ميرال الطحاوي: الكتابة لديّ تبدأ بهاجس خافت وأسئلة وجودية مؤرِّقة

الروائية المصرية تشتبك مع عالم المهاجرين في روايتها الجديدة «أيام الشمس المشرقة»

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي
TT

ميرال الطحاوي: الكتابة لديّ تبدأ بهاجس خافت وأسئلة وجودية مؤرِّقة

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي

منذ روايتها الأولى «الخباء»، لفتت ميرال الطحاوي الأنظار لخصوصية عالمها الروائي. وفي روايتها الجديدة «أيام الشمس المشرقة»، الصادرة حديثا عن دار العين بالقاهرة، تشتبك الكاتبة مع عالم المهاجرين عبر حكايات أبطالها الهاربين من أوطانهم وراء جنة موعودة. ويتماس هذا العالم مع تجربة الكاتبة الذاتية التي خاضتها بعد هجرتها إلى الولايات المتحدة حيث تعمل أستاذا للأدب العربي بجامعة أريزونا الأميركية. حصلت الطحاوي على جائزة الدولة التشجيعية في مصر عام 2002، وحازت روايتها «بروكلين هايتس» على جائزة «نجيب محفوظ» الأدبية من الجامعة الأميركية بالقاهرة... هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الروائية عموماً:
> في تصدير روايتك الجديدة إحالة لشمس الدين التبريزي ورهافة تصوراته عن السفر والرحلة، لكن سرعان ما تحيل الرواية لمكان كابوسي لا مكان فيه للأحلام كما يبدو. كيف رأيت توظيف تلك المفارقة؟
- تبدأ عملية كتابة الرواية دائما في تجربتي بهاجس خافت، بأسئلة وجودية لا أعرف كيف أجد جوابها، بمشاعر مختلطة أود التعبير عنها، مشاعر تختار شكلها القصصي وتصنع أبطالها الذين يتشكلون من ذاكرتي استجابة لهذا الهاجس، بالتأكيد كانت فكرة الرحلة بكل دلالاتها الروحية ذات الجذر الصوفي حاضرة أثناء كتابة الرواية. بالطبع كان الموروث الصوفي جزءا من محاولات الفهم، وكانت التصورات الصوفية للحياة بوصفها رحلة روحية وأننا نعاني بشكل ما هذا الحنين للعود الأبدي. جمعت الكثير من الشذرات الصوفية التي تتحدث عن الطريق والوصول وحتمية الارتحال، خاصةً في مأثورات التبريزي وجلال الدين الرومي، لكن رافق ذلك أيضاً الكثير من الأسئلة الوجودية في مسيرتي ككاتبة ومهاجرة وإنسانة. كانت تلك الأسئلة تطرح نفسها أيضاً، لا أعرف متى بدأت أنتبه بشكل عفوي لتلك الأغاني التي تتحدث عن الغربة، ولا لماذا كانت تطربني وكنت قد صدقت أنني خلعت كل تصوراتي الرومانتيكية وراء ظهري وتحولت لسيدة أميركية عملية وحازمة وسعيدة بما استطعت تحقيقه. لكن في الحقيقة، «الغربة كربة» كما يقولون بالعامية. الغربة ليست تجربة سعيدة علي الإطلاق لكنها تجربة مفيدة ومؤثرة. في «الشمس المشرقة» كان هناك الكثير من البحث المعرفي لمفهوم الشتات، ومحاولة لفهم علاقة المنفي بالوطن الذي خرج منه طوعا أو قسرا، في وقت من الأوقات كانت أغنية قديمة لفيروز ترافقني بشكل دائم تقول (... يا ريت ما كان فيها مراكب، يا ريت ما كان فيها سفر)، لا أعرف كيف وجدت تلك الأغنية صداها في روحي أو صارت ترافقني طوال مراحل الكتابة.
> تبدو أسئلة الهجرة، والشرق والغرب، موصولة ومؤرقة في مشروعك، منذ «بروكلين هايتس» وحتى «أيام الشمس المشرقة» كيف تتأملين التقاطع والتوازي بين هذين العملين الروائيين؟
- هناك مقولة شائعة عادة ما يتم اجترارها بين الغرباء مفادها أن قلبك لا يرحل معك «إنه مغناطيس سيظل يجذبك دائما إلى الوراء»، هذا ما يجمع التجربتين، كلتاهما تعبير عن الشتات وقسوته، تعبير عن مشاعر الفقد والهجر والإحباط في كلا العالمين، صراع مع ذلك الماضي الذي نحمله في حقائبنا، الفرق بين التجربتين هو تراكم الخبرات أو التجارب في ذلك المنفى الاختياري، خبرة الوعي بالذات، خبرة الأمومة وضياع الأبناء، خبرة الاقتلاع من الثقافة الأم، والتمزق بين اللغة والهويات المتعددة، لقد كتبت «بروكلين هايتس» مبكرا وأتذكر أن الصديقة الغالية ظبية خميس قالت لي «بعد فترة كافية من الوقت ستكتبين عن أميركا بشكل مختلف» وقد كان.
في «بروكلين هايتس» كانت محاولة لاكتشاف الذات، والنظر من بعيد للماضي ومحاولة للتشافي منه، لكن «الشمس المشرقة» لا ترتكز على الأبطال بل يصبح المكان هو المحرك الأول للحدث، عالم «الشمس المشرقة» هو البطل إن شئت، بعبارة أخرى في روايتي الجديدة محاولة أكثر نضجا للتعبير عن أوهام الخلاص والتحقق والتحرر والوصول للجنة الأبدية في مخيلة المهاجر عن الوطن البديل، ثم كيف يتحول هذا الحلم بالتدريج إلى خدعة.
> ينفتح عالم الرواية على بؤس عاملات النظافة، وعالم مقابر الأقليات والصراعات داخل أروقة الجامعات. الأبطال هنا على تعددهم عابرون ومهمشون. حدثينا عن خريطتك في رسم ملامح سكان «الشمس المشرقة».
- الرواية عن الشتات، عن عالم المهمشين في المنفى، من الطبيعي أن تكون شخصياتها من المهاجرين الفقراء والذين يخوضون الكثير من المغامرات في محاولة للنجاة، عن الذين يتسللون لتلك البلاد المشتهاة عادة بطرق غير شرعية ويعيشون في جيتوهات أو بلدات حدودية جبلية أو ساحلية، مثل تلك البلدة التي أكتب عنها، أوما أطلقت عليه مجازا بلاد «الشمس المشرقة»، أو غيرها من مدن النزوح، حيث تتحول الحياة اليومية في هذا المنفى الاختياري إلى محاولة متعسرة للنجاة من أشباح الماضي ثم الهرب من الواقع القاسي، البطولة في النص ليست للشخصيات التي أقدمها، السرد يتمحور حول هذا العالم وكيف يخلق عزلته ويعيش كهامش على أطراف المنتجعات الباذخة.
ويمكننا النظر لفكرة الهامش بشكل مزدوج، لا تخص فقط فئة أو طبقة معينة، وهم الطبقة الدنيا من العمالة الأجنبية، فالاغتراب والمنفى ومغادرة الوطن بشكل عام يعني للكاتب بشكل خاص شكلا من أشكال «الإقامة في الهامش» بتعبير إدوارد سعيد؛ الإقامة في الهامش الثقافي والاجتماعي لكلا العالمين، فهو مغيب وغائب في أرض المحضن، ومهمش بحكم لونه وعرقه ولغته وثقافته في الوطن الاختياري الجديد، وبالتالي يعيش هجرة مستمرة لا يمكن التآلف معها، ومن ثم هي غربة تولد الحنين الدائم إلى ماضٍ وأرض وثقافة ولغة وعالم لم يعد موجودا، لذلك فإن جوهر تلك التجربة هو البؤس، والحزن الذي لا يمكن التغلب عليه، يتساوى في ذلك كل المهاجرين الذين يتم التعامل معهم باعتبارهم هامشا طوال الوقت.
> عنونت الأماكن بأسماء لها وقع مجازي «الشمس المشرقة»، «الجنة الأبدية»، «سنام الجمل». هل اعتمدت تكنيك التبادل بين الواقع والمجاز في وصف معالم مجتمع المهاجرين بالولايات المتحدة؟
- تلك المفارقة لم أصنعها في تقديري إنما رصدتها بشكل كبير، في تلك البلدات الكثيرة التي عبرت بها في ولايات مختلفة، كلما كانت الحياة بائسة كانت البلدات ذات أسماء خلابة، مرتبطة بالجنة والتلال والوديان والطبيعة الخلابة، ربما كانت أميركا في وقت من الأوقات تلك الأرض البكر التي تقترح تلك العوالم الواعدة بالسعادة، ثم تحولت بالتدريج لآلية رأسمالية لتسويق الكمبوندات والمنتجعات وحتى التجمعات السكنية البائسة. فكرت في ترك الأسماء بطبيعتها الإنجليزية، مثل بردايز فاليparadise valley، لكن خيار ترجمة أسماء الأماكن الأميركية بشكل تهكمي وكاريكاتيري، بدا سحريا، أو أنه بالأحرى أضفى على المكان في مخيلتي طابعا كرتونيا كاذبا يخلق مفارقة بين الواقع والمتصور، وهذا ما أردته بالضبط، حدث ذلك أيضاً في اختيار العنوان، لقد تحيرت كثيرا وبعض الأصدقاء اقترحوا «الشمس الحارقة» رأوا أن ذلك أقرب لواقع الرواية، ولكنني اخترت الاتكاء على المفارقة، كما أشرت، لأن بنية النص ذاته قائمة وخالقة لتلك الدلالة العميقة للمجاز اللغوي.
> في الرواية اعتناء كبير بالوصف، بداية من الوصف الجغرافي للأماكن مرورا بتغيرات المناخ والفوضى البيئية. هل هنا ثمة اقتراب رمزي من الحصار الذي يبتلع الأبطال داخل سجنه؟
- نعم هناك اهتمام كبير بخلق صورة أو تصور جغرافي للمكان، «الشمس المشرقة» البلدة التي كانت تؤوي عمال المناجم، ثم تحولت إلى مدينة للمهاجرين، ومحطة من محطات الهجرة غير الشرعية. جغرافيا الرواية مهمة لأن الأحداث والشخصيات والنص كله يقوم في بلدة حدودية صارت محطة لتهريب البشر، تقع في منخفض يحيط به الجبال الشاهقة بمنتجعاتها العالية، تلك الجغرافيا خلقت طبيعة تلك الأرض وشكلت العلاقة بين سكانها، فالمتجول بين الولايات الأميركية خاصةً الجنوبية شرقا وغربا، سيجد تلك الحالة الجغرافية متكررة على الحدود الممتدة مع الجنوب حيث تمثل بوابات النزوح ومحاولات الدخول اليومي للمهاجرين غير الشرعيين، والحقيقة أن الجغرافيا ليست سوى دلالة على ما هو أعمق من تلك التضاريس بتعبير جمال حمدان، الجغرافيا هي القدر الذي يصنع التاريخ ويحدد أحيانا المصير الإنساني، لذلك أعتقد أنها تشكل الكثير من الدلالات الرمزية في النص كالوضع الطبقي والمسافات التي تفصل المتن الديمغرافي عن الهامش المتنامي الذي يستوطنه المهاجرون.
> تظهر المرأة في الرواية بحضور أنثوي أكبر، قمت هنا بتوظيف اللغة في محاولة إبراز عنفوانها بصورة أكثر جرأة، فهل ترددت في استخدام العامية أحيانًا على لسان بعض البطلات؟
- في الحقيقة كانت شخصية «نعم الخباز» محرضة على اختياراتي في لغة الحوار، فالشخصيات خاصةً «نعم الخباز» خليط من البؤس والذكاء والانحطاط أحيانا، كما أن العالم كله عالم سيدات الرعاية المنزلية وأعمال النظافة اللاتي يأتين من جنسيات كثيرة، أفريقية، ولاتينية وآسيوية وشرق أوسطية أيضاً، تلك الطبقة إن شئت تسميتها طبقة خلقت بمرور الوقت لغتها الحادة المنفلتة والبذيئة في بعض الأحيان، وهي لغة هجينة من كل اللكنات ولكن يمكن فهمها، لغة تشبه طريقة تعاطي الشخصية مع الوجود، فيها الكثير من التحدي والعنف، لذلك فإن عامية «نعم الخباز» لم تزعجني ولم أخترها أيضاً ولم أقم بتهذيبها، بل هي التي فرضت شكلها، قمت بحذف بعض ألفاظ الشتائم وطرق الحوار في مراحل النشر، لكنني لم أمارس سطوتي ككاتبة على صوتها نعم أو صوت غيرها، في النهاية يجب أن يترك الكاتب للشخصيات التي خلقها صوتها الخاص، صوتها الذي يعبر عنها بعيدا عنه.
> شغفك بالشعر النسائي البدوي والأغاني الشعبية قادك لمشروع ممتد، ما أكثر ما يلهمك في ملامحه الشعرية والحكائية؟
- العلاقة بين الكتابة والجندر هو تخصصي كباحثة، وأيضاً يمثل جزءا كبيرا من اهتمامي ككاتبة، رسالتي للماجستير كانت عن التمرد والاغتراب في أعمال الكاتبة السورية غادة السمان، ودراستي للدكتوراه والتي عنوانها حول المقدس في رواية الصحراء العربية، كان للكاتبة السعودية رجاء عالم جزء كبير منها، والكتاب الذي أشتغل عليه الآن أيضاً عن كتابة المرأة. لقد بدأت رحلة جمع الشعر النسائي البدوي مبكرا جدا، ربما كانت هي مفتاح الكتابة أو المحرض على الكتابة. منذ سن مبكرة، كنت أتلصص على جلسات الجدات، وهن يمارسن طقسا ارتجاليا شعبيا للغناء الجماعي، يسمونه «ضرب العلم»، عندما بدأت كتابة روايتي الأولى «الخباء» كانت «غناوة العلم» محرضي على الكتابة، استخدمت شعر (الغناوة) كمفتتحات لفصول السرد، لم تكن تلك الأبيات مجرد مفتتح لفصول رواياتي، بل كانت أيضاً هي الوعاء الذي تشكلت عبره خصوصية رؤيتي للبوح الأنثوي التراثي الذي يعتمد على الاستعارة، والإيحاء دون إفصاح، استفدت كثيرا من الإمكانات التي عرفني عليها هذا الشكل الأدبي، وعبقرية هذا الفن الشفاهي في التعبير عن المشاعر الحميمة، وخلق عالم موازٍ، واستخدام الرمز، والتعبير الموارب هرباً من سطوة الرقيب الاجتماعي. كنت وما زلت أرى أن الترميز، والتجريد، والإغراق في إلغاز دلالي واسع الإحالة، هي آليات الإبداع وحيل التعبير الأنثوي للبوح.



النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس
TT

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة، باعتبار أن الشخصية النرجسية غير محددة بهوية محلية، بل هي تجد شواهدها وتمثلاتها لدى سائر الشعوب والهويات والجماعات. ومع أننا لا نعثر في الشعر العربي القديم على أي تفاعل مباشر مع هذه الأسطورة، أو غيرها من أساطير اليونان، غير أن هذا الشعر عرف عبر رموزه المختلفة، قدراً عالياً من الزهو النرجسي والاعتداد بالذات.

وسواء بدا هذا الزهو تعبيراً عن حاجة الذات المنبتة عن كنفها القبلي، إلى ما يحصنها في وجه العزلة والقلق، كما في حالة امرئ القيس وطرفة وعنترة والشعراء الصعاليك، أم كان متصلاً بروح الجماعة، كما لدى عمرو بن كلثوم، فالملاحظ أن تضخم الأنا النرجسية قد شكَّل إحدى السمات الأساسية للشعر العربي، الذي كان الفخر بالنفس والجماعة واحداً من ركائزه وعلاماته.

والأرجح أن النزوع النرجسي في الشعر العربي القديم، يجد بعض أسبابه في التفاوت الهائل بين لا نهائية المكان الصحراوي، ومحدودية الجسد الإنساني، حيث الذات المثلومة والمرحَّلة بشكل قسري عن مواطنها، لا تجد ما يعصمها من التشتت سوى الافتخار بنفسها، والالتفاف كالشرنقة على هويتها الفردية أو الجمعية.

وقد بدا الافتتان بالذات واضحاً في شعر امرئ القيس، وهو الذي أفرد مقاطع غير قليلة من معلقته للحديث عن مغامراته العاطفية مع النساء اللواتي بادلنه العشق بالعشق، والافتتان بالافتتان، كما كان شأنه مع أم الحويرث وأم الرباب وفاطمة وعنيزة وغيرهن. ورغم أن عشقه لعنيزة قد دفعه إلى ذبح ناقته لكي تردفه خلفها على ظهر ناقتها، فإنه حين بالغت في الغنج والتمنع، يعمد إلى إثارة غيرتها عبر تذكيرها بجاذبيته التي لا تقاوم.

كما لم يتوانَ «الملك الضليل» عن التباهي بكسر الأعراف والمحرمات، سواء عبر علاقاته مع النساء الحوامل، أو مع المتزوجات اللواتي لم تتحرج إحداهن من تحويل جسدها إلى وليمة متقاسمة بالتساوي بينه وبين طفلها الرضيع. وهو ما تشير إليه أبياته الشهيرة:

ويوم دخلتُ الخدْر خدر عنيزةٍ

فقالت لك الويلاتُ إنك مرجِلي

فقلتُ لها سيري وأرخي زمامه

ولا تبعديني عن جَناكِ المعلَّلِ

فمثلكِ حبلى قد طرقتُ ومرضعٍ

فألهيتُها عن ذي تمائمَ محْولِ

على أن النزوع النرجسي في الجاهلية لم يأخذ شكل الاعتداد بالذات المفردة فحسب، بل كثيراً ما بدا اعتداداً بالذات الجمعية، باعتبارها امتداداً لذات الشاعر، وحصنه وملاذه. فهو إذ يخوض حرباً ما، فليس ليذود عن نفسه وحدها، بل ليذود عن حياض السلالة ومكانتها ومصادر رزقها في الوقت ذاته. وقد تكون معلقة عمرو بن كلثوم، بما فيها من تصوير ملحمي لشجاعة بني تغلب، هي الشاهد الأبلغ على المماهاة الكاملة بين الذاتين الفردية والجمعية، وبخاصة في أبيات من مثل:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

كأنّا والسيوف مسلّلاتٌ

وَلدنا الناس طرّاً أجمعينا

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ

تخرُّ له الجبابر ساجدينا

وكثيراً ما يبدو الزهو النرجسي بالذات، رداً مشبعاً بالمرارة على ظلم القبيلة، التي لم تتساهل أبداً في معاقبة الخارجين على أعرافها وقوانينها. فطرفة بن العبد الذي انساق وراء ملذاته، وقد استشعر قصر الحياة وعبثيتها، والذي عاقبته القبيلة بعزله عنها وإفراده «إفراد البعير المعبد»، لم يجد رداً مناسباً على الظلم اللاحق به، أفضل من التذكير بشجاعته، وبكونه فتى الجماعة وفارسها المقدام، كما في قوله «إذا القوم قالوا: من فتىً؟ خلت أنني، عنيتُ فلم أكسل ولم أتبلدِ».

أما عند عنترة فقد بدا الاعتداد بالذات، نوعاً من الرد على ما لحق به من ظلم وتهميش، بسبب سواد لونه. وإذ وجد عنترة في بأسه الجسدي، ما يدفع بني عبس إلى رد الاعتبار له، بدا شعره بمعظمه اعتداداً بشجاعته، واستعادة رمزية لهويته المهددة. وهو ما يؤكده قوله: «ولقد شفى نفسي وأبرأ سقْمها، قول الفوارس: ويكَ عنتر أَقْدِمِ». أو قوله وهو يعمل على استثمار شجاعته في المجال العاطفي: «إن المنيّة يا عبيلةُ دوحةٌ، وأنا ورمحي أصلها وفروعها».

ومع أن تباهي الشعراء بأنفسهم في الجاهلية، قد أخلى مكانه في صدر الإسلام، للخشوع والتواضع الجم أمام الخالق، فقد كانت تجربة سحيم عبد بني الحسحاس، واحدة من الاستثناءات القليلة، التي شكَّلت امتداداً للزهو الجاهلي بالذات. وحيث شارك سحيم عنترة سواده ولم يشاركه شجاعته في ساحات المعارك، وجد في مخادع الحب، الميادين البديلة التي تمكنه من الاعتداد بفحولته، وتوفر له سبل الرد المفحم على ما ألحقه به بنو الحسحاس من عسف واضطهاد. وإذ رأى سحيم في انشغال رجال القبيلة بالحرب، الفرصة المثلى للانفراد بنسائهم، فقد كان حرصه على إغاظة رجال القبيلة الذين بالغوا في ازدرائه، أكثر من حرصه على حياته نفسها، مما دفعه إلى التباهي بعلاقاته الغرامية على نحو علني، حتى إذا قرر بنو الحسحاس حرقه حياً، لم يتورع عن القول متباهياً:

شُدّوا وثاق العبد لا يفْلتْكمُ

إن الحياة من الممات قريبُ

فلقد تحدَّر من جبين فتاتكمْ

عرقٌ على ظهر الفراش وطِيبُ

أما عمر بن أبي ربيعة الذي كان ينتمي إلى أحد فروع قريش الأكثر منعة وثراء، فقد بدت نرجسيته الفاقعة ثمرة عاملين اثنين هما، نشأته الباذخة التي تدعمها الوسامة والموهبة العالية من جهة، ورغبته الملحة في انتهاك المحظورات والقواعد الأخلاقية التي فرضها الدين الحنيف، بما فيها من حث على التعفف والتقوى، ونهي عن الفجور والزنا وارتكاب المحرمات. كما أن نزوع عمر إلى التمرد، لم تقتصر وجوهه على السلوكيات العابثة والتلذذ الأقصى بالحياة فحسب، بل تعدتهما إلى الشعر نفسه، حيث حوَّل قصائده ومقطوعاته إلى احتفال عارم بالمغامرات العاطفية والتلذذ بمتع العيش وملذاته، ضارباً بعرض الحائط كل دعوة إلى الوقار والزهد والاحتشام.

وإذ بدا شعر عمر ترجمة أمينة لأحوال نفسه، فنحن لن نعدم الشواهد التي تعكس صورة أناه المتفاقمة، وهو القائل في وصف النساء المنتظرات قدومه بفارغ الصبر «وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي، هُرعن فرقَّعنَ الكوى بالمحاجرِ». كما أنه في سياق الامتداح المفرط للذات، لم يجد غضاضة في التصريح بأن إحدى عاشقاته الوالهات، لا تجد ما تستعين به على النهوض، إذ تزل بها القدمان، سوى ذكر اسم شاعرها المعشوق، فيقول في ذلك:

وإذا ما عثرت في مشيها

نهضتْ باسمي وقالت: يا عمرْ

على أن أي حديث عن النرجسية في الشعر العربي القديم، لا يستقيم دون التوقف عند شخصية أبي الطيب المتنبي، الذي بلغ به الخيلاء وتعظيم النفس، حدوداً قلّ أن بلغها أحد من الشعراء العرب السابقين. ومن يتابع سيرة الشاعر على امتداد السنوات الخمسين التي عاشها، لا بد أن يكتشف أن اعتداده بنفسه لم يقتصر على ناحية بعينها، بل كان يطال شعره ولغته، بقدر ما يطال مزاياه الشخصية، كالشجاعة والمروءة والأنفة والشعور بالغربة. وقد بدا واضحاً أن تعظيم الشاعر لذاته، قد بدأ مع مطالع الصبا، حيث أسهم فوران صباه وانتماؤه القرمطي، في تعزيز أناه وتضخيمها ومضاعفة منسوبها، كما يظهر في قوله:

أيَّ محلٍّ أرتقي أي عظيمٍ أتَّقي

وكلُّ ما قد خلق الله وما لم يخلقِ

محتقرٌ في همّتي كشعرة في مفرقي

وإذ رافقت هذه السمة المتنبي في جميع مراحل حياته، فلن يعوزنا العثور على عشرات الشواهد والأمثلة الدالة على نرجسيته، وشعوره العميق بالعظمة والنبوغ. فهو لم يتحرج من القول: «أنا ترْبُ الندى وربُّ القوافي»، أو «ما بقوم شرفتُ بل شرفوا بي»، أو وصف غربته وتعاليه عن معاصريه من البشر، بالقول: «وما أنا منهمُ بالعيش فيهمْ، ولكنْ معدن الذهب الرغامُ». وهو في مواضع أخرى «خير من تسعى به قدم»، والصوت المتفرد الذي يتحول الآخرون إلى صدىً له. وهو الذي ينظر الأعمى إلى أدبه، ويسمع كلماته الأصم.

وقد يكون الشاعر الأندلسي ابن حمديس، أخيراً، أحد أكثر الشعراء قدرة على اختزال الشخصية النرجسية بقليل من الكلمات، حين وصف أحد الذين يرون في أنفسهم، محور الأرض وسبب دورانها، بقوله:

كأنما العالم مرآتهُ فلا يرى فيها سوى شخصهِ


عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
TT

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً يزخر بالصور متعدّدة المعاني، كما تشهد الأبحاث التي دأبت على دراستها وتحليلها، منذ اكتشاف هذا الموقع في مطلع القرن الماضي. يتوزّع قسم كبير من هذه الجداريات على قاعة كبرى تتألّف من ثلاثة إيوانات، يتوسّطها ركن يُعرف بـ«ركن العرش»، وفيه يحضر أمير القصر على عرشه تحت قبّة على شكل قنطرة، تزيّنها حلّة تصويرية مبتكرة تجمع بين سلسلة من القامات الأنثوية. تتبنّى هذه الحلّة طرازاً شاع في العالم المتوسّطي خلال القرون الميلادية الأولى، وتمثّل على الأرجح الأرض المثمرة بخيراتها الوفيرة التي ورثتها الخلافة الأموية، وأضحت أمينة عليها.

يحتلّ وسط سقف هذه القنطرة شريط تزييني عريض متقن أُنجز بحرفيّة عالية، ويتبنّى تأليفاً نباتياً تقليدياً، قوامه أربع زهريّات يونانية متراصة عمودياً، تحيط بها أربع شتول من فصيلة الأقنثا. تمتدّ هذه الشتول بأوراقها المسنّنة في فضاء التأليف، وتتوزّع بشكل تعادلي متناسق، لتؤلف لوحة نباتية يغلب عليها الطابع التجريدي الهندسي. لا يخلو هذا التأليف من العناصر التصويرية، الآدمية والحيوانية، إذ نجد في القسم الأسفل من هذا الشريط قامتين متواجهتين في وضعية نصف جانبية، ترفع كل منهما ذراعيها في اتجاه الأخرى، ونجد في القسم الأعلى طائرين متواجهين في وضعية جانبية، يرفع كلّ منهما رأسه في اتجاه الآخر. تحيط بهذا الشريط النباتي ستّ قامات نسائية نصفية، توزّعت على جانبي جداري القنطرة المقوّسين في بناء تعادلي محكم.

تتشابه هذه القامات الأنثوية بشكل كبير، وتُقارب في تشابهها التماثل، مع اختلافات بسيطة تحضر في تفاصيل ثانوية. ترتفع الرؤوس بشكل ثابت، محدّقة في اتجاه المشاهد، وتكشف عن وجوه ذات ملامح واحدة، تكلّلها خصل من الشعر تلتفّ من حولها، وتنسدل من خلف الكتفين. اللباس واحد، وقوامه جبّة، تتغير ألوانها ونقوشها بين قامة وأخرى. الحركة واحدة، وتتمثّل بحضور وشاح على شكل رزمة عريضة تنفتح أفقياً عند حدود الصدر. يستقرّ كلّ من هذه الرؤوس وسط قوس زيّن بسلسلة من النقوش المتراصة، وسط مساحة أفقية تزيّنها طيور من فصيلة الدراج، تصطفّ أفقياً في وضعيّة جانبية. تحضر ثلاثة طيور على الحائط الغربي، وتحضر إلى جانبها زهرية يونانية في طرف الصورة. ويتكرّر هذا التأليف بشكلّ مماثل على الحائط الشمالي.

ترتفع هذه الأقواس الستة فوق عواميد رخامية طويلة تكلّلها تيجان، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بـ«قوس المجد». وتنتصب وسط هذه العواميد سلسلة من القامات في وضعية المواجهة. ترتفع أربعة عواميد على الحائط الغربي، وتجاورها شجرة مورقة ترتفع إلى جانبها في طرف الصورة. تظهر تحت القوس الأوّل ثلاث قامات مُحِيَ الجزء الأكبر من تفاصيلها، ويتَضح عند التأمّل فيما بقي منها أنها تمثل قامة «ملكية» ترافقها قامتان من رجال الحرس، كما يوحي اللباس والرماح التي تظهر من خلف الظهر. تظهر تحت القوس الثاني امرأة تنتصب وسط شجيرات خضراء، حاملة بيديها شتولاً مزهرة. وتظهر تحت القوس الثالث، امرأة تنتصب كذلك في وضعية مشابهة. يتكرّر هذا التأليف على الحائط الشمالي، مع اختلاف في التفاصيل. يرافق الحرس القامة الملكية تحت القوس الأول. وتقف امرأة وسط شجيرات مثمرة تحت القوس الثاني. وتقف رفيقتها تحت القوس الأخير، رافعة بيدها اليسرى نحو الأعلى قرناً ضخماً.

يستعير هذا التأليف مفرداته من القاموس التشكيلي الكلاسيكي المتوارث. فالمرأة التي ترفع رزمة، هي في الأصل «غايا»، الأرض الأم التي ولد منها الكون وتشكّل، بحسب سفر التكوين اليوناني. وهي في العصر المسيحي، الأرض الطيّبة التي ترفع رزمة ملأى بالثمار. في المقابل، تجسّد القامات النسائية المنتصبة هذه الخصوبة، وفقاً لمبدأ «تشخيص» الفضائل والقيم والخيرات الذي اعتمده الفن الكلاسيكي، وتبنّاه الفن المسيحي من بعده. يجمع ركن العرش الأموي بين أربع قامات من هذا الطراز، وتتمّيز إحداها بالقرن الذي ترفعه بيدها عالياً، وهي في الفن الكلاسيكي «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال، والقرن الذي تحمله هو «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض. ظهر هذا القرن في القرن الخامس قبل الميلاد حيث ارتبط بسيد العالم السفلي «هاديس»، أي «مانح الثروة»، وذلك كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه» التي تعدّدت صورها ورموزها، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة. ورث الفن المسيحي هذا المثال فجرّده من دلالاته الأولى، وجعل منه رمزاً للوفرة والعطاء، ويبدو أنه دخل الفن الأموي من هذا الباب.

تحضر القامة الملكية برفقة حرسها على الجدار الغربي، كما تحضر على الجدار الشمالي المقابل. في المقابل، يظهر صاحب القصير متربّعاً على عرشه الملكي في صورة مركزيّة تحتلّ الجدار الجنوبي. تتآلف هذه العناصر وتعكس صورة سيادة الخلافة على هذه الأرض المثمرة. تكتمل هذه الصورة بحضور عناصر أخرى من هذه الحلة الاستثنائية. في الإيوان الشرقي، تظهر ثلاث قامات في لوحة جامعة تحتل الجزء الأعلى من الجدار الجنوبي. تحضر قامة نسائية تقف خلف قامة أخرى وهي تمسك بذراعها. ترافق هاتين القامتين كتابتان يونانيتان، «الحكمة» و«التاريخ». تتطلّع هاتان السيّدتان في اتجاه قامة تقف في الطرف المقابل، متكئة على عمود مربّع قصير، وترافق هذه القامة كتابة تسمّى «الشعر». يقابل هذه الصورة تأليف يحتلّ الأعلى من الحائط الجنوبي في الإيوان الغربي. فوق لوحة تمثّل الأمير وسط ديوانه، يظهر طاووسان متواجهان، وتعلو كلّاً منهما عبارة باللغة اليونانية، تسمّى إحداها «النعمة» وتسمّى الأخرى «النصر».

في الخلاصة، تمتدّ سيدة الخلافة لتشمل الأرض الطيبة كلها بغلال ثمارها، وتتزيّن بفضائل التاريخ والحكمة والشعر، وتحظى في حكمها بالنعمة والنصر.


تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.