البُنى التحتية الخضراء حلول تفتقدها المجتمعات المهمشة

مناطق كثيرة في الهند تأثرت من زيادة معدل الفيضانات (إ.ب.أ)
مناطق كثيرة في الهند تأثرت من زيادة معدل الفيضانات (إ.ب.أ)
TT

البُنى التحتية الخضراء حلول تفتقدها المجتمعات المهمشة

مناطق كثيرة في الهند تأثرت من زيادة معدل الفيضانات (إ.ب.أ)
مناطق كثيرة في الهند تأثرت من زيادة معدل الفيضانات (إ.ب.أ)

تعمل مدن عربية كثيرة على توسيع بناها التحتية لمواجهة الهطولات المطرية الومضية والعواصف المدارية القاسية التي تنتج عنها فيضانات، تسببت خلال السنوات الماضية بخسائر كبيرة بشرية ومادية. وتتضمن هذه المشاريع تنفيذ أنابيب وقنوات لتصريف مياه الأمطار، وحواجز ومجاري وجسوراً لإعادة توجيه السيول وإبعادها عن التجمعات الحضرية وخطوط المواصلات.
وتُصنف هذه المشاريع، التي تسود الخرسانة في أغلب هياكلها، ضمن مشاريع البنى التحتية الرمادية. وهي تشمل أيضاً الخزانات والقنوات المائية ومحطات المعالجة التي يجري تنفيذها لمواجهة تحديات الأمن المائي. وفي المقابل، يمكن لحلول تقوم على الطبيعة، وتُعرف بالبنى التحتية الخضراء، تقديم مساهمة معتبرة في مواجهة التحديات البيئية بتكاليف أقل وعوائد أكبر.
قصص نجاح ومصاعب
تمثل الحلول الطبيعية، أو البنى التحتية الخضراء، أداة تم اختبارها بنجاح لتحقيق الفوائد البيئية والاقتصادية والاجتماعية. وفي كثير من الحالات، يمكنها إقلال الاعتماد على البنى التحتية «الرمادية»، التي قد تلحق ضرراً بالبيئة والتنوع البيولوجي، وغالباً ما تكون أعلى كلفة في البناء والصيانة.
وتُعرف البنى التحتية الخضراء بأنها شبكة مخططة استراتيجياً، من المناطق الطبيعية وشبه الطبيعية مع ميزات بيئية أخرى، يجري تصميمها وإدارتها لتقديم مجموعة واسعة من خدمات النظام البيئي مثل تنقية المياه، وتحسين جودة الهواء، وتوفير مساحة للترفيه، وتخفيف حدة تغير المناخ والتكيف معه. ويمكن لهذه الشبكة من المساحات الخضراء (الأرضية) والزرقاء (المائية) تحسين الظروف البيئية، وتعزيز صحة المواطنين ونوعية حياتهم. كما تدعم الاقتصاد الأخضر، وتخلق فرص عمل، وتحافظ على التنوع البيولوجي.
في الولايات المتحدة، تعاني معظم المدن تراكماً كبيراً في صيانة بناها التحتية الرمادية، التي تصل قيمتها إلى مئات مليارات الدولارات على المستوى الوطني. وفي المقابل، تلعب الأشرطة الحدائقية القليلة التكاليف في مدينة أوكلاند غرب كاليفورنيا دوراً حاسماً في إبطاء الجريان السطحي الذي يسبب الفيضانات. كما تثبت هذه الأشرطة الحدائقية فاعليتها في تحسين جودة المياه من خلال تصفية الجريان السطحي.
ولا يقتصر دور المسطحات الخضراء على التخفيف من مخاطر الفيضانات، فالنباتات والمتنزهات لها دور تبريدي يقلل من ظاهرة «جزر الحرارة الحضرية»، التي تتمثل في ارتفاع الحرارة ضمن المدن بضع درجات نتيجة قيام الأسطح المرصوفة والطرق الإسفلتية بامتصاص الحرارة نهاراً ثم إشعاعها إلى المحيط القريب.
كما تلعب الحدائق العامة والفراغات المفتوحة أدواراً اجتماعية وصحية في المناطق الحضرية المكتظة. وتؤكد الدراسات المختلفة على أن جلب الطبيعة إلى داخل المدن أمر ضروري للوصول إلى مدن صحية، حيث لا يقتصر دور المتنزهات على الترفيه، وإنما يمتد ليشمل دعم الحالة النفسية والاجتماعية للمواطنين، إلى جانب تحسين الوضع البيئي والحد من مخاطر العواصف وحماية التنوع الحيوي.
وتستثمر العديد من المدن في حماية الأراضي الرطبة والغابات كنُظم ترشيح طبيعية، مثلما فعلت مدينة نيويورك باستثمار 1.7 مليار دولار في حماية مساحة واسعة من الأحراج في جبال كاتسكيل التي تعد مصدر مياه الشرب الأساسي للمدينة. وقد أتاحت هذه الاستثمارات توفير تكاليف تنقية المياه التي تتطلب إنفاق 10 مليارات دولار لبناء محطة معالجة جديدة وأكثر من 100 مليون دولار سنوياً لتشغيل المحطة.
وتواجه البنى التحتية الخضراء عدداً من الإشكاليات المرتبطة بالتمويل، لا سيما في مناطق المجتمعات المهمشة والأكثر فقراً. ففي الولايات المتحدة تمثل الفيضانات مشكلة كبيرة في الأحياء ذات الدخل المنخفض التي يعيش فيها «الملونون». وتضم هذه الأحياء عدداً أقل من المتنزهات، كما تعد بنيتها التحتية مهملة في أغلب الحالات.
وفي الاتحاد الأوروبي، أظهر تقرير صدر عن وكالة البيئة الأوروبية مطلع هذه السنة غياب المساواة الاجتماعية في الوصول إلى المساحات الخضراء والزرقاء الحضرية في جميع أنحاء أوروبا. ووجد التقرير أن المدن في شمال وغرب أوروبا تميل إلى امتلاك مساحات خضراء أكثر من مدن الجنوب والشرق. وفي حين توصي منظمة الصحة العالمية بأن يقيم جميع الناس ضمن مسافة 300 متر من المساحات الخضراء، فإن أقل من نصف سكان المدن في أوروبا يحظون بذلك.
وتظهر مشاكل تمويل البنى التحتية الخضراء اعتباراً من مرحلة التخطيط، حيث يتم تنفيذ المساحات الخضراء كعمل تكميلي لمشاريع الطرق أو البناء، نتيجة تباين الأولويات وغياب التنسيق الهندسي، مما يزيد كلفتها ويقيد مساحتها. وكما هو الحال في البنى التحتية الرمادية، تتطلب البنى التحتية الخضراء إجراء صيانة مستمرة للحفاظ عليها سليمة وخالية من المخلفات، وغالباً ما تحول مصاعب التمويل المستمر دون استدامة البنى التحتية الخضراء.
وسواء أكانت المدن تنفق على البنية التحتية الرمادية أو الخضراء، فإن المناخ الأكثر سخونة يضع مزيداً من الضغوط على ميزانياتها السنوية. واللافت أن أكثر المدن حول العالم تفتقر إلى بيانات محدثة لهطول الأمطار، تعكس زيادة شدة العواصف المطرية خلال السنوات الماضية، وهذا يعني أن مشاريع البنى التحتية الجديدة ما زالت تنفذ من دون مراعاة تغير المناخ.
ومع أنه من المعروف أن التخطيط للتكيف مع الأمطار الغزيرة يتطلب بناء أنظمة أكبر لتصريف الجريان السطحي، لكن استبدال أنابيب الصرف الطويلة وزيادة سعة البنى التحتية القائمة يفوقان عادة قدرة المدن على التمويل. ويظهر هنا دور البنى التحتية الخضراء في إقلال الحاجة لاستبدال البنى التحتية الرمادية، إذ لو كانت الحدائق قادرة على امتصاص بعض الجريان السطحي، فلا داعي للتوسع في شبكة صرف مياه الأمطار.
خطط طموحة واستثمارات بالمليارات
رغم أنه لا يمكن التعويل بشكل كامل على البنى التحتية الخضراء، فإن الكثير من الدول تجد فيها عاملاً مساعداً في التخفيف من مخاطر تغير المناخ بتكاليف معقولة. ففي الولايات المتحدة، مثلاً، ستوفر وكالة حماية البيئة منحاً بأكثر من 11 مليار دولار لمشاريع البنى التحتية للمياه في المدن الأميركية خلال السنوات الخمس المقبلة، وستكون حصة البنى التحتية الخضراء ومشاريع كفاءة استخدام المياه 10 في المائة.
في الاتحاد الأوروبي، تشكل شبكة «ناتورا 2000» العمود الفقري للبنى التحتية الخضراء في المنطقة. وتمثل هذه الشبكة أكبر مجموعة منسقة من المناطق المحمية في العالم، حيث تمتد على 18 في المائة من أراضي الاتحاد الأوروبي و8 في المائة من مناطقه البحرية. وفي حين تشمل الشبكة مناطق طبيعية محمية بشكل صارم، فإن معظم أراضيها لا تزال ملكية خاصة، لكن يُفرض على أصحابها تطبيق مبادئ الحفظ والاستخدام المستدام.
ومنذ 2013، تبنت المفوضية الأوروبية استراتيجية البنى التحتية الخضراء التي تسعى لضمان أن تصبح حماية واستعادة وإنشاء وتعزيز البنى التحتية الخضراء جزءاً لا يتجزأ من التخطيط المكاني والتنمية الإقليمية، عندما تقدم بديلاً أفضل أو مكملاً للخيارات الرمادية القياسية. ووفق أحدث البيانات المتاحة، تشكل المساحات الخضراء والزرقاء، المخصصة للحدائق والمتنزهات وأشجار الشوارع والأحواض المائية والأراضي الرطبة، 42 في المائة من مساحة المدن في 38 دولة عضواً في المنطقة الاقتصادية الأوروبية.
وفي الصين، اعتبر المؤتمر الوطني لنواب الشعب أن مكافحة التلوث ستكون إحدى معاركه الحاسمة الثلاث، التي تشمل أيضاً الحد من الفقر ومعالجة المخاطر المالية. وقد تبنت وزارة البيئة الصينية بعض التدابير لتحسين جودة الهواء وتدعيم النظم البيئية، تشمل إقامة مساحات خضراء جديدة، وتنفيذ ممرات بيئية تسمح للأنواع الحية بالتنقل بين الموائل التي مزقتها الأنشطة البشرية. وفي شنغهاي، يتم استثمار 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في مشاريع التنمية البيئية الحضرية، بما فيها مشاريع عزل الكربون وأنظمة المتنزهات الحضرية وآليات حماية النظام البيئي.
وفي مصر، أشارت وزارة المالية إلى خططها في زيادة التمويل الأخضر بعد نجاحها في سبتمبر (أيلول) 2020 بطرح أول إصدار حكومي سيادي للسندات الخضراء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وسيستهدف هذا التمويل تنفيذ مشاريع استثمارية صديقة للبيئة تساعد في إحداث تغيير جذري في البنى التحتية لتصبح أكثر مرونة مناخياً. وكانت الحكومة المصرية خصصت في مشروع الموازنة العامة الجديدة ملياري جنيه لدعم التحول إلى المشروعات الصديقة للبيئة.
وعلى صعيد المؤسسات المالية، أعلن البنك الإسلامي للتنمية عن جمع مليار يورو من الصكوك الخضراء في عام 2019، و2.5 مليار دولار من صكوك الاستدامة في عام 2021، وأنه يقوم باستثمار هذه الأموال في البنى التحتية الخضراء والمرنة التي ستخلق الملايين من الوظائف الخضراء في المستقبل القريب. وكان البنك تعهد في 2019 بجعل 35 في المائة على الأقل من عملياته موجهة لتمويل المناخ بحلول 2025.
لقد نجحت المجتمعات على مر التاريخ في عقد تحالفات وثيقة مع الطبيعة، فمن حدائق بابل المعلقة إلى الشوارع المزينة بأشجار البرتقال في إشبيلية كان الاستثمار في المساحات الخضراء على الدوام مؤشراً على تطور الحضارات ونضوجها. وتبرهن ظروف الجائحة والحرب التي يشهدها العالم أكثر من أي وقت مضى ضرورة الخروج من حالة العزلة والركود إلى رحاب الطبيعة وحلولها، التي تدعم الاقتصاد وتحافظ على البيئة وتحمي صحة الإنسان.



2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.


دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
TT

دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)

رصد باحثون في كندا مؤخراً حالة نادرة جداً لدبة قطبية تبنَّت شبلاً لم تلده في شمال البلاد.

وقال الباحث في هيئة البيئة الكندية إيفان ريتشاردسون الذي يجري دراسات بشأن هذا المفترس الأكبر في القطب الشمالي منذ 25 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم تُسجَّل سوى 13 حالة (من هذا النوع) خلال 45 عاماً».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تمكن ريتشاردسون وفريقه من الإمساك بدبة مع شبلين لها، يبلغ سن أحدهما 10 أشهر، والآخر 11 شهراً، بالقرب من تشرشل التي تُلقَّب بـ«عاصمة الدببة القطبية في العالم»، والواقعة في شمال مانيتوبا بوسط كندا.

وأضاف: «عندما اقتربنا، لاحظنا أن أحد الشبلين يحمل علامة تعريف، بينما الآخر لا يحملها»؛ مشيراً إلى أن الأم نفسها شوهدت قبل بضعة أشهر مع شبل واحد فقط.

دب قطبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي هذه المنطقة الشمالية، يضع الباحثون علامات تعريف على الدببة القطبية ليتسنى لهم تتبعها ودراستها طوال حياتها.

وأكدت عمليات التتبع عبر أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع العالمية (جي بي إس) والملاحظات التي أجرتها منظمة «بولار بيرز إنترناشيونال»، وهي مجموعة بحثية معنية بالدببة القطبية، أن الأنثى المعنية احتفظت بالشبلين معها لأسابيع.

وقال إيفان ريتشاردسون: «إنها قصة رائعة. هذه الدببة القطبية تتمتع بحسِّ أمومة مذهل؛ إذ إنها مهيَّئة بطبيعتها لرعاية صغارها».

وقد انخفض عدد الدببة القطبية في غرب خليج هدسون بنسبة 30 في المائة خلال بضعة عقود فقط، من نحو 1200 دب في ثمانينات القرن الماضي إلى 800 دب اليوم. ويعود ذلك جزئياً إلى تسارع ذوبان الجليد الذي يشكل عنصراً ضرورياً لبقائها.

مع ذلك، لا يوجد دليل يربط بين هذا التبني وتغير المناخ، وفق ريتشاردسون.

ويجري حالياً فحص جيني لتحديد الأم البيولوجية للشبل المتبنَّى. وقال العالِم إنَّ ثمة «احتمالاً كبيراً أن نكتشف هويتها».

على مدى 45 عاماً، رُصد أكثر من 4600 دب قطبي في هذه المنطقة من كندا، ما يجعلها، حسب ريتشاردسون: «أفضل مجموعة دببة قطبية دُرست في العالم».