نازك الملائكة... أنّثت القصيدة وثارت ضد فحولة الشعر العربي

15 عاماً على رحيل رائدة الشعر الحديث

نازك الملائكة
نازك الملائكة
TT

نازك الملائكة... أنّثت القصيدة وثارت ضد فحولة الشعر العربي

نازك الملائكة
نازك الملائكة

كان استذكار الأوساط الثقافية العربية والعراقية هذه الأيام الذكرى الخامسة عشرة لرحيل الشاعرة نازك الملائكة الذي صادف العشرين من يونيو (حزيران) عام 2007، مناسبةً لإعادة قراءة منجز هذه الشاعرة الرائدة بشكل خاص، ولإعادة تقييم منجز حركة الحداثة الشعرية الخمسينية بشكل عام، والتي كانت الشاعرة نازك الملائكة طرفاً أساسياً فيها.
ومن القضايا الخلافية التي أثارتها هذه المناسبة إشكالية مفهوم الريادة في حركة الشعر الحر، التي كان يتنافس عليها الشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك الملائكة. ومن الإشكاليات الثقافية الأخرى التي وُضعت موضع المساءلة قضية تأنيث القصيدة العربية، هذه القصيدة التي ظلت طيلة أكثر من خمسة عشر قرناً تقترن بالفحولة وهيمنة المنظور الذكوري عليها. كما توقف النقاد والباحثون أمام الدوافع الحقيقية لنشوء حركة الحداثة الشعرية التي تمحورت حول ظهور حركة الشعر الحر.
وكان النقد العربي الحديث قد شهد عام 1954 حواراً نقدياً خصباً حول ريادة حركة الشعر وانقسم المتحاورون بين من يرى أسبقية قصيدة «الكوليرا» للشاعرة نازك الملائكة، ومن يرى أسبقية قصيدة «هل كان حباً؟» للشاعر بدر شاكر السياب.
وقد انطلق ذلك الحوار مباشرةً بعد أن نشرت مجلة «الآداب» قصيدة السياب الحرة الموسومة «هل كان حباً؟» عام 1954، وقد أسهمت مجلة «الأديب» فضلاً عن ذلك وعدد من الصحف والمجلات العربية والعراقية في هذا الحوار الخلافي.
وكانت الشاعرة نازك الملائكة قد ذكرت في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» الصادر عام 1962، وكذلك في دراستها الموسومة «حركة الشعر الحر في العراق» المنشورة في العدد الأول من مجلة «الآداب» اللبنانية الصادر عام 1953، أن قصيدتها «الكوليرا» كانت أول قصيدة حرة الوزن، حيث نشرت لأول مرة في السابع والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1947 قصيدتها «الكوليرا» في مجلة «العروبة» اللبنانية، أي بعد شهرين من كتابتها. وسبق للشاعرة أن كشفت عن الظروف التي حفّزتها على كتابة قصيدتها تلك، والتي اقترنت بانتشار مرض الكوليرا في مصر وتسببه في موت الآلاف من الضحايا، مما جعلها تشعر بالتعاطف مع ضحايا الكارثة، وتشرع بكتابة قصيدتها التي لم تستغرق منها سوى ساعة واحدة، ويبدو أنها لحماستها وانفعالها لم تتقيد بالضوابط التقليدية للقصيدة الخليلية وأوزانها وقوافيها، فأحدثت خروجاً غير مألوف على الوزن والقافية، وإهمالاً واضحاً لوحدة القافية. وقد بادرت الشاعرة مباشرةً لعرض القصيدة على شقيقتها إحسان التي رحّبت بها وبالتغييرات التي أحدثتها، لكنّ القصيدة قوبلت بالرفض من والديها، وكانا شاعرين تقليديين، وأكدا أنها ستواجه الفشل والرفض، لكنها قالت لهما بثقة إن قصيدتها هذه ستغيِّر مسار الشعر العربي. ويبدو أن نبوءتها تلك كانت صائبة إلى حد كبير. فقد كانت القصيدة، فضلاً عن قصيدة السياب، حافزاً للخروج من حالة الجمود، والانفتاح على التجديد والمغايرة، وطرح الأنموذج الشعري الجديد الذي اعتمد على عدد التفاعيل المتغيرة في البيت الواحد، وتجاوز شكل العمود الشعري التقليدي القائم على نظام الشطرين.
وكان الشاعر بدر شاكر السياب، من جهة أخرى، قد كتب في مجلة «الآداب» اللبنانية عام 1954، تعقيباً على الحوار الذي أطلقته قصيدته «هل كان حباً؟» أن ديوانه الأول «أزهار ذابلة» المطبوع في مصر، وصل إلى العراق عام 1947، وكانت قصيدته «هل كان حباً؟» ضمن قصائد الديوان وتحمل تاريخاً سابقاً هو 29-11-1946، كما أن مقدمة روفائيل بطي للديوان كانت مؤرخة بتاريخ 31-10-1947، إلا أن الديوان لم يصل إلى العراق إلا عام 1948. وهذا التاريخ يجعل السياب في رأي عدد من النقاد، الرائد الأول لكتابة قصيدة «الشعر الحر» آنذاك، وهو أمرٌ لا يتفق عليه أكثر النقاد الذين يرون أن موضوع الريادة أوسع من ذلك بكثير، ولا يمكن أن يقتصر على من نشر أول قصيدة من الشعر الحر، أو كما يقال «مَن علّق الجرس أولاً؟»، لأن للريادة اشتراطاتها الخاصة وضوابطها الفنية والاجتماعية والثقافية، كما أن مسألة البدايات ليست هي المعيار الوحيد الذي يمكن الاحتكام إليه دائماً، بسبب ظهور قصائد كثيرة قريبة من شكل قصيدة الشعر الحر، كُتبت قبل هذا التاريخ، منها قصائد للشاعر علي أحمد باكثير، والشاعر محمد فريد أبو حديد، والدكتور لويس عوض الذي أصدر ديواناً شعرياً كاملاً باسم «بلوتولاند» عام 1947.
فالريادة كما يتفق أغلب الباحثين تفترض القدرة على أن يتحول النموذج الشعري الجديد إلى أمثولة تُقتدى، وقوة مؤثرة في تجديد مسار الحياة الشعرية، تدفع ببقية شعراء المرحلة إلى الاحتذاء به، وتقليده. ويمكن القول إن تجربة نازك الملائكة تلك، إلى جانب تجربة قصيدة السياب، كانتا لهما مثل هذا التأثير. ومن المؤكد أن كتابات الشاعرة نازك الملائكة التنظيرية والتقعيدية، التي وضعت الكثير من الضوابط الأساسية لقصيدة الشعر الحر، كان لها أثر كبير في تعزيز أحقيتها بالريادة. وكانت نازك الملائكة قد كتبت مقدمة شاملة وجريئة لديوانها الشعري «شظايا ورماد» الصادر عام 1949 وضعت فيه الخطوط المنهجية العريضة لولادة قصيدة الشعر الحر، مما يجعل هذه المقدمة، كما يرى أغلب النقاد، بمثابة «مانفيستو» أو بيان شعري، عن حركة الحداثة الشعرية الخمسينية. لكن الاستدراك النقدي على هذا الحكم يتأتى من التراجع الملحوظ الذي أعلنت عنه الشاعرة بمواصلة مشروعها لتطوير قصيدة الشعر الحر، الذي سبق لها أن بشّرت به في ديوانها السابق «شظايا ورماد» مما رجّح كفة السياب في المنافسة.
ففي المقدمة التي كتبتها الشاعرة نازك الملائكة لديوانها «شجرة القمر» الصادر عام 1967، دعوة للعودة إلى القصيدة العمودية، وبشكل خاص من خلال الالتزام بالتقفية الموحدة والأوزان العروضية الخليلية ورفض التجديد اللغوي. إذْ قالت الشاعرة في مقدمتها تلك: «وإني لعلى يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية، بعد أن خاضوا في الخروج عليها، والاستهانة بها». لكن الشاعرة استدركت على ذلك بالقول: «وليس معنى هذا أن الشعر الحر سيموت، وإنما سيبقى قائماً يستعمله الشاعر لبعض أغراضه ومقاصده، دون أن يتعصب له، ويترك الأوزان العربية الجميلة». كما انتقدت الشاعرة شعراء «قصيدة النثر» وبشكل خاص إهمالهم الالتزام بالقافية، ولم تبرّئ نفسها من هذه التهمة أيضاً:
«ومما أحب أن أعلن أسفي له أنني في شعري الحر لم أُعنَ عناية أكبر بالقافية، فكنت أغيّر القافية سريعاً، وأتناول غيرها، وهذا يُضعف من الشعر الحر. ولهذا بتُّ أدعو إلى أن يرتكز الشعر إلى نوع من القافية الموحدة، ولو توحيداً جزئياً، لأن تحميه من ضعف الرنين وانفلات الشكل، وتزيده جمالاً».
إن تراجع نازك الملائكة هذا الذي عُدَّ، في نظر بعض النقاد، ارتداداً خطيراً، دفع بعدد من النقاد إلى التقليل من أهمية مشروعها التجديدي والادعاء بهشاشته، وهو حكمٌ غير منصف. فهي أول من أشعل النار في ركام القش اليابس، وهي التي فتحت الطريق أمام التجديد الشعري. ولا علاقة بتراجعها اللاحق، بما حققته في البداية من ريادة جريئة لحركة التجديد الشعري، المتمثلة في قصيدة الشعر الحر.
وقد لاحظنا أن الشاعرة في فهمها لطبيعة الخلق الشعري تكاد تنطلق من موقف رومانسي في تفسير طبيعة التجربة الشعرية. فهي تذهب إلى أن التجربة الشعرية بشكل عام إنما هي تعبير عن ذات الشاعر ومشاعره. وهذا الرأي يكاد يكون صدى للموقف الرومانسي الذي عبّر عنه الشاعر الرومانسي الإنجليزي (وردزورث) في المقدمة التي كتبها لديوان «حكايات غنائية» والتي قال فيها إن الشعر هو تعبير عن مشاعر قوية ومحتدمة تنطلق في لحظة هدوء. ومثل هذا الرأي الرومانسي يختلف جذرياً عن رأي أحد شعراء الحداثة الكبار وهو ت.س. إليوت الذي يرى أن الشعر ليس تعبيراً عن المشاعر الشخصية، وإنما هو هروب منها، لأنه ينحو إلى خلق بنية موضوعية للشعر، بعيداً عن المشاعر الذاتية للشاعر.
ومن هنا يمكن القول إن نازك الملائكة، بفضل قدراتها النقدية والتنظيرية استطاعت أن تلعب دوراً متميزاً بين أقرانها. ومما يلفت الانتباه أنه لم يسبق وأن تجاسر شاعر عربي طيلة خمسة عشرة قرناً على التحرش بنظام العروض الخليلي، إلى أن جاءت امرأة وفعلت ذلك، عندما قامت الشاعرة نازك الملائكة بمهاجمة عمود الشعر واتهامه بالجمود والتحجر، فعُدَّ موقفها هذا بمثابة ثورة أنثوية ضد فحولة الشعر العربي وفحولته عبر التاريخ. وقد احتفى بعض النقاد، وبشكل خاص الناقدات، بهذا المنجز وعدّوه مظهراً من مظاهر صعود النزعة الأنثوية والنسوية التي تأطرت تحت مشروع النقد النسوي criticism feminist فقد هللت الناقدة د. نادية هناوي لهذه الشجاعة وعدّتها مظهراً من مظاهر محاولة المرأة استعادة موقعها الطبيعي، بعد أن هيمن الخطاب الذكوري على الثقافة والحياة. وقد لفت الناقد الدكتور عبد الله الغذامي في دراسة مهمة له نشرتها مجلة «فصول» المصرية عام 1997 إلى ظاهرة تأنيث القصيدة الحرة الذي حققته تجربة الشاعرة العراقية نازك الملائكة آنذاك.
تظل تجربة نازك الشعرية الخصبة والمجددة، فضلاً عن تجربتها النقدية الغزيرة، محط اهتمام النقاد والدارسين العرب باستمرار، لأنها تكشف عن الكثير من الأوجه الجديدة التي لم يتناولها النقد بالدراسة، والتي تدفع بالنقاد إلى معالجتها في ضوء المزيد من المقاربات والمناهج الجديدة.



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.