مهرجانات بعلبك تسير بين الألغام وتفتح ذراعيها للفنانين الجدد

ملصق من فعاليات المهرجان (الشرق الأوسط)
ملصق من فعاليات المهرجان (الشرق الأوسط)
TT

مهرجانات بعلبك تسير بين الألغام وتفتح ذراعيها للفنانين الجدد

ملصق من فعاليات المهرجان (الشرق الأوسط)
ملصق من فعاليات المهرجان (الشرق الأوسط)

إنه صيف 1960. هياكل بعلبك مضاءة لاستقبال «موسم العزّ». مسرحية رحبانيّة جديدة من بطولة نجوم صاعدين: صباح، ووديع الصافي، ونصري شمس الدين. بعلبك هانئة والجمهور مرتاح البال، يصفّق للأصوات الجبارة ولحكايات القرية اللبنانية.

بين عامي 1956 و1974. مرت مواسم عزّ كثيرة على «مدينة الشمس» اللبنانية وعلى مهرجانها الدولي. الرحابنة وفيروز والفرقة على موعد سنوي مع الجمهور، وفي سبعينها وقفت أم كلثوم ثلاث مرات على «أدراج بعلبك»، لتكرّ السبحة مع فِرَق باليه ومسرح وضيوف عالميين أمثال مايلز دايفيس وإيلا فيتزجيرالد وغيرهما.
في ـ1975 انطفأت شمس الهياكل قسراً بفعل الحرب اللبنانية، التي تراجعت خلالها النغمات لصالح أزيز الرصاص. لكن المهرجان عاد ليضيء شموعه والشموس بعد 22 عاماً، حيث توالى منذ 1997 نجوم عالميون وعرب على معبدَي باخوس وجوبيتر: شارل أزنافور، وستينغ، وجوني هاليداي، الرحابنة، ووردة الجزائرية، ومارسيل خليفة، وعاصي الحلاني، وسميرة سعيد، وشيرين عبد الوهاب، وغيرهم. عادت بعلبك مقصداً لأهل البيت ولزوّاره من الدول العربية وأوروبا.

2020. بداية التحوّلات وثقافة التأقلم
حلّت سنة 2020 ثقيلة على العالم عموماً مع جائحة «كورونا» التي فرّقت جماهير المسارح والمهرجانات، وعلى لبنان خصوصاً مع الانهيار الاقتصادي وتفجير مرفأ بيروت. ورغم كل ذلك، أضيئت أعمدة بعلبك في صيف ذلك العام، مستضيفة تحيّة أوركسترالية للوطن المتألّم وللّبنانيين الصامدين، بقيادة الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية. الحفل الذي خلا من الحضور وبُثّ عبر شاشات التلفزة، رأى فيه الكثيرون احتفاليّة وداع لوطنٍ أثقلته الجراح وكادت موسيقاه تختنق.
إلا إنّ ما حصل في السنة التالية جاء ليثبت العكس. ففي 2021 كانت مهرجانات بعلبك على موعد مع باقة من الوجوه الفنية الجديدة. أسماء لم تسمع بها غالبية اللبنانيين من قبل، انتشرت في سهول «مدينة الشمس» وبين معابدها، وقدّمت فناً جديداً لا يشبه في شيء ما سبق أن قُدّم في بعلبك.
كما في العام السابق، كان الحفل مصوّراً وبُثّ عبر التلفزيونات ومنصات البث الرقمي. لكنّ التغيير الذي حمله بالشكل والمضمون، لم يَرُق لعددٍ كبير من اللبنانيين والمشاهدين عموماً. انقسمت الآراء بشدّة على وسائل التواصل الاجتماعي، فرأى البعض أنّ «مهرجانات بعلبك انتهت» متحسّرين على «مواسم عزّ» و«ليالٍ لبنانية» مضت، فيما بدا آخرون متحمّسين لهذا النفَس الجديد المُواكب للتحوّلات التي تشهدها الموسيقى عموماً ومزاج الشباب اللبناني تحديداً.
«لا يمكن أن نبقى مصرّين على المحتوى التقليدي»، تقول نايلة دو فريج رئيسة لجنة مهرجانات بعلبك الدولية في حديث لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «نحن كلجنة نفتخر بما قدّمنا السنة الماضية ونرى فيه إنجازاً رغم انتقادات التقليديين. هدفنا وواجبنا أن نساعد الجيل الفني الصاعد».
ليس ما يمرّ به البلد سهلاً، ودولة عاجزة عن دعم الطحين والدواء، من البديهي أن تعجز عن دعم المهرجانات الثقافية والفنية. تسير مهرجانات بعلبك بين ألغام الأوضاع السياسية والمالية المتهالكة، وتحاول الاستمرار بصفر ميزانية حكوميّة، متّكلة على الرُعاة من شركاتٍ خاصة ومؤسسات ثقافية. مع العلم بأنّ ثلث تمويل المهرجان كانت تؤمّنه الدولة اللبنانية، قبل أن تتهاوى خزينتها.
كان لهذا التعثّر المالي انعكاسٌ واضح على تركيبة المهرجان وهويّته. لكن بين الغياب والحضور المعرّض للانتقادات، اختارت اللجنة المواجهة والاستمرار، فاتحة ذراعيها لفنانين جدد وأذنيها للتعليقات، سلبية كانت أم إيجابية.
«لم أخف من التجديد»، تقول دو فريج مبررة التحوّلات التي تشهدها مهرجانات بعلبك منذ 3 سنوات: «علينا أن نتأقلم مع متغيّرات البلد ومع الإمكانيات المتاحة أمامنا. لقد تبدّل كل شيء، ولن يكون المستقبل كما كان الماضي. على سبيل المثال، لم يعد سهلاً أن نستقدم فنانين من الخارج بسبب الصعوبات المالية... نفتخر بماضي المهرجان وبجذورنا، لكننا لا نخشى النظر إلى الأمام حتى نستطيع التغيير».

تتفهّم دو فريج قلق البعض على صورة أقدم وأعرق مهرجان في منطقة الشرق الأوسط، لكنها تطمئنهم بالقول: «لمن يظنّون أن مهرجانات بعلبك انتهت، أقول إنها تشهد انطلاقة جديدة ونحن مستمرون». تذكّرهم بأنّ مَن هم اليوم أيقونات الفن اللبناني، كانوا كذلك شباناً وشابات مبتدئين في العشرينات من عمرهم، ليلة صعدوا للمرة الأولى على «أدراج بعلبك».
وعن غياب «فناني الصف الأول» عن المهرجان مؤخراً، توضح أنه لا علاقة للموضوع نهائياً بشروطهم المادية، إذ إن عدداً كبيراً منهم أبدى استعداده للتنازل عن حقوقه المادية. وتضيف: «نرحب بهم في المهرجان لكننا أخذنا على عاتقنا هذا العام وفي العام الماضي، مساعدة المبدعين الجدد».
برنامج 2022، رسالة رباعيّة الأبعاد
تقرّ دو فريج بأنّ برنامج المهرجان لهذا الصيف هو على قدر الإمكانيات المتواضعة، لكنه يحمل 4 رسائل مهمة:
- «الحفاظ على التراث الموسيقي اللبناني» من خلال حفل الافتتاح مع الفنانة سمية بعلبكي وشقيقها المايسترو لبنان بعلبكي.
- «تشجيع الفن الشبابي» عبر استضافة فريق البوب - روك اللبنانية «أدونيس».
- «الحفاظ على العلاقات مع الدول الصديقة» في حفل فلامنكو - جاز بالتعاون مع السفارة الإسبانية في بيروت.
- «خصوصية مهرجانات بعلبك» مع العازف اللبناني الفرنسي سيمون غريشي، الذي لم يوفر فرصة لدعم المهرجان من مكان إقامته في باريس.
وتوضح دو فريج أن الحفل لن يبث مباشرة كما في السنتين الماضيتين و«اللي بدو يحضر لازم يطلع ع بعلبك»، داعية الجميع إلى المشاركة في احتفالية شعارها «We are (a) live» (نحن على قيد الحياة).
ويبدو أنّ النداء وصل بسرعة، فلم يكد برنامج المهرجان أن يخرج إلى العلن حتى بيعت أكثر من ألف بطاقة لحفل "أدونيس"، حسب ما يؤكد مغني الفريق أنطوني خوري للشرق الأوسط.
أنطوني والفريق معتادون على المسارح والجماهير الكبيرة، لكن لبعلبك وَقعٌ آخَر. يمتزج التاريخ والعراقة والنوستالجيا في مخيّلة الفنان الشاب، لكنه لا يسمح للرهبة بأن تسيطر عليه. يقول: "لا نسأل أنفسنا ما إذا كنا نستحق الوقوف تحت معبد جوبيتر للعزف والغناء، فنحن لا نشكك بقدراتنا". ويتابع: "التحدّي الآن هو أن نقدّم أفضل ما لدينا لنكون على مستوى المهرجان وتوقّعات الآلاف الوافدين من المدن اللبنانية ومن دول مجاورة. الخوف موجود طبعاً لكنه ليس عائقاً. لا وقت للتحطيم المعنوي بل للارتقاء."

وعن ردود الفعل المرتقبة والتي قد تكون شبيهة بما حصل الموسم الماضي، يقول خوري إنّ "كل شيء تغيّر بعد كوفيد والأحداث اللبنانية، والفن يتغيّر حسب ظروف المجتمع. القوة هي في التأقلم مع التحوّلات، وما قدّمه المهرجان عام 2021 ساعد في تجديده من دون أن يسرق اسمه. أما أجمل ما حصل السنة الماضية بنظري، فهي تلك الجدليّة التي دارت بين جيلين وذَوقين على خلفية المهرجان. من الأفضل أن يختلف الناس حول الفن وليس حول قضايا أخرى...".

يكشف خوري للشرق الأوسط أن حفل "أدونيس" سيضمّ فنانين ضيوفاً من خارج لبنان، أما هو فسيجلس إلى البيانو في ظل الهياكل، وسيغمض عينَيه للحظة ويتخيّل نينا سيمون التي جلست الجلسة ذاتها منذ 24 عاماً. يبسّط أنطوني مهمّة فريقه قائلاً: "يكفي أن نخفف عن أنفسنا وعن الناس... هذا ما نريد إنجازه في بعلبك".

وتنطلق فعاليات المهرجان في 8 يوليو (تموز) المقبل، لتكون بعلبك على موعدٍ مع خُطى الناس وضحكاتهم وتصفيقهم بعد موسمين من العزلة.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».