ميرال الطحاوي: الكتابة لديّ تبدأ بهاجس خافت وأسئلة وجودية مؤرِّقة

الروائية المصرية تشتبك مع عالم المهاجرين في روايتها الجديدة «أيام الشمس المشرقة»

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي
TT

ميرال الطحاوي: الكتابة لديّ تبدأ بهاجس خافت وأسئلة وجودية مؤرِّقة

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي

منذ روايتها الأولى «الخباء»، لفتت ميرال الطحاوي الأنظار لخصوصية عالمها الروائي. وفي روايتها الجديدة «أيام الشمس المشرقة»، الصادرة حديثا عن دار العين بالقاهرة، تشتبك الكاتبة مع عالم المهاجرين عبر حكايات أبطالها الهاربين من أوطانهم وراء جنة موعودة. ويتماس هذا العالم مع تجربة الكاتبة الذاتية التي خاضتها بعد هجرتها إلى الولايات المتحدة حيث تعمل أستاذا للأدب العربي بجامعة أريزونا الأميركية. حصلت الطحاوي على جائزة الدولة التشجيعية في مصر عام 2002، وحازت روايتها «بروكلين هايتس» على جائزة «نجيب محفوظ» الأدبية من الجامعة الأميركية بالقاهرة... هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الروائية عموماً:
> في تصدير روايتك الجديدة إحالة لشمس الدين التبريزي ورهافة تصوراته عن السفر والرحلة، لكن سرعان ما تحيل الرواية لمكان كابوسي لا مكان فيه للأحلام كما يبدو. كيف رأيت توظيف تلك المفارقة؟
- تبدأ عملية كتابة الرواية دائما في تجربتي بهاجس خافت، بأسئلة وجودية لا أعرف كيف أجد جوابها، بمشاعر مختلطة أود التعبير عنها، مشاعر تختار شكلها القصصي وتصنع أبطالها الذين يتشكلون من ذاكرتي استجابة لهذا الهاجس، بالتأكيد كانت فكرة الرحلة بكل دلالاتها الروحية ذات الجذر الصوفي حاضرة أثناء كتابة الرواية. بالطبع كان الموروث الصوفي جزءا من محاولات الفهم، وكانت التصورات الصوفية للحياة بوصفها رحلة روحية وأننا نعاني بشكل ما هذا الحنين للعود الأبدي. جمعت الكثير من الشذرات الصوفية التي تتحدث عن الطريق والوصول وحتمية الارتحال، خاصةً في مأثورات التبريزي وجلال الدين الرومي، لكن رافق ذلك أيضاً الكثير من الأسئلة الوجودية في مسيرتي ككاتبة ومهاجرة وإنسانة. كانت تلك الأسئلة تطرح نفسها أيضاً، لا أعرف متى بدأت أنتبه بشكل عفوي لتلك الأغاني التي تتحدث عن الغربة، ولا لماذا كانت تطربني وكنت قد صدقت أنني خلعت كل تصوراتي الرومانتيكية وراء ظهري وتحولت لسيدة أميركية عملية وحازمة وسعيدة بما استطعت تحقيقه. لكن في الحقيقة، «الغربة كربة» كما يقولون بالعامية. الغربة ليست تجربة سعيدة علي الإطلاق لكنها تجربة مفيدة ومؤثرة. في «الشمس المشرقة» كان هناك الكثير من البحث المعرفي لمفهوم الشتات، ومحاولة لفهم علاقة المنفي بالوطن الذي خرج منه طوعا أو قسرا، في وقت من الأوقات كانت أغنية قديمة لفيروز ترافقني بشكل دائم تقول (... يا ريت ما كان فيها مراكب، يا ريت ما كان فيها سفر)، لا أعرف كيف وجدت تلك الأغنية صداها في روحي أو صارت ترافقني طوال مراحل الكتابة.
> تبدو أسئلة الهجرة، والشرق والغرب، موصولة ومؤرقة في مشروعك، منذ «بروكلين هايتس» وحتى «أيام الشمس المشرقة» كيف تتأملين التقاطع والتوازي بين هذين العملين الروائيين؟
- هناك مقولة شائعة عادة ما يتم اجترارها بين الغرباء مفادها أن قلبك لا يرحل معك «إنه مغناطيس سيظل يجذبك دائما إلى الوراء»، هذا ما يجمع التجربتين، كلتاهما تعبير عن الشتات وقسوته، تعبير عن مشاعر الفقد والهجر والإحباط في كلا العالمين، صراع مع ذلك الماضي الذي نحمله في حقائبنا، الفرق بين التجربتين هو تراكم الخبرات أو التجارب في ذلك المنفى الاختياري، خبرة الوعي بالذات، خبرة الأمومة وضياع الأبناء، خبرة الاقتلاع من الثقافة الأم، والتمزق بين اللغة والهويات المتعددة، لقد كتبت «بروكلين هايتس» مبكرا وأتذكر أن الصديقة الغالية ظبية خميس قالت لي «بعد فترة كافية من الوقت ستكتبين عن أميركا بشكل مختلف» وقد كان.
في «بروكلين هايتس» كانت محاولة لاكتشاف الذات، والنظر من بعيد للماضي ومحاولة للتشافي منه، لكن «الشمس المشرقة» لا ترتكز على الأبطال بل يصبح المكان هو المحرك الأول للحدث، عالم «الشمس المشرقة» هو البطل إن شئت، بعبارة أخرى في روايتي الجديدة محاولة أكثر نضجا للتعبير عن أوهام الخلاص والتحقق والتحرر والوصول للجنة الأبدية في مخيلة المهاجر عن الوطن البديل، ثم كيف يتحول هذا الحلم بالتدريج إلى خدعة.
> ينفتح عالم الرواية على بؤس عاملات النظافة، وعالم مقابر الأقليات والصراعات داخل أروقة الجامعات. الأبطال هنا على تعددهم عابرون ومهمشون. حدثينا عن خريطتك في رسم ملامح سكان «الشمس المشرقة».
- الرواية عن الشتات، عن عالم المهمشين في المنفى، من الطبيعي أن تكون شخصياتها من المهاجرين الفقراء والذين يخوضون الكثير من المغامرات في محاولة للنجاة، عن الذين يتسللون لتلك البلاد المشتهاة عادة بطرق غير شرعية ويعيشون في جيتوهات أو بلدات حدودية جبلية أو ساحلية، مثل تلك البلدة التي أكتب عنها، أوما أطلقت عليه مجازا بلاد «الشمس المشرقة»، أو غيرها من مدن النزوح، حيث تتحول الحياة اليومية في هذا المنفى الاختياري إلى محاولة متعسرة للنجاة من أشباح الماضي ثم الهرب من الواقع القاسي، البطولة في النص ليست للشخصيات التي أقدمها، السرد يتمحور حول هذا العالم وكيف يخلق عزلته ويعيش كهامش على أطراف المنتجعات الباذخة.
ويمكننا النظر لفكرة الهامش بشكل مزدوج، لا تخص فقط فئة أو طبقة معينة، وهم الطبقة الدنيا من العمالة الأجنبية، فالاغتراب والمنفى ومغادرة الوطن بشكل عام يعني للكاتب بشكل خاص شكلا من أشكال «الإقامة في الهامش» بتعبير إدوارد سعيد؛ الإقامة في الهامش الثقافي والاجتماعي لكلا العالمين، فهو مغيب وغائب في أرض المحضن، ومهمش بحكم لونه وعرقه ولغته وثقافته في الوطن الاختياري الجديد، وبالتالي يعيش هجرة مستمرة لا يمكن التآلف معها، ومن ثم هي غربة تولد الحنين الدائم إلى ماضٍ وأرض وثقافة ولغة وعالم لم يعد موجودا، لذلك فإن جوهر تلك التجربة هو البؤس، والحزن الذي لا يمكن التغلب عليه، يتساوى في ذلك كل المهاجرين الذين يتم التعامل معهم باعتبارهم هامشا طوال الوقت.
> عنونت الأماكن بأسماء لها وقع مجازي «الشمس المشرقة»، «الجنة الأبدية»، «سنام الجمل». هل اعتمدت تكنيك التبادل بين الواقع والمجاز في وصف معالم مجتمع المهاجرين بالولايات المتحدة؟
- تلك المفارقة لم أصنعها في تقديري إنما رصدتها بشكل كبير، في تلك البلدات الكثيرة التي عبرت بها في ولايات مختلفة، كلما كانت الحياة بائسة كانت البلدات ذات أسماء خلابة، مرتبطة بالجنة والتلال والوديان والطبيعة الخلابة، ربما كانت أميركا في وقت من الأوقات تلك الأرض البكر التي تقترح تلك العوالم الواعدة بالسعادة، ثم تحولت بالتدريج لآلية رأسمالية لتسويق الكمبوندات والمنتجعات وحتى التجمعات السكنية البائسة. فكرت في ترك الأسماء بطبيعتها الإنجليزية، مثل بردايز فاليparadise valley، لكن خيار ترجمة أسماء الأماكن الأميركية بشكل تهكمي وكاريكاتيري، بدا سحريا، أو أنه بالأحرى أضفى على المكان في مخيلتي طابعا كرتونيا كاذبا يخلق مفارقة بين الواقع والمتصور، وهذا ما أردته بالضبط، حدث ذلك أيضاً في اختيار العنوان، لقد تحيرت كثيرا وبعض الأصدقاء اقترحوا «الشمس الحارقة» رأوا أن ذلك أقرب لواقع الرواية، ولكنني اخترت الاتكاء على المفارقة، كما أشرت، لأن بنية النص ذاته قائمة وخالقة لتلك الدلالة العميقة للمجاز اللغوي.
> في الرواية اعتناء كبير بالوصف، بداية من الوصف الجغرافي للأماكن مرورا بتغيرات المناخ والفوضى البيئية. هل هنا ثمة اقتراب رمزي من الحصار الذي يبتلع الأبطال داخل سجنه؟
- نعم هناك اهتمام كبير بخلق صورة أو تصور جغرافي للمكان، «الشمس المشرقة» البلدة التي كانت تؤوي عمال المناجم، ثم تحولت إلى مدينة للمهاجرين، ومحطة من محطات الهجرة غير الشرعية. جغرافيا الرواية مهمة لأن الأحداث والشخصيات والنص كله يقوم في بلدة حدودية صارت محطة لتهريب البشر، تقع في منخفض يحيط به الجبال الشاهقة بمنتجعاتها العالية، تلك الجغرافيا خلقت طبيعة تلك الأرض وشكلت العلاقة بين سكانها، فالمتجول بين الولايات الأميركية خاصةً الجنوبية شرقا وغربا، سيجد تلك الحالة الجغرافية متكررة على الحدود الممتدة مع الجنوب حيث تمثل بوابات النزوح ومحاولات الدخول اليومي للمهاجرين غير الشرعيين، والحقيقة أن الجغرافيا ليست سوى دلالة على ما هو أعمق من تلك التضاريس بتعبير جمال حمدان، الجغرافيا هي القدر الذي يصنع التاريخ ويحدد أحيانا المصير الإنساني، لذلك أعتقد أنها تشكل الكثير من الدلالات الرمزية في النص كالوضع الطبقي والمسافات التي تفصل المتن الديمغرافي عن الهامش المتنامي الذي يستوطنه المهاجرون.
> تظهر المرأة في الرواية بحضور أنثوي أكبر، قمت هنا بتوظيف اللغة في محاولة إبراز عنفوانها بصورة أكثر جرأة، فهل ترددت في استخدام العامية أحيانًا على لسان بعض البطلات؟
- في الحقيقة كانت شخصية «نعم الخباز» محرضة على اختياراتي في لغة الحوار، فالشخصيات خاصةً «نعم الخباز» خليط من البؤس والذكاء والانحطاط أحيانا، كما أن العالم كله عالم سيدات الرعاية المنزلية وأعمال النظافة اللاتي يأتين من جنسيات كثيرة، أفريقية، ولاتينية وآسيوية وشرق أوسطية أيضاً، تلك الطبقة إن شئت تسميتها طبقة خلقت بمرور الوقت لغتها الحادة المنفلتة والبذيئة في بعض الأحيان، وهي لغة هجينة من كل اللكنات ولكن يمكن فهمها، لغة تشبه طريقة تعاطي الشخصية مع الوجود، فيها الكثير من التحدي والعنف، لذلك فإن عامية «نعم الخباز» لم تزعجني ولم أخترها أيضاً ولم أقم بتهذيبها، بل هي التي فرضت شكلها، قمت بحذف بعض ألفاظ الشتائم وطرق الحوار في مراحل النشر، لكنني لم أمارس سطوتي ككاتبة على صوتها نعم أو صوت غيرها، في النهاية يجب أن يترك الكاتب للشخصيات التي خلقها صوتها الخاص، صوتها الذي يعبر عنها بعيدا عنه.
> شغفك بالشعر النسائي البدوي والأغاني الشعبية قادك لمشروع ممتد، ما أكثر ما يلهمك في ملامحه الشعرية والحكائية؟
- العلاقة بين الكتابة والجندر هو تخصصي كباحثة، وأيضاً يمثل جزءا كبيرا من اهتمامي ككاتبة، رسالتي للماجستير كانت عن التمرد والاغتراب في أعمال الكاتبة السورية غادة السمان، ودراستي للدكتوراه والتي عنوانها حول المقدس في رواية الصحراء العربية، كان للكاتبة السعودية رجاء عالم جزء كبير منها، والكتاب الذي أشتغل عليه الآن أيضاً عن كتابة المرأة. لقد بدأت رحلة جمع الشعر النسائي البدوي مبكرا جدا، ربما كانت هي مفتاح الكتابة أو المحرض على الكتابة. منذ سن مبكرة، كنت أتلصص على جلسات الجدات، وهن يمارسن طقسا ارتجاليا شعبيا للغناء الجماعي، يسمونه «ضرب العلم»، عندما بدأت كتابة روايتي الأولى «الخباء» كانت «غناوة العلم» محرضي على الكتابة، استخدمت شعر (الغناوة) كمفتتحات لفصول السرد، لم تكن تلك الأبيات مجرد مفتتح لفصول رواياتي، بل كانت أيضاً هي الوعاء الذي تشكلت عبره خصوصية رؤيتي للبوح الأنثوي التراثي الذي يعتمد على الاستعارة، والإيحاء دون إفصاح، استفدت كثيرا من الإمكانات التي عرفني عليها هذا الشكل الأدبي، وعبقرية هذا الفن الشفاهي في التعبير عن المشاعر الحميمة، وخلق عالم موازٍ، واستخدام الرمز، والتعبير الموارب هرباً من سطوة الرقيب الاجتماعي. كنت وما زلت أرى أن الترميز، والتجريد، والإغراق في إلغاز دلالي واسع الإحالة، هي آليات الإبداع وحيل التعبير الأنثوي للبوح.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي