كيف غير البشر المشهد الصوتي للمحيط؟

باحثو «كاوست» يقدمون مقترحات للحد من خطر الضوضاء على الحياة البحرية

هدير محركات القوارب ينتقل إلى مسافات بعيدة في أعماق المياه
هدير محركات القوارب ينتقل إلى مسافات بعيدة في أعماق المياه
TT

كيف غير البشر المشهد الصوتي للمحيط؟

هدير محركات القوارب ينتقل إلى مسافات بعيدة في أعماق المياه
هدير محركات القوارب ينتقل إلى مسافات بعيدة في أعماق المياه

«لقد غير البشر المشهد الصوتي للمحيط؛ إذ أدى سلوكهم إلى إسكات الصوت المتميز للكائنات البحرية التي تستخدمه للتفاعل مع بيئتها، مما يستدعي معه دق ناقوس الخطر». هكذا لخص البروفسور كارلوس دوارتي، أستاذ العلوم البحرية المتميز في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) وفريقه البحثي المشهد بعد توثيق أدلة قاطعة في أكثر من 10000 ورقة بحثية تشرح تأثير الضوضاء البشرية على الحيوانات والنظم البيئية البحرية حول العالم ابتداء من اللافقاريات وصولا للحيتان، وعبر دراسة مستويات متعددة من السلوك إلى علم وظائف الأعضاء، واستخلاص نتائج أكثر الدراسات الكمية صرامة حول مدى هذا التأثير.
نعلم أن المحيطات تغطي ثلثي مساحة كوكب الأرض، وتعد عنصراً متكاملاً وأساسياً في النظام البيئي وذات أهمية بالغة بالنسبة للتنمية المستدامة. إلا أنها تواجه اليوم تحديات وأخطاراً كبيرة من صنع الإنسان تؤثر على التنوع البيولوجي البحري والساحلي، بما فيها ابيضاض المرجان وتحمض المحيطات ومصايد الأسماك والضوضاء تحت الماء، إضافة إلى الاحترار العالمي.
وحسب أبحاث العلماء وتقارير الأمم المتحدة فإن محيطاتنا تسير في تدهور متسارع ينذر بالخطر بسبب الأنشطة البشرية التي تؤثر على قابلية الموائل البحرية للبقاء على نوعية المياه ودرجة حرارتها، وصحة الحياة البحرية، واستمرار توافر المأكولات البحرية. وهذا بدوره يؤثر على القضاء على الفقر، والنمو الاقتصادي، وسبل العيش المستدامة والعمالة، والأمن الغذائي العالمي، وصحة الإنسان، وتنظيم المناخ.

أهمية الصوت للأحياء
يعد الصوت مهما جدا للعديد من الحيوانات البحرية، ويلعب دورا رئيسيا في الاتصال والملاحة والتوجيه والتغذية والكشف عن الأنواع المفترسة. وقد أشار تقرير صدر عن الأمم المتحدة في عام 2012 إلى أن الضوضاء التي يحدثها الإنسان في البيئة البحرية قد زادت بشكل كبير على مدار آخر 100 سنة تقريبا نظرا لزيادة استعمال البشر للمحيطات، وتنوع هذه الاستعمالات.
وأشار التقرير إلى أن الخواص المميزة للصوت تحت الماء وقيود الحواس الأخرى مثل الرؤية واللمس والتذوق والشم في البيئة البحرية من حيث مدى إرسال الإشارات وسرعتها تعني أن الصوت هو وسيط الاستشعار المفضل لنسبة كبيرة من الحيوانات البحرية. وتعتمد معظم الفقاريات البحرية تقريبا إلى حد ما على الصوت لأداء مجموعة واسعة من الوظائف البيولوجية. وتستعمل الثدييات البحرية الصوت كوسيلة أولية للاتصال والاستشعار تحت الماء، ذلك أنها ترسل أصواتا للاتصال حول وجود خطر أو غذاء أو حيوان من نفس النوع أو من نوع آخر وأيضا للإشارة إلى موقعها وهويتها وحالتها الإنجابية أو إقليمها. ويعتمد العديد من الأنواع البحرية الأخرى على الصوت بشكل منتظم بما في ذلك أسماك العظميات واللافقاريات.
وتستعمل الأسماك الصوت للملاحة واختيار الموائل والتزاوج وتجنب الأنواع المفترسة والكشف عن الفرائس والاتصال. ويمكن أن تؤدي إعاقة قدرة الأسماك على سمع الأصوات المهمة بيولوجيا إلى التداخل مع هذه الوظائف الحاسمة.

ضوضاء المحيطات
ومنذ الثورة الصناعية أسهم البشر في جعل الكوكب، والمحيطات على وجه الخصوص، أكثر ضوضاءً؛ بسبب: سفن الشحن، والاستعمال العسكري، والمسوحات الزلزالية التي تنقب عن النفط والغاز، ورسم خرائط السونار لقاع المحيط، والبناء على السواحل، وكذلك مزارع الرياح.
ويمكن للاحترار العالمي أن يضفي مزيداً من التغير على «المشهد الصوتي للمحيطات»؛ حيث يفتح ذوبان القطب الشمالي المزيد من طرق الشحن، وكذلك يؤدي إلى تغير أنماط الرياح وهطول الأمطار.
غير أن مجال تغيير المشهد الصوتي للمحيطات لم يأخذ نصيبه من الاهتمام العالمي من حيث الدراسة والبحث والتوثيق، رغم دعوات الأمم المتحدة المتكررة إلى ضرورة رفع مستوى الجهود والإدارة، لتشجيع التوعية بالمسألة بصورة كبيرة، واتخاذ تدابير تقلل إلى أدنى حد آثار الضوضاء التي يحدثها الإنسان على التنوع البيولوجي البحري.
يقول دوارتي، وهو المؤلف الرئيسي للورقة البحثية عن المشهد الصوتي لمحيط الأنثروبوسين التي صُنفت باعتبارها الورقة العلمية الأكثر شعبية المنشورة في جميع المجالات، في شهر فبراير (شباط) 2021 إن «البحث يجري حول هذه القضية منذ ما يقرب من 50 عاماً، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تجميع جميع الأدلة المتناثرة وتقييمها بصورة منهجية».
ويعبر دوارتي عن اندهاشه من التناقض بين ثراء الأدلة والإهمال العام للمشكلة في المناقشات العلمية وعملية صنع السياسات.
ومن بين 538 ورقة تم اختيارها بعناية، كشفت 90 في المائة منها عن تأثيرات كبيرة للأصوات البشرية على الثدييات البحرية، بينما حدد 80 في المائة من التأثيرات التي تطال الأسماك واللافقاريات، مثل قنديل البحر. ويضيف دوارتي موضحاً «لا تزال هناك فجوة في فهمنا للتأثيرات على «الطيور الغواصة» التي تتميز بقدرتها على الغوص في أعماق المياه بحثا عن غذائها، و«السلاحف البحرية».
كما يعد النقل البحري مشكلة واسعة الانتشار، إذ ينتج عنه ضوضاء كبيرة تعيق تنقل الكائنات البحرية، وتمنعها من البحث عن الطعام والتواصل فيما بينها، كما تحد من قدرة الأسماك الصغيرة على تعلم تجنب الحيوانات المفترسة. وكان من المثير للقلق بشكل خاص تأثير الضوضاء على اليرقات التي تحاول الانتقال إلى الموائل المناسبة. ويوضح دوارتي: «إذا لم تستطع اليرقات الانتقال إلى موائلها، فمن المحتمل أن تموت جوعاً أو تؤكل».
وبسبب التلوث الضوضائي اضطر العديد من الكائنات البحرية للانتقال من موائلها الطبيعية، رغم أن الهروب ليس خياراً متاحاً دائماً، خاصة للأنواع التي تعيش في نطاقات المحددة، مثل «دلفين ماوي» المهدد بالانقراض والذي يعد أندر وأصغر الأنواع الفرعية المعروفة في العالم من الدلفين.

حلول علمية
في عام 2020 عندما فرض الإغلاق العالمي جراء جائحة «كوفيد - 19»، انخفضت مستويات الضوضاء الناتجة عن الشحن البحري بنسبة 20 في المائة، وفي هذه الأثناء شوهدت الدلافين وأسماك القرش، وهي تسبح في الممرات المائية التي كانت مزدحمة سابقاً. يقول دوارتي: «هذا دليل واعد على استجابة شبه فورية للحياة البحرية نتيجة التخفيف من آثار الضوضاء الناتجة عن الأنشطة البشرية».
وحسب دوارتي فإنه يُنظر للمحيط العميق المظلم على أنه نظام بيئي بعيد جداً، حتى من قبل علماء البحار، ولكنه نظام متصل صوتياً، ويتأثر بصورة كبيرة بمعظم الضوضاء البشرية التي تحدث على سطحه، حتى في أعماق تصل لـ1000 متر، ولا شك أن التخفيف من آثار الضوضاء الناتجة عن الأنشطة البشرية على الحياة البحرية هو مفتاح الحفاظ على المحيطات. ويتابع: «لقد حددنا في هذه الدراسة التي قادتها «كاوست» عدداً من الإجراءات السهلة والقابلة للتطبيق، للحد من ضجيج وضوضاء البشر على النظم البيئية في المحيطات، بهدف تعافي الحياة البحرية واستدامة المحيطات».
ويسلط الباحثون الضوء على عدة طرق لتخفيف الضوضاء، مثل: استخدام تقنيات نفاثة في تصميم السفن تقلل من الضوضاء والاهتزازات، تقليل سرعات الشحن، وتجهيز القوارب بمراوح أكثر هدوءاً، واستخدام توربينات الرياح العائمة. أما بالنسبة لأنشطة التجارب الزلزالية وعمليات الحفر والتنقيب تحت سطح البحر، يمثل نظام حاجز الفقاعات الهوائية تقنية واعدة تعتمد على نشر فقاعات هوائية حول منطقة العمل لتشكل حاجزاً منخفض التردد يعمل على خفض الصوت.
ويوضح دوارتي أن إدخال تعديلات وتحديثات على عُشر القوارب الأكثر ضوضاءً، مع تزويدها بمراوح أفضل، سيعود بفوائد واسعة النطاق. ومع ذلك، فإن النظم البيئية البحرية والتلوث الضوضائي قضية عابرة للحدود الدولية، مما يعني أن الحلول تتطلب اتفاقيات دولية ملزمة لاستعادة اقتصاد المحيطات المستدام.
تجدر الإشارة إلى أن البروفسور كارلوس دوارتي هو أستاذ متميز في علوم البحار. واعتباراً من أغسطس (آب) 2021 تم تصنيفه كأحد علماء الأحياء البحرية الرائدين على مستوى العالم استناداً لحجم اقتباسات المجلات العلمية من أبحاثه، وفقاً لتصنيف «سكوبس Scopus»، وهي قاعدة بيانات تحتوي على ملخصات ومراجع من مقالات منشورة في مجلات أكاديمية محكمة تصدرها دار Elsevier، الناشر المرموق للمجلات الأكاديمية.
كما تم تعيين دوارتي أيضاً في الأكاديمية الملكية الإسبانية للعلوم التي تأسست في عام 1847 لتعزيز التعاون بين العلماء، كمراسل أجنبي. وبصفته باحثا بحريا، اشتهر دوارتي بقدرته على العمل في أي مناخ، من البحار الاستوائية إلى المياه القطبية. كما يعمل عضوا في لجنة رفيعة المستوى لاقتصاد المحيط المستدام؛ وهي هيئة من 14 دولة مكلفة من الأمم المتحدة لوضع جدول أعمال للأنشطة المستدامة للمحيطات.



هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟
TT

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

توالت التحذيرات أخيراً وبشكل مكثف بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، إذ أشار رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت» إلى أن هذه التقنية قد تتحول إلى «نوع سيليكوني» جديد ينافس البشر، بينما قال موظف سابق في شركة «أنثروبيك» إن هناك احتمالاً كبيراً بأن نهلك جميعاً على يد هذه التقنية. كما يرى جيفري هينتون، الملقب بـ«الأب الروحي للذكاء الاصطناعي»، أننا قد نفقد السيطرة عليه تماماً في غضون عام واحد، كما كتب ماثيو سباركس(*). فهل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً حقيقياً بهذا القدر؟

تمرد الذكاء الاصطناعي... له دوافع بشرية

تحذر ميري أيتكين، التي عملت سابقاً في معهد «آلان تورينغ» وتشغل حالياً منصب شريك مؤسس في منظمة «Our AI Collective» غير الربحية، من قبول التنبؤات لمجرد مكانة أو سمعة من يطلقونها. وتدعو بدلاً من ذلك إلى النظر في الحقائق، التي لا تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد تحرر من السيطرة البشرية أو أنه على وشك القيام بذلك.

تقول أيتكين: «إنها رواية يتم ترويجها مراراً وتكراراً، ونحن نشهد موجات من الهلع الجماعي». وتضيف أنه إذا كان هناك شيء ما قد خرج عن المسار الصحيح أو تمرد، فهو ليس نماذج الذكاء الاصطناعي، بل البشر الذين يطورونها. فعندما تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي باختراق موقع حكومي أو أجهزة كمبيوتر تابعة لشركة أخرى، فإن ذلك يحدث لعدم وضع تدابير السلامة المناسبة أثناء الاختبارات، وهي اختبارات صُممت أصلاً لتقييم قدرة تلك النماذج على اختراق أجهزة الكمبيوتر. إننا ببساطة نشهد إخفاق الشركات في وضع ضمانات كافية.

نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي

كما تشير أيتكين إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي - وهو ما قد يشير إلى اقترابنا من «نقطة التفرد»، (singularity) حيث ينزلق الذكاء الاصطناعي في حلقة تحسين ذاتي تتسارع وتؤدي سريعاً إلى خلق «ذكاء اصطناعي عام» (AGI) - وتقول: «عندما تُطرح أفكار الذكاء الفائق هذه، فإنها تستند إلى سردية مثيرة وجذابة، لكن لا توجد أدلة ملموسة تدعمها. ولو كان هناك شيء بهذه القوة، لكنا قد رأينا مؤشرات عليه».

ومن جانبه، يقول أندرو روغويسكي، من جامعة ساري في المملكة المتحدة، إنه في الواقع لم يطرأ أي تغيير جوهري على مستوى المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي، رغم التقدم الذي أحرزته هذه التقنية. لكن الضجة الإعلامية تثار بين الحين والآخر بسبب حادثة ما أو عبارة رنانة وجذابة.

الطبيعة البشرية

ويقول روغويسكي: «من السهل جداً اختلاق هذا النوع من القصص المخيفة، فهي تلامس وتراً حساساً في النفس البشرية». وهو يعتقد أننا صنعنا - من خلال النماذج اللغوية الكبيرة - كياناً يبدو شبيهاً بنا لدرجة أنه يعكس صورتنا وكأننا ننظر في مرآة، إذ نُسقِط عليه كل السلوكيات والمخاوف البشرية، ولذا فإننا نشعر بالرعب منه.

الشركات تتصنّع مظاهر المسؤولية لخوفها من تشريعات تحدّ من عملها

إذا كان كل ذلك صحيحاً، فلماذا يطالب كثير من قادة شركات التكنولوجيا بإبطاء وتيرة أبحاث الذكاء الاصطناعي؟

ترى أيتكين أن هذا الحديث وسيلة لثني المشرعين عن سن قوانين قد تعيق عمل شركات الذكاء الاصطناعي؛ فمن خلال إظهار أنفسهم بمظهر المسؤولية، يقللون من الحاجة إلى تدخل حكومي. وتقول: «قصص الذكاء الاصطناعي الفائق هذه تخدم مصالح الشركات في الواقع، لأنها تثير الضجة والحماس، وتزيد حجم الاستثمارات».

مصالح الشركات... تجارية بحتة

والنتيجة هي أن هذه الشركات تجد نفسها تسير على حبل مشدود بين مسارين: فهي تطمئننا بأنها تتصرف بمسؤولية وأخلاقية عبر الدعوة إلى إبطاء وتيرة العمل (وهو أمر مستبعد الحدوث)، وفي الوقت نفسه تروج لأفكار الخيال العلمي حول الذكاء الاصطناعي الفائق لأن ذلك يصب في مصلحة أعمالها.

من جهته يعتقد روغويسكي أن هناك عاملاً آخر قد يزيد الأمور تعقيداً؛ فالاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات الذكاء الاصطناعي غير مستدامة، لذا فإن الإبطاء الرسمي للوتيرة قد يمنحها فرصة لتهدئة الأمور دون أن تخسر أمام منافسيها، بل وربما يعزز تفوقها.

قد تدرك الشركات أن زيادة حجم النماذج وتوسيع نطاقها ليسا أمراً ضرورياً لمهام العمل اليومية - مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني - ولذا فهي قد ترحب بفرصة تخفيف الوتيرة، وخفض التكاليف، وزيادة الإيرادات.

التخطيط للمخاطر المحتملة

ومع ذلك، وفي خضم كل هذا تبرز مخاوف مشروعة بشأن المستقبل وسط كل هذا؛ إذ يشير روغويسكي إلى وجود خطر حقيقي - وإن كان محدوداً - مرتبط بالذكاء الاصطناعي، وهو خطر يستوجب التعامل معه بجدية. وسواء ظهر النموذج المتطور بما يكفي لتشكيل هذا الخطر قريباً أو بعد سنوات، فإن الأمر يستحق التخطيط له مسبقاً.

ويشكك روغويسكي في أن أياً من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية يمتلك ذكاءً حقيقياً، لكنه يشير إلى أنه عند ظهور مثل هذا الذكاء، لا ينبغي توقع أن يبدو أو يتصرف مثلنا، إذ «ستكون هناك أنماط من التفكير والسلوك غريبة للغاية». ولذا، فإن محاولة رصد هذا النوع من الذكاء تزداد صعوبة، كما تزداد صعوبة التنبؤ بدوافعه المحتملة. ولهذا السبب، يعتقد أنه ينبغي لنا البدء بالفعل مناقشة الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الذكاء الاصطناعي.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
TT

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي

يحذر علماء المناخ من أن ما يقرب من 450 ألف شخص حول العالم قد يفقدون حياتهم بحلول شهر فبراير (شباط) المقبل نتيجة لارتفاع درجات الحرارة الناجم عن ظاهرة «إل نينيو» التي تسجل مستويات قياسية. وتستند هذه التقديرات إلى أعداد الوفيات التي نتجت سابقاً عن درجات الحرارة المتطرفة في مختلف أنحاء العالم، كما كتب مايكل لو بيغ في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

وتقول إميلي غروفر - كوبيك، من مجموعة «روديم»، (Rhodium Group)، وهي مؤسسة بحثية مستقلة: «نأمل أن تكون هذه المعلومات مفيدة للتوجه إلى تنفيذ إجراءات عملية، وأن تُتخذ قرارات لتوجيه الموارد مسبقاً». وقد تشمل هذه الإجراءات تكليف كوادر صحية بتفقد أحوال الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وضمان توافر كميات كافية من المياه للسكان، وتوفير مراوح، أو أجهزة تكييف الهواء.

وفيات نصف الكرة الجنوبي... أولاً

ستتركز معظم الوفيات خلال الأشهر القليلة المقبلة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، نظراً لأن الحرارة الإضافية ستتزامن مع فصلي الربيع والصيف هناك. ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر ظاهرة «إل نينيو» حتى حلول الربيع في نصف الكرة الأرضية الشمالي، ما يعني حدوث موجة أخرى من الوفيات في تلك المنطقة بعد شهر فبراير.

ثم.. تضرر الهند والباكستان

وتضيف غروفر - كوبيك: «سنشهد انتقال أعداد الوفيات المرتفعة بشكل غير معتاد نحو الشمال. وللأسف، أتوقع تماماً أن تتزايد هذه الأعداد». وتشير إلى أن الهند وباكستان قد تكونان من أكثر الدول تضرراً.

وتستند التقديرات التي وضعتها غروفر - كوبيك وفريقها -التي تشير إلى احتمال وفاة 450 ألف شخص، ونُشرت في تقرير صادر عن «مختبر تأثيرات المناخ» (Climate Impact Lab) بجامعة شيكاغو- إلى العلاقة المرصودة بين درجات الحرارة والوفيات الأعلى من المتوقع.

وتتخذ هذه العلاقة شكل منحنى يشبه حرف (U) باللغة الإنجليزية؛ حيث تزداد معدلات الوفيات في حالات البرد الشديد، أو الحرارة الشديدة، إلا أن الشكل الدقيق للمنحنى يختلف من مكان لآخر بناءً على عوامل عدة، مثل مدى تكيف السكان، والبنية التحتية مع درجات الحرارة المتطرفة، أو القدرة المالية على توفير وسائل التبريد، مثل مكيفات الهواء.

وقد قسمت دراسة أُجريت عام 2022 العالم إلى 24 ألف منطقة، وقدرت طبيعة هذه العلاقة لكل منطقة على حدة، وذلك بالاعتماد إما على بيانات تاريخية تعود لعقود مضت، أو من خلال الاستقراء، والمقارنة مع مناطق مشابهة.

توقعات الأشهر الستة المقبلة

ودمجت غروفر - كوبيك وزملاؤها هذا النهج مع التوقعات الموسمية الصادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF) لتقدير عدد الوفيات الإضافية -التي تفوق المعدلات المعتادة- الناجمة عن الحرارة المرتبطة بظاهرة «إل نينيو».

وتشير النتائج إلى أنه خلال فترة التوقعات الممتدة لستة أشهر -من سبتمبر (أيلول) وحتى فبراير- ستُسجَّل 240 ألف حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة. وعند إضافة الوفيات التي يُقدَّر أنها حدثت بالفعل منذ بدء ظاهرة «إل نينيو» الحالية في يونيو (حزيران)، يرتفع إجمالي العدد إلى 450 ألف حالة وفاة.

مناطق الوفيات الأكثر حدوثاً

ويُقدِّر الفريق أن أفريقيا ستكون الأكثر تضرراً، إذ يُتوقع تسجيل أكثر من 30 ألف حالة وفاة إضافية في نيجيريا وحدها خلال الأشهر القليلة المقبلة. كما قد تشهد الفترة نفسها تسجيل 19 ألف حالة وفاة إضافية في إندونيسيا، و16 ألفاً في الهند، و13 ألفاً في البرازيل.

الخطر الأكبر على الأطفال والشيوخ

ويُقسِّم التقرير السكان إلى ثلاث فئات عمرية: الأطفال في سن الرابعة، أو أقل، وكبار السن (65 عاماً فما فوق)، وبقية الفئات العمرية. وتقول غروفر - كوبيك: «هناك تأثيرات تطال الفئات العمرية الثلاث جميعها، إلا أن الفئة الأكثر عرضة للخطر هي فئة كبار السن، تليها فئة الرضع».

ونظراً لأن ظاهرة «إل نينيو» تؤثر أيضاً على حرائق الغابات، والفيضانات، وغيرها من الظواهر، فقد تكون حصيلة الوفيات الإجمالية أعلى من ذلك. ويقول كريستوفر كالاهان، من جامعة إنديانا في بلومنغتون: «أجد هذه النتائج منطقية؛ فظاهرة «إل نينيو» ستجلب درجات حرارة مرتفعة للغاية إلى أجزاء واسعة من العالم، والعلاقة بين الحرارة ومعدلات الوفيات علاقة ثابتة، وموثوقة عالمياً».

وكان كالاهان قد استخدم أخيراً نهجاً مشابهاً لتقدير أن موجة الحر التي ضربت أوروبا في شهر يونيو الماضي أودت بحياة 20 ألف شخص. وحتى الآن تم الإبلاغ عن 35 ألف حالة وفاة إضافية في أوروبا تُعزى إلى الحرارة خلال فترة أطول من فصل الصيف. ويشير كالاهان إلى أن تقدير الوفيات الإضافية البالغ 240 ألف حالة بين شهري سبتمبر وفبراير يعتمد على دقة التوقعات.

تقديرات متوسطة

وتوضح غروفر - كوبيك أن توقعات المركز الأوروبي (ECMWF) تقع في منتصف نطاق التوقعات الأخرى، ما يجعلها تمثل تقديراً متوسطاً لما قد يحدث. يشير كالاهان أيضاً إلى أن التقرير يقتصر على الوفيات المرتبطة بالحرارة؛ إذ يقول: «تؤثر ظاهرة (إل نينيو) على حرائق الغابات في إندونيسيا، والأمراض المعدية في أميركا الجنوبية، والفيضانات في غرب الولايات المتحدة، وغيرها من الظواهر؛ ولذا فإن إجمالي عدد الوفيات قد يكون أعلى من ذلك».

دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية

وتعلق راكيل نونيس، من جامعة وارويك في المملكة المتحدة: «إن الرسالة الأهم لا تكمن في الرقم المطلق بحد ذاته، بل فيما يمكن القيام به للحد من الأضرار التي يمكن تجنبها». وتضيف: «من الأفضل النظر إلى هذا التقرير باعتباره دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية، والجاهزية، وتدابير التكيف الموجهة، لا سيما بالنسبة للفئات السكانية المعرضة للمخاطر، والهشة».


«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير
TT

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

كان الهدف من الذكاء الاصطناعي توفير الوقت، فلماذا نجد اليوم أنفسنا غارقين فيما يُعرف اليوم بـ«نفايات العمل»؟

«قنابل النفايات» من الذكاء الاصطناعي

أطلق توبياس لوتكي، الرئيس التنفيذي لشركة «شوبيفاي» Shopify، تسمية خاصة على رسائل البريد الإلكتروني والمذكرات ورموز البرمجة وغيرها من المحتويات التي يولدها الذكاء الاصطناعي من دون تدقيق بشري، وهي: «قنابل النفايات slop grenades. ورغم أن لوتكي كان من أوائل المتبنين للذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، فإنه أشار في بودكاست The Knowledge Project، إلى أن هذه التقنية باتت تخلق المزيد من الأعباء والمهمات، كما كتب جيري كولونا(*).

من الحدس والتقدير الذاتي... إلى إبهار الآلة

ولقد لوحظ حدوث هذا الأمر في الجانب القيادي أيضاً؛ إذ بدأ يتسبب في حالة «إرهاق اتخاذ القرار» وحالة من التردد. فالقرارات التي كانت تُتخذ سابقاً بناءً على الحدس أو التقدير السليم، أصبحت الآن تمر عبر عمليات الذكاء الاصطناعي لدرجة تسبب الإنهاك. وما ينتج عن ذلك غالباً هو مزيج متشابك من الأرقام والأفكار التي تبدو مبهرة على الورق، لكن يصعب على البشر استيعابها وفهمها.

توظيف غير مدروس

يُطلق باحثون من جامعة ستانفورد ومنصة «BetterUp» على هذا النتاج اسم «نفايات العمل» workslop. ويمكن لهذا النوع من المحتوى أن يجعلك تشعر بأنك «محتال» (متظاهر بالكفاءة)، ويسبب لك إرهاقاً في اتخاذ القرار، ويثير مجموعة من المشاعر السلبية، وكل ذلك ينبع من الاستخدام غير المدروس للذكاء الاصطناعي.

كيف تنتشر هذه «النفايات»؟

عندما يتلقى الزميل «قنبلة» من هذا النوع، فإنه قد يجد نفسه عاجزاً عن التصرف (فهو كمن يجلس فوق قنبلة حقيقية)، وغالباً ما يخشى الاعتراف بأنه لا يفهم المحتوى. وبدلاً من ذلك، قد يمررها إلى شخص آخر، لينتهي المطاف بذلك الشخص في حالة مماثلة من الحيرة والارتباك... وبهذا تنتشر هذه المخرجات غير المجدية.

إرباك القيادة

ومع ذلك، هناك جانب آخر يتعلق بـ«نفايات الذكاء الاصطناعي» داخل المؤسسة قد تواجهه بصفتك قائداً. فالسماح للذكاء الاصطناعي بأن يحل محلك في مقعد القيادة - عبر حل المشكلات واتخاذ القرارات - قد يجعلك تشعر بأنك عالق في مأزق؛ وذلك لأن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد عدد هائل من الحلول المحتملة.

إن مواجهة مشكلة واحدة من زوايا ووجهات نظر متعددة قد تكون أمراً منهكاً، كما أنها قد تدفعك للتشكيك في رؤيتك الخاصة للموقف.

كيف تتجنب إرهاق الذكاء الاصطناعي؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد أفكاراً ربما لم تخطر ببالك، كما يمكنه المساعدة في تنقيح المستندات أو تقديم رؤى حول مشكلات معقدة. لكن لا تجعل الذكاء الاصطناعي نقطة البداية. بدلاً من ذلك، ابدأ بتدوين الحقائق التي تعرفها وكيفية تعاملك مع الموقف بناءً على معرفتك وخبرتك الشخصية. تأمّل الحقائق التي تدرك صحتها، ثم دع حدسك يوجهك.

ومن هذه النقطة، يمكنك الاستعانة بالذكاء الاصطناعي -عند الحاجة- للحصول على أفكار إضافية تدعم حلك الخاص، ولكن احرص على ألا تحيد عن مبادئك الأساسية.

من المرجح أن تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل المشكلات وتوليد أفكار ربما لم تخطر ببالك من قبل، لكن لا ينبغي أن تترك له مهمة التفكير بالنيابة عنك بالكامل.

توجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير بطريقتك

إن البدء بأفكارك الخاصة وتوجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير في موضوع ما بنفس طريقتك يمكن أن يشكّل شراكة رائعة؛ فالأمر ينجح عندما تبدأ أنت بطرح الأسئلة وتوجيه المسار. أما المشكلة فتنشأ حين تطلب من الذكاء الاصطناعي معالجة مسألة لم تكن قد أدركتَ -بشكل واعٍ- أنها تمثل مشكلة من الأساس. لذا فعليك استخدام الذكاء الاصطناعي لصقل حكمك وتقديرك للأمور، لا لاستبدالهما.

عندما تنتج محتوىً رديئاً

إن الوقوع في الأخطاء وإنتاج محتوىً رديء أمر وارد؛ فقد ترسل لفريقك شيئاً ولّده الذكاء الاصطناعي دون تمحيص كافٍ، أو ربما تكون قد بدأت بتحليلٍ أعدّه الذكاء الاصطناعي بدلاً من الاعتماد على أفكارك الخاصة، لتجد نفسك عالقاً في حيرة وشك حول مدى فهمك للقيادة.

العودة إلى الجوهر

لكن يمكنك دائماً العودة إلى الجوهر، اذ يمكنك دائماً العودة إلى القيادة التي تضع العنصر البشري في المقام الأول. اعترف بالخطأ، وتراجع خطوة إلى الوراء، وحدد ما كانت ستكون عليه فكرتك أو حلك الأصلي، ثم انطلق من تلك النقطة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً في مجال القيادة، شريطة ألا يكون هو صاحب القرار النهائي بينما أنت غافل عما يجري.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».