المنحى البيدوفيلي في «جراح الروح والجسد» لمليكة مستظرف

نص روائي جريء يخل باشتراطات بنيته السردية

غلاف جراح الروح والجسد
غلاف جراح الروح والجسد
TT

المنحى البيدوفيلي في «جراح الروح والجسد» لمليكة مستظرف

غلاف جراح الروح والجسد
غلاف جراح الروح والجسد

تُعتبر رواية «جراح الروح والجسد» للكاتبة المغربية مليكة مستظرف عملاً استثنائيًا لأسباب متعددة من بينها الجرأة في كشف المستور، وتعرية المسكوت عنه، وفضح الموضوعات المحجوبة وانتهاكها من دون لفّ أو دوران. إنَّ مَنْ يقرأ هذه الرواية بعناية فائقة، فسيكتشف من دون لأي أن موضوعها بسيط جدًا، وأن تقنياتها تخلو من التعقيدات السردية المتعارف عليها، خصوصا أن الساردة تعتمد كثيرًا على ضمير المتكلم ولا تجد ضيرًا في خرق القيم الثابتة، وانتهاك الموضوعات السريّة المطمورة في أعماق الكائن البشري الذي قد لا يميل بالضرورة إلى البوح والمكاشفة.
ورغم تنوّع الثيمات التي عالجتها الكاتبة في هذه الرواية، وعلى رأسها الحُب والفقد والسفر واكتشاف الذات، لكن «البيدوفيليا» تظل هي الثيمة المهيمنة على مدار النص الروائي حيث تكررت هذه الجريمة ثلاث مرات، الأولى مع الساردة نفسها، والثانية مع أولاد قدّور، والثالثة مع إلهام التي تصف نفسها بأنها «ابنة حرام». والبيدوفيل هو شخص مريض نفسيًا وذهنيًا يجد اللذة في اغتصاب الأطفال ومصادرة أرواحهم إلى الأبد. وربما تتضاعف خطورة الشخصية البيدوفيلية حينما يكون الضحايا أطفاله العُزّل، أو ذويه الذين لا حول لهم ولا قوة، تمامًا كما حصل مع أولاد قدّور الثلاثة الذين استباحهم جميعًا من دون أن ترتعد له فريصة، وحينما انكشفت جريمته لم يجد بُدًا من الانتحار شنقًا.
لا يقتصر وجود الشخصيات البيدوفيلية على قاع المجتمع الفقير جدًا، وإنما يمتد إلى مجمل طبقاته الاجتماعية المتوسطة منها والثرية ثراءً فاحشًا على حدٍ سواء، لكن تظل الأوساط الموبوءة في قاع المجتمع وحضيضه هي الملعب الأساسي الذي تتجلى فيه هذه الشخصيات المريضة.
تثير الساردة في مفتتح النص، سؤالاً شديد الخطورة مفاده: «لماذا أنبش الماضي وأنكأ الجراح؟» ولا غرابة في أن يكون الجواب سريعًا وحاسما «لكي أرتاح»، فالبوح يخفِّف من غلواء الألم الممض الذي تعاني منه الضحية المُنتهكة التي طُعِنت في الصميم.
تتعرض الساردة إلى ثلاث عمليات اغتصاب على أيدي الرجل الطويل الأسود، والبقّال، وقدّور «القذر»، أحد أقرباء والدها الحاج محمد. وبدلاً من أن تُعالَج الضحية في مصحّ نفسي تُعاقب بالكي على فخذها من قِبل الوالدة، وتتحول إلى طفلة منبوذة ومُدنّسة تعاقبها الأم وتعنّفها الأخت الكبرى، كما يحتقرها المحيط الاجتماعي ويحاول تجريدها من شخصيتها الإنسانية.
لم تكن الساردة هي الضحية الوحيدة في منزل أبيها، وإنما سوف نكتشف تباعًا أن الأخت الكبرى خديجة قد تحولت إلى البغاء لتعيل الأسرة برمتها. وأن والدها الحاج محمد لا يتورع عن خيانة زوجته، وقد شاهدته ذات مرة في المبغى الذي ترتاده. وحينما سألت عنه الحاج إبراهيم، أخبرها بأنه رجل غني يصرف في الليلة الواحدة راتب موظف محترم.
ورغم المِحن المتواصلة التي تعيشها الساردة، فإن الحُب يلامس قلبها غير مرة، حيث أحبت من طرف واحد، شابًا يسكن في العمارة المجاورة، وكتبت له رسالة غرامية، لكن صديقتها دست الرسالة خطأ في الطابق الرابع بينما هو يسكن في الطابق الخامس، الأمر الذي دفع الأهل إلى معاقبتها ومنعها من الخروج من المنزل إلا بحراسة قدّور المشددة.
ينعطف السياق السردي باتجاه آخر حينما نعرف أن قدّور قد سافر إلى فرنسا، واقترن بجوزيان التي أنجبت له ثلاثة أطفال، وهم زهرة وفاطمة ويوسف، لكنه سوف يغتصبهم جميعًا. وحينما تنكشف جريمته ينتحر في مرأب المنزل، الأمر الذي يدفع زوجته للمجيء إلى المغرب لتصفية أمورها المالية التي ورثتها عن زوجها المنتحر. وحينما تلتقيها الساردة لمعرفة السبب الذي دفعه للانتحار، تدعو الأم طفلتها زهرة التي تسرد قصتها ببراءة شديدة، ثم نعرف أن فاطمة ويوسف أيضًا كانا من ضحايا السلوك البيدوفيلي للوالد، وهم يُعالَجون ثلاثتهم في مصح نفسي. وعندئذ لا تتردد الساردة في البوح بأنها كانت ضحية قدّور، وأنها عانت مثلما عانى أطفالها الثلاثة، لكن الفرق الوحيد أنهم في الغرب شجعان، لذلك أخبروا الشرطة بما حدث لهم، أما هي فكانت تخاف من الفضيحة لأنها كانت ترضع الخوف والقمع من ثدي أمها، فلا غرابة أن تلوذ بالصمت وتتحمل كل أشكال المعاناة اللاإنسانية.
تقترح جوزيان على الساردة أن تذهب معها إلى باريس كي تساعدها في تأسيس جمعية تُعنى بضحايا الاعتداء الجنسي، وإذا نجحت التجربة فيمكن أن تعود وتفتح فرعًا في المغرب وتصبح مسؤولة عنه. ورغم يأس الساردة التي تشعر بأنها تدفن رأسها بالرمال، فإن جوزيان قد زرعت في داخلها بذور التحدي والاحتجاج، وذكّرتها بأن بي نظير بوتو قد غيّرت بلدًا بكامله لأنها كانت تمتلك الإرادة والعزيمة، لذلك قررت الساردة أن تكون سيدة مصيرها وسوف تتخذ القرار الذي سوف يقلب حياتها رأسًا على عقب.
لم يكن الجار الوسيم هو الشخص الوحيد في حياتها فلقد ارتبطت بنجيب، الشاب الجزائري التقليدي، لكنها لم تستطع أن تحبّه ليس لأنه لا يعرف الغزل أو الكلام المنمّق وحسب، وإنما لأنها كرهت جنس الرجال عمومًا ولم يزل وجه قدّور يتماوج أمام عينيها، مُذكرًا إياها بالمواقف البشعة التي ارتكبها بحق طفولتها المعفرة بالألم، لذلك قررت وضع حدٍ لهذه العلاقة المرتبكة.
لا بد من الإشارة إلى أن الساردة قد تعرفت في الحافلة على امرأة شابة تُدعى إلهام، وسوف ترتبط معها بعلاقة صداقة حميمة، وسوف يتحول منزل هذه الأخير إلى ملاذ لها في أوقات الشدة والاسترخاء. ثم نعرف من إلهام التي تعمل في حانة، أنها كانت أيضًا ضحية للاغتصاب الذي تعرضت له من قِبل خالها وشقيقها الوحيد. وبما أنها شخصيًا لا تعرف والدها البيولوجي، فقد أطلقت على نفسها صفة «بنت الحرام»، فلا غرابة ألا تعرف ابنتها دعاء والدها الحقيقي أيضًا.
تتوسع دائرة الأحداث من خلال إلهام، حيث تدعو الساردة إلى الحانة لتلتقي ببشرى التي تتحدث دونما حرج عن تمردها، هي وشقيقتها، على أوامر الوالد الذي قرر العودة بهما من باريس إلى الدار البيضاء، لكنها تهرب إلى هذه الحانة بينما تستقر أختها في أغادير لتعاشر السياح العرب والأجانب وتجني أموالاً طائلة.
تكتشف الساردة قبل سفرها إلى باريس، أن أخواتها وشقيقها الوحيد عبد الله يعرفون جميعًا أن خديجة قد دفعت مهرها وأثثت شقّتها واشترت عريسًا، وأن رصيدها الكبير من المال كان مصدره البغاء الذي تمارسه علنًا وبمعرفة الأسرة، باستثناء أمها التي توفيت في الخمسين من عمرها، وأبيها المنغمس في أسفاره الكثيرة وعلاقاته المحرمة خارج إطار المؤسسة الزوجية.
تصرّ الساردة على الرحيل رغم معارضة الأب الذي يرضخ، في خاتمة المطاف، حيث يحتضن ابنته في المطار ويطوِّق عُنقها بسلسلة ذهبية تتدلى منها «آية الكرسي»، ويخبرها بأنه سوف يطلّق زوجته التي كانت تخونه كلما سنحت لها الفرصة!
قد لا نستغرب من الحادثة المروِّعة التي تعرضت لها إلهام حينما خرجت مع محمد، صاحب المرسيدس البيضاء، الذي تناوب على اغتصابها مع أربعة أشخاص آخرين في فيلا غير مكتملة خارج المدينة، لكننا نستغرب حقًا من موافقة الوالد على سفر ابنته إلى باريس بينما كان يرفض بشدة سفرها إلى الرباط، الأمر الذي أخلّ باشتراطات البنية السردية لهذا النص الروائي الجريء.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.