الربيع لم يزهر بعد في "سيدي بوزيد" التونسية

صعوبة العيش.. ارتفاع البطالة.. وغياب المشاريع الاستثمارية

صورة عملاقة للبوعزيزي معلقة على جدار أحد المباني في سيدي بوزيد التونسية (الشرق الأوسط)
صورة عملاقة للبوعزيزي معلقة على جدار أحد المباني في سيدي بوزيد التونسية (الشرق الأوسط)
TT

الربيع لم يزهر بعد في "سيدي بوزيد" التونسية

صورة عملاقة للبوعزيزي معلقة على جدار أحد المباني في سيدي بوزيد التونسية (الشرق الأوسط)
صورة عملاقة للبوعزيزي معلقة على جدار أحد المباني في سيدي بوزيد التونسية (الشرق الأوسط)

ربما تكون مدينة «سيدي بوزيد» هي أشهر مدينة تونسية اليوم في العديد من أصقاع العالم.. ولا غرابة في الأمر بما أنها كانت مسرحا لاندلاع الشرارة الأولى للانتفاضة الشعبية التي شهدتها تونس، والتي بلغ صداها كل أنحاء المعمورة بعد أن أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011، لتلهم في ما بعد شعوبا عربية أخرى لتسير على المنوال نفسه، لتبرز ما يطلق عليه البعض «دول الربيع العربي».
ولكن ماذا جنى أهالي «سيدي بوزيد» من هذه الشهرة العالمية لمدينتهم؟ وهل تغير واقعهم اليومي؟ وهل كانت عوائد هذه الانتفاضة في حجم تطلعاتهم خاصة من حيث التنمية وفرص التشغيل للشباب؟
إلى الآن يصر أهالي «سيدي بوزيد» على وجوب اعتماد يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) كيوم وطني للاحتفال الرسمي بالثورة التونسية. ويعبرون عن عدم رضاهم لاعتماد يوم 14 يناير لهذا الاحتفال. ويوم 17 ديسمبر 2010 هو اليوم الذي أقدم فيه محمد البوعزيزي على إحراق نفسه أمام مقر محافظة «سيدي بوزيد» احتجاجا على احتجاز السلطات البلدية لعربته الصغيرة التي كان يستغلها لبيع الخضر والغلال، قبل أن يتوفى يوم 4 يناير 2011 بأحد المستشفيات بالعاصمة التونسية.

في انتظار قطار التنمية

عندما أحرق محمد البوعزيزي نفسه اندلعت التحركات الشعبية وسط مدينة «سيدي بوزيد» وفي كل أرجائها وأريافها، قبل أن تمتد إلى المحافظات المجاورة ثم باقي المدن التونسية، حتى يوم 14 يناير 2011 تاريخ مغادرة بن علي تونس والإعلان عن سقوط نظامه.
ولكن عدم رضا أهالي «سيدي بوزيد» لا يتعلق فقط بتاريخ الاحتفال الرسمي بالثورة التونسية، بل يتعداه إلى عدم رضاهم عن أحوال مدينتهم بعد نحو ثلاث سنوات من انتفاضتهم الشعبية التي رفعوا خلالها بالخصوص شعارات تنادي بالتشغيل والتنمية والحرية والكرامة. ولا يتوانى بعضهم عن القول إن أحوال معيشتهم «ازدادت سوءا»، وإن «قطار التنمية لم يتحرك بعد باتجاه مدينتهم» التي سقط فيها أول شهداء الثورة التونسية وجرحاها. ومن أبرز مظاهر غضب أهالي «سيدي بوزيد»، وعدم رضاهم عن أحوالهم، مشاهد الفوضى العارمة التي رافقت احتفالات المدينة بالذكرى الثانية للثورة يوم 17 ديسمبر 2012، حين اضطرت قوات الأمن إلى التدخل لحماية رئيس الجمهورية محمد المنصف المرزوقي، ومصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي)، اللذين حضرا هذا الاحتفال لإلقاء كلمات بالمناسبة، وتأمين مغادرتهما المكان، بعد تعمد البعض من الحاضرين إلقاء مقذوفات نحو المنصة الشرفية، وترديد شعارات مناوئة للسلطات تعبر عن خيبة أمل الأهالي لعدم الاهتمام بمدينتهم وتجاهلها وعدم إنجاز الوعود التي كان أكثر من مسؤول واحد قد تعهد بها في الذكرى الأولى للثورة.
يقول جمال (الذي فضل عدم ذكر اسمه كاملا)، وهو إعلامي تونسي من أصيلي «سيدي بوزيد»، تحدثت إليه «الشرق الأوسط» ويواكب كل التطورات في المدينة، إن «سيدي بوزيد لم يطرأ على مسيرة التنمية فيها تغيير يذكر»، وإنها «لم تشهد منذ 2011 بعث مشاريع استثمارية نوعية جديدة»، مضيفا بقوله «حتى المشاريع المبرمجة تعطلت مثل مشروع استخراج الفوسفات من المكناسي، إحدى معتمديات محافظة سيدي بوزيد». ويرى جمال أن المصاعب «تفاقمت بحكم الظرف الاقتصادي الصعب الذي تمر به تونس عموما»، وأن «البطالة لم تشهد أي نقص»، مستشهدا على ذلك بقوله «يوجد في معتمديتي (منزل بوزيان) و(المكناسي) التابعتين لمحافظة سيدي بوزيد نحو 7 آلاف شاب يحمل شهادة جامعية عليا ولم يشتغل بعد».

مصاعب بالجملة

أما صالح، وهو موظف في مؤسسة خاصة تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، فيؤكد بدوره أن «الحركية الاقتصادية تراجعت في المدينة، وأن أصحاب الأعمال يشهدون نقصا في أرقام معاملات مؤسساتهم بحكم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وبحكم تدني المقدرة الشرائية لأهالي سيدي بوزيد، وأن نسق التنمية يراوح مكانه بسبب تواضع البنية التحتية للمدينة التي لم تشهد أي تغيير، ومصاعب التمويل التي يصطدم بها الباعثون».
ويضيف صالح أن «نقص الأمطار وارتفاع كلفة الأسمدة، وأسعار البترول، أثرت بدورها بشكل كبير في مردود القطاع الزراعي لتزيد الطين بلة»، على حد قوله، علما بأن مدينة سيدي بوزيد مدينة تعتمد على النشاط الزراعي بشكل أساسي.
ويعتقد جمال العمري أنه «من مظاهر عدم رضا أهالي سيدي بوزيد عن أوضاعهم حدة درجة التفاعل مع الأحداث التي ما فتئت تشهدها تونس في هذه الفترة الانتقالية، حيث إنه غالبا ما يكون هذا التفاعل أكبر وأشد قوة وحتى عنفا مقارنة مع المدن الأخرى»، موضحا قوله «الأهالي لا يفرطون في أي مناسبة للتعبير عن شدة غضبهم من أوضاعهم التي لم تتغير». وآخر هذه الحوادث التي أثارت موجة عارمة من الاحتجاجات، ومواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن في سيدي بوزيد، حادثة اغتيال محمد البراهمي، عضو المجلس الوطني التأسيسي والقيادي في التيار الشعبي (حزب قومي عربي) يوم 25 يوليو (تموز) في العاصمة التونسية، وهو من أصيلي مدينة سيدي بوزيد. وفي هذا الصدد يقول جمال إن «هذا العامل قد يكون رفع من درجة تعبير أهالي المدينة عن غضبهم»، لكن السبب الأعمق حسب رأيه أن «هناك قناعة عند الكثيرين من أهالي سيدي بوزيد بأن الثورة التي اندلعت شرارتها الأولى من ربوع مدينتهم لم تحقق لهم شيئا يذكر».

من أجل إجراءات استثنائية

وحول أسباب تعطل التنمية في المدينة رغم اقتناع الجميع بحقها في ذلك قال صالح لـ«الشرق الأوسط»: «لا جديد حتى الآن يمكن أن يشجع الباعثين الخواص على الاستثمار في سيدي بوزيد.. فالمنطقة الصناعية القديمة في حالة يرثى لها.. وهي لا تضم غير محلات لخزن البضائع.. ولا يصنع فيها أي شيء تقريبا.. وبالتالي فإن قدرتها التشغيلية تبقى ضعيفة. أما المنطقة الصناعية الجديدة في جهة لسودة فقد تأخر وتعثر استكمالها بحكم وجود مصاعب في ربطها بشبكة التطهير». ويضيف صالح «هناك مشاريع أخرى ينتظر أصحابها منذ فترة طويلة إنجازها، واصطدموا بمشكلة تغيير صبغة الأراضي التي ستقام عليها، من أراض زراعية إلى أراض صالحة لإقامة مشاريع صناعية، مما دفع بعضهم إلى غض الطرف عنها بحكم البطء الذي تعرفه هذه العملية». ويضيف بمرارة واضحة «لا شيء غير البطء.. والحال أنه كان يتوجب منذ الأيام الأولى للثورة إقرار تشجيعات استثنائية لاستقطاب أكبر عدد من المستثمرين نحو المدينة».
ويشاطره في هذا الرأي جمال الذي يرى أنه «يتوجب وضع سيدي بوزيد والمدن المشابهة لها في المناطق الداخلية التونسية التي تقع بعيدا عن الشريط الساحلي التونسي على رأس قائمة الأولويات، خاصة عند برمجة المشاريع العمومية الكبرى حتى تتم معالجة الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة التي لم تنطلق من سيدي بوزيد صدفة، بل جاءت نتيجة للواقع الصعب الذي عاشته الجهة عقودا ولا يزال كما هو اليوم» حسب قوله، مضيفا أن «مثل هذا الشعور سيتواصل في غياب وضع خطة تنموية متكاملة توفر للمدينة مقومات حقيقية لتغيير واقعها والقضاء على الفقر والتهميش والخصاصة بين سكانها».



«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».