نازك الملائكة... أنّثت القصيدة وثارت ضد فحولة الشعر العربي

15 عاماً على رحيل رائدة الشعر الحديث

نازك الملائكة
نازك الملائكة
TT

نازك الملائكة... أنّثت القصيدة وثارت ضد فحولة الشعر العربي

نازك الملائكة
نازك الملائكة

كان استذكار الأوساط الثقافية العربية والعراقية هذه الأيام الذكرى الخامسة عشرة لرحيل الشاعرة نازك الملائكة الذي صادف العشرين من يونيو (حزيران) عام 2007، مناسبةً لإعادة قراءة منجز هذه الشاعرة الرائدة بشكل خاص، ولإعادة تقييم منجز حركة الحداثة الشعرية الخمسينية بشكل عام، والتي كانت الشاعرة نازك الملائكة طرفاً أساسياً فيها.
ومن القضايا الخلافية التي أثارتها هذه المناسبة إشكالية مفهوم الريادة في حركة الشعر الحر، التي كان يتنافس عليها الشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك الملائكة. ومن الإشكاليات الثقافية الأخرى التي وُضعت موضع المساءلة قضية تأنيث القصيدة العربية، هذه القصيدة التي ظلت طيلة أكثر من خمسة عشر قرناً تقترن بالفحولة وهيمنة المنظور الذكوري عليها. كما توقف النقاد والباحثون أمام الدوافع الحقيقية لنشوء حركة الحداثة الشعرية التي تمحورت حول ظهور حركة الشعر الحر.
وكان النقد العربي الحديث قد شهد عام 1954 حواراً نقدياً خصباً حول ريادة حركة الشعر وانقسم المتحاورون بين من يرى أسبقية قصيدة «الكوليرا» للشاعرة نازك الملائكة، ومن يرى أسبقية قصيدة «هل كان حباً؟» للشاعر بدر شاكر السياب.
وقد انطلق ذلك الحوار مباشرةً بعد أن نشرت مجلة «الآداب» قصيدة السياب الحرة الموسومة «هل كان حباً؟» عام 1954، وقد أسهمت مجلة «الأديب» فضلاً عن ذلك وعدد من الصحف والمجلات العربية والعراقية في هذا الحوار الخلافي.
وكانت الشاعرة نازك الملائكة قد ذكرت في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» الصادر عام 1962، وكذلك في دراستها الموسومة «حركة الشعر الحر في العراق» المنشورة في العدد الأول من مجلة «الآداب» اللبنانية الصادر عام 1953، أن قصيدتها «الكوليرا» كانت أول قصيدة حرة الوزن، حيث نشرت لأول مرة في السابع والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1947 قصيدتها «الكوليرا» في مجلة «العروبة» اللبنانية، أي بعد شهرين من كتابتها. وسبق للشاعرة أن كشفت عن الظروف التي حفّزتها على كتابة قصيدتها تلك، والتي اقترنت بانتشار مرض الكوليرا في مصر وتسببه في موت الآلاف من الضحايا، مما جعلها تشعر بالتعاطف مع ضحايا الكارثة، وتشرع بكتابة قصيدتها التي لم تستغرق منها سوى ساعة واحدة، ويبدو أنها لحماستها وانفعالها لم تتقيد بالضوابط التقليدية للقصيدة الخليلية وأوزانها وقوافيها، فأحدثت خروجاً غير مألوف على الوزن والقافية، وإهمالاً واضحاً لوحدة القافية. وقد بادرت الشاعرة مباشرةً لعرض القصيدة على شقيقتها إحسان التي رحّبت بها وبالتغييرات التي أحدثتها، لكنّ القصيدة قوبلت بالرفض من والديها، وكانا شاعرين تقليديين، وأكدا أنها ستواجه الفشل والرفض، لكنها قالت لهما بثقة إن قصيدتها هذه ستغيِّر مسار الشعر العربي. ويبدو أن نبوءتها تلك كانت صائبة إلى حد كبير. فقد كانت القصيدة، فضلاً عن قصيدة السياب، حافزاً للخروج من حالة الجمود، والانفتاح على التجديد والمغايرة، وطرح الأنموذج الشعري الجديد الذي اعتمد على عدد التفاعيل المتغيرة في البيت الواحد، وتجاوز شكل العمود الشعري التقليدي القائم على نظام الشطرين.
وكان الشاعر بدر شاكر السياب، من جهة أخرى، قد كتب في مجلة «الآداب» اللبنانية عام 1954، تعقيباً على الحوار الذي أطلقته قصيدته «هل كان حباً؟» أن ديوانه الأول «أزهار ذابلة» المطبوع في مصر، وصل إلى العراق عام 1947، وكانت قصيدته «هل كان حباً؟» ضمن قصائد الديوان وتحمل تاريخاً سابقاً هو 29-11-1946، كما أن مقدمة روفائيل بطي للديوان كانت مؤرخة بتاريخ 31-10-1947، إلا أن الديوان لم يصل إلى العراق إلا عام 1948. وهذا التاريخ يجعل السياب في رأي عدد من النقاد، الرائد الأول لكتابة قصيدة «الشعر الحر» آنذاك، وهو أمرٌ لا يتفق عليه أكثر النقاد الذين يرون أن موضوع الريادة أوسع من ذلك بكثير، ولا يمكن أن يقتصر على من نشر أول قصيدة من الشعر الحر، أو كما يقال «مَن علّق الجرس أولاً؟»، لأن للريادة اشتراطاتها الخاصة وضوابطها الفنية والاجتماعية والثقافية، كما أن مسألة البدايات ليست هي المعيار الوحيد الذي يمكن الاحتكام إليه دائماً، بسبب ظهور قصائد كثيرة قريبة من شكل قصيدة الشعر الحر، كُتبت قبل هذا التاريخ، منها قصائد للشاعر علي أحمد باكثير، والشاعر محمد فريد أبو حديد، والدكتور لويس عوض الذي أصدر ديواناً شعرياً كاملاً باسم «بلوتولاند» عام 1947.
فالريادة كما يتفق أغلب الباحثين تفترض القدرة على أن يتحول النموذج الشعري الجديد إلى أمثولة تُقتدى، وقوة مؤثرة في تجديد مسار الحياة الشعرية، تدفع ببقية شعراء المرحلة إلى الاحتذاء به، وتقليده. ويمكن القول إن تجربة نازك الملائكة تلك، إلى جانب تجربة قصيدة السياب، كانتا لهما مثل هذا التأثير. ومن المؤكد أن كتابات الشاعرة نازك الملائكة التنظيرية والتقعيدية، التي وضعت الكثير من الضوابط الأساسية لقصيدة الشعر الحر، كان لها أثر كبير في تعزيز أحقيتها بالريادة. وكانت نازك الملائكة قد كتبت مقدمة شاملة وجريئة لديوانها الشعري «شظايا ورماد» الصادر عام 1949 وضعت فيه الخطوط المنهجية العريضة لولادة قصيدة الشعر الحر، مما يجعل هذه المقدمة، كما يرى أغلب النقاد، بمثابة «مانفيستو» أو بيان شعري، عن حركة الحداثة الشعرية الخمسينية. لكن الاستدراك النقدي على هذا الحكم يتأتى من التراجع الملحوظ الذي أعلنت عنه الشاعرة بمواصلة مشروعها لتطوير قصيدة الشعر الحر، الذي سبق لها أن بشّرت به في ديوانها السابق «شظايا ورماد» مما رجّح كفة السياب في المنافسة.
ففي المقدمة التي كتبتها الشاعرة نازك الملائكة لديوانها «شجرة القمر» الصادر عام 1967، دعوة للعودة إلى القصيدة العمودية، وبشكل خاص من خلال الالتزام بالتقفية الموحدة والأوزان العروضية الخليلية ورفض التجديد اللغوي. إذْ قالت الشاعرة في مقدمتها تلك: «وإني لعلى يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية، بعد أن خاضوا في الخروج عليها، والاستهانة بها». لكن الشاعرة استدركت على ذلك بالقول: «وليس معنى هذا أن الشعر الحر سيموت، وإنما سيبقى قائماً يستعمله الشاعر لبعض أغراضه ومقاصده، دون أن يتعصب له، ويترك الأوزان العربية الجميلة». كما انتقدت الشاعرة شعراء «قصيدة النثر» وبشكل خاص إهمالهم الالتزام بالقافية، ولم تبرّئ نفسها من هذه التهمة أيضاً:
«ومما أحب أن أعلن أسفي له أنني في شعري الحر لم أُعنَ عناية أكبر بالقافية، فكنت أغيّر القافية سريعاً، وأتناول غيرها، وهذا يُضعف من الشعر الحر. ولهذا بتُّ أدعو إلى أن يرتكز الشعر إلى نوع من القافية الموحدة، ولو توحيداً جزئياً، لأن تحميه من ضعف الرنين وانفلات الشكل، وتزيده جمالاً».
إن تراجع نازك الملائكة هذا الذي عُدَّ، في نظر بعض النقاد، ارتداداً خطيراً، دفع بعدد من النقاد إلى التقليل من أهمية مشروعها التجديدي والادعاء بهشاشته، وهو حكمٌ غير منصف. فهي أول من أشعل النار في ركام القش اليابس، وهي التي فتحت الطريق أمام التجديد الشعري. ولا علاقة بتراجعها اللاحق، بما حققته في البداية من ريادة جريئة لحركة التجديد الشعري، المتمثلة في قصيدة الشعر الحر.
وقد لاحظنا أن الشاعرة في فهمها لطبيعة الخلق الشعري تكاد تنطلق من موقف رومانسي في تفسير طبيعة التجربة الشعرية. فهي تذهب إلى أن التجربة الشعرية بشكل عام إنما هي تعبير عن ذات الشاعر ومشاعره. وهذا الرأي يكاد يكون صدى للموقف الرومانسي الذي عبّر عنه الشاعر الرومانسي الإنجليزي (وردزورث) في المقدمة التي كتبها لديوان «حكايات غنائية» والتي قال فيها إن الشعر هو تعبير عن مشاعر قوية ومحتدمة تنطلق في لحظة هدوء. ومثل هذا الرأي الرومانسي يختلف جذرياً عن رأي أحد شعراء الحداثة الكبار وهو ت.س. إليوت الذي يرى أن الشعر ليس تعبيراً عن المشاعر الشخصية، وإنما هو هروب منها، لأنه ينحو إلى خلق بنية موضوعية للشعر، بعيداً عن المشاعر الذاتية للشاعر.
ومن هنا يمكن القول إن نازك الملائكة، بفضل قدراتها النقدية والتنظيرية استطاعت أن تلعب دوراً متميزاً بين أقرانها. ومما يلفت الانتباه أنه لم يسبق وأن تجاسر شاعر عربي طيلة خمسة عشرة قرناً على التحرش بنظام العروض الخليلي، إلى أن جاءت امرأة وفعلت ذلك، عندما قامت الشاعرة نازك الملائكة بمهاجمة عمود الشعر واتهامه بالجمود والتحجر، فعُدَّ موقفها هذا بمثابة ثورة أنثوية ضد فحولة الشعر العربي وفحولته عبر التاريخ. وقد احتفى بعض النقاد، وبشكل خاص الناقدات، بهذا المنجز وعدّوه مظهراً من مظاهر صعود النزعة الأنثوية والنسوية التي تأطرت تحت مشروع النقد النسوي criticism feminist فقد هللت الناقدة د. نادية هناوي لهذه الشجاعة وعدّتها مظهراً من مظاهر محاولة المرأة استعادة موقعها الطبيعي، بعد أن هيمن الخطاب الذكوري على الثقافة والحياة. وقد لفت الناقد الدكتور عبد الله الغذامي في دراسة مهمة له نشرتها مجلة «فصول» المصرية عام 1997 إلى ظاهرة تأنيث القصيدة الحرة الذي حققته تجربة الشاعرة العراقية نازك الملائكة آنذاك.
تظل تجربة نازك الشعرية الخصبة والمجددة، فضلاً عن تجربتها النقدية الغزيرة، محط اهتمام النقاد والدارسين العرب باستمرار، لأنها تكشف عن الكثير من الأوجه الجديدة التي لم يتناولها النقد بالدراسة، والتي تدفع بالنقاد إلى معالجتها في ضوء المزيد من المقاربات والمناهج الجديدة.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».