليو (تموز) في العاصمة التونسية، وهو من أصيلي مدينة سيدي بوزيد. وفي هذا الصدد يقول جمال إن «هذا العامل قد يكون رفع من درجة تعبير أهالي المدينة عن غضبهم»، لكن السبب الأعمق حسب رأيه أن «هناك قناعة عند الكثيرين من أهالي سيدي بوزيد بأن الثورة التي اندلعت شرارتها الأولى من ربوع مدينتهم لم تحقق لهم شيئا يذكر».

من أجل إجراءات استثنائية

وحول أسباب تعطل التنمية في المدينة رغم اقتناع الجميع بحقها في ذلك قال صالح لـ«الشرق الأوسط»: «لا جديد حتى الآن يمكن أن يشجع الباعثين الخواص على الاستثمار في سيدي بوزيد.. فالمنطقة الصناعية القديمة في حالة يرثى لها.. وهي لا تضم غير محلات لخزن البضائع.. ولا يصنع فيها أي شيء تقريبا.. وبالتالي فإن قدرتها التشغيلية تبقى ضعيفة. أما المنطقة الصناعية الجديدة في جهة لسودة فقد تأخر وتعثر استكمالها بحكم وجود مصاعب في ربطها بشبكة التطهير». ويضيف صالح «هناك مشاريع أخرى ينتظر أصحابها منذ فترة طويلة إنجازها، واصطدموا بمشكلة تغيير صبغة الأراضي التي ستقام عليها، من أراض زراعية إلى أراض صالحة لإقامة مشاريع صناعية، مما دفع بعضهم إلى غض الطرف عنها بحكم البطء الذي تعرفه هذه العملية». ويضيف بمرارة واضحة «لا شيء غير البطء.. والحال أنه كان يتوجب منذ الأيام الأولى للثورة إقرار تشجيعات استثنائية لاستقطاب أكبر عدد من المستثمرين نحو المدينة».
ويشاطره في هذا الرأي جمال الذي يرى أنه «يتوجب وضع سيدي بوزيد والمدن المشابهة لها في المناطق الداخلية التونسية التي تقع بعيدا عن الشريط الساحلي التونسي على رأس قائمة الأولويات، خاصة عند برمجة المشاريع العمومية الكبرى حتى تتم معالجة الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة التي لم تنطلق من سيدي بوزيد صدفة، بل جاءت نتيجة للواقع الصعب الذي عاشته الجهة عقودا ولا يزال كما هو اليوم» حسب قوله، مضيفا أن «مثل هذا الشعور سيتواصل في غياب وضع خطة تنموية متكاملة توفر للمدينة مقومات حقيقية لتغيير واقعها والقضاء على الفقر والتهميش والخصاصة بين سكانها».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.