«يونيب»... بين مطرقة الاستخبارات وسندان إسرائيل

50 عاماً على مؤتمر استوكهولم للبيئة البشرية

مؤتمر استوكهولم يونيو (حزيران) 1972
مؤتمر استوكهولم يونيو (حزيران) 1972
TT

«يونيب»... بين مطرقة الاستخبارات وسندان إسرائيل

مؤتمر استوكهولم يونيو (حزيران) 1972
مؤتمر استوكهولم يونيو (حزيران) 1972

بعد 50 عاماً على مؤتمر استوكهولم حول البيئة البشرية، تسرد «الشرق الأوسط» اليوم أسرار ولادة برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) كما يرويها مؤسس مفهوم «دبلوماسية البيئة» العالم المصري مصطفى كمال طُلبة الذي انتخبه مؤتمر استوكهولم نائباً للرئيس وعيّنته المجموعتان العربية والأفريقية متحدثاً باسمهما. وتوضح رواية طُلبة كيف كانت «يونيب» واقعة بين مطرقة الاستخبارات وسندان إسرائيل.
كانت البداية من استوكهولم حيث انتخب مؤتمر البيئة البشرية طُلبة نائباً للرئيس، فيما تولى الأمانة العامة موريس سترونغ الذي غادر «يونيب» في نهاية 1975، وبعدها انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة طُلبة مديراً تنفيذياً للبرنامج لأربع سنوات، وتم تجديد ولايته أربع مرات حتى عام 1992.
ويتذكر طلبة مشكلتين واجهتاه مع الولايات المتحدة؛ الأولى عام 1987 حين كانت الحرب الباردة على أشدّها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. فقد أبلغ البيت الأبيض نيّته إلغاء الدعم الطوعي الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى «يونيب»، لأن المنظمة «مفتوحة لرجال الاستخبارات السوفيات كي ينقلوا كل شيء إلى حكومتهم». ويعلّق طُلبة أن هذا بدا أمراً غريباً، «فمنذ بدء عمل (يونيب) كان في المناصب الكبرى الأميركي بيتر ثاتشر، الذي كان يعمل أصلاً في وكالة الاستخبارات الأميركية، والروسي سفين أفتييف. وكلّنا كنا نعلم أن الترشيح لأي منصب كبير في الأمم المتحدة من الاتحاد السوفياتي لم يكن ليتم إلا إذا كان للمرشح وضع خاص مع الاستخبارات السوفياتية». وبعدما اعترض طُلبة على الملاحظات الأميركية، قررت الولايات المتحدة الاستمرار في تسديد مساهمتها.
أما المشكلة الثانية مع الولايات المتحدة فحصلت عام 1991 حين هدد أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي بعدم الموافقة على المساهمة في ميزانية «يونيب» لعدم تعيين موظفين ومستشارين إسرائيليين فيه ولعدم قيام المدير التنفيذي بزيارتها. وكان رد طُلبة أن التعيين يتم بناءً على اقتراح لجنة شؤون العاملين، التي تختار أفضل ثلاثة مرشحين. وإذا لم تقدم اللجنة أي اسم من إسرائيل، فهذا يعني أنها (إسرائيل) لا ترشح إلا من هم في مستوى متواضع من القدرة العلمية.
... المزيد


مقالات ذات صلة

السعودية وتركيا تعززان التنسيق المناخي قبيل مؤتمر «كوب 31»

الاقتصاد وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان مع وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي ورئيس مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين «COP31» مراد قوروم (وزارة الطاقة)

السعودية وتركيا تعززان التنسيق المناخي قبيل مؤتمر «كوب 31»

بحث وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان مع وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي مراد قوروم، التعاون المشترك في مجال العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا طائرة تتبع الحماية المدنية تلقي بمواد إطفاء الحرائق فوق كول ديه أوزين بجنوب فرنسا (أ.ف.ب)

أجهزة الإطفاء في جنوب أوروبا تكافح حرائق بدأ موسمها مبكراً

بدأ موسم الحرائق في جنوب أوروبا مبكراً، هذه السنة؛ إذ اندلع عدد منها في جنوب فرنسا وإسبانيا والبرتغال واليونان مترافقة مع موجة حر جديدة.

الولايات المتحدة​ أمواج مرتفعة قبالة سواحل جزيرة غوام قبل ساعات من وصول «إعصار شديد الخطورة» (أ.ف.ب)

إعصار «شديد الخطورة» يقترب من الجزر الأميركية في المحيط الهادئ

اجتاحت رياح عاتية وأمطار غزيرة غوام وجزر ماريانا الشمالية قبل ساعات من وصول «إعصار شديد الخطورة» بقوة تعادل قوة إعصار من الفئة الخامسة فوق هذه الجزر.

«الشرق الأوسط» (غوام)
أوروبا مروحية إطفاء حرائق تكافح حريقاً هائلاً قرب كالونغ في إسبانيا (رويترز)

حريق في إسبانيا يلتهم 22 مليون متر مربع من الأراضي

أتى حريق اندلع، صباح أمس (الجمعة) قرب كوستا برافا في شمال شرقي إسبانيا على 2200 هكتار (22 مليون متر مربع) من المساحات الحرجية والزراعية.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)

فرنسا شهدت هذا العام أشدّ أشهر يونيو حرّاً

شهدت فرنسا هذا العام أشدّ أشهر يونيو (حزيران) حرّاً منذ البدء بتسجيل بيانات الطقس في عام 1947، إذ تجاوزت الحرارة 40 درجة في كثير من المناطق.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»... شهادات تتهم قوات بريطانية بانتهاكات في أفغانستان

قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
TT

«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»... شهادات تتهم قوات بريطانية بانتهاكات في أفغانستان

قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)

أفادت تحقيقات أجريت حول الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الخاصة البريطانية في أفغانستان بأن القوات البريطانية ألقت سجناء أفغاناً من رافعة شوكية «للتسلية»، وأن هناك جندياً بريطانياً وُصف بأنه «مؤيد لحركة طالبان» فقط لأنه أبدى مخاوفه بشأن مقتل ثلاثة مزارعين في غارة نفذتها القوات الخاصة.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد تواصلت مونيكا غرينفيل، وهي صحافية سابقة كانت تتواصل مع طاقم الدعم اللوجستي للقوات الخاصة البريطانية، وكريستوفر غرين، الجندي السابق في قوات الاحتياط بالجيش البريطاني، مع لجنة التحقيق في أفغانستان للإدلاء بشهادتهما بعد أن أصدر رئيس اللجنة طلباً للحصول على معلومات.

وتُحقق اللجنة في مزاعم ارتكاب القوات الخاصة البريطانية جرائم حرب في أفغانستان بين عامي 2010 و2013، وسط مزاعم بوجود محاولات للتستر على الوقائع.

«قتلنا الأبرياء»

قال غرين، الذي خدم بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) 2012، إنه حاول إثارة المخاوف بشأن مقتل ثلاثة أشقاء كانوا مزارعين في قرية رحيم.

ولفت إلى أنه تم إطلاق النار عليهم خلال عملية اعتقال، قال غرين إنها «سارت على نحو خاطئ» حيث قامت القوات الخاصة بإطلاق النار على المزارعين بزعم «الدفاع عن النفس».

وأضاف أن فريق الاستخبارات في وحدته كان «واضحاً تماماً في أنه لا يوجد ما يشير إلى أن الأشقاء كانوا سوى مزارعين، فضلاً عن عدم وجود ما يثبت أنهم كانوا قادة في (طالبان)».

وأشار إلى أنه عندما أثار تساؤلات حول الواقعة، واجه رفضاً شديداً، موضحاً أن أحد الضباط وصفه بأنه «مؤيد لـ(طالبان)» بسبب تشكيكه في تصرفات القوات الخاصة.

وقال غرين إنه طلب مشاهدة لقطات فيديو لعمليات القتل، والتي أُطلق عليها اسم «تسجيلات إطلاق النار»، لمساعدته على فهم الحادث و«التواصل مع السكان المحليين لمحاولة تهدئة الوضع».

ومع ذلك، وعلى الرغم من حصوله على التصريح اللازم لمشاهدة الفيديو، فقد مُنع من ذلك، حسبما أفاد التحقيق.

استمعت لجنة التحقيق إلى شهادة تفيد بأن والدة الأشقاء، بيبي هازراتا، قد تلقت مبلغاً نقدياً يعادل 3634 جنيهاً إسترلينياً من الحكومة البريطانية بعد وفاة أبنائها، ووُصف هذا المبلغ بأنه «مساعدة مالية».

وأبلغ غرين رئيس لجنة التحقيق، اللورد هادون-كيف، أن هذه «سياسة غير مألوفة» وأنه اعتبرها «اعترافاً ضمنياً بقتل الأبرياء».

وقال: «لا يسعني إلا أن أعرب لكم عن أسفي لعدم إدلائي بهذا التصريح في وقت سابق».

«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»

قالت غرينفيل إن أحد الجنود أخبرها بأن بعض أفراد القوات الخاصة كانوا يسيئون معاملة المعتقلين، مضيفة: «أتذكر تحديداً أنه أخبرني بأنه كان يضع السجناء على رافعة شوكية، ثم يرفعهم ويقود بسرعة كبيرة حتى يسقطوا منها».

وأضافت: «لم أرَ أي مكان أسوأ من ذلك، وكان لدي شعور بأن الأشخاص أُطلق لهم العنان ليفعلوا ما يريدون»، مؤكدة: «كنت أشعر بأنه لا أحد يراقبهم».

ويبحث التحقيق أيضاً في مزاعم التستر على أنشطة غير قانونية، ومدى كفاية التحقيقات التي أجرتها الشرطة العسكرية الملكية.

وكانت تحقيقات سابقة قد أُجريت بشأن مزاعم إعدامات نفذتها القوات الخاصة البريطانية، من بينها مزاعم تتعلق بمقتل أطفال، إلا أنها انتهت دون توجيه اتهامات أو ملاحقات قضائية.

من جانبها، أكدت وزارة الدفاع البريطانية، في بيان، أن «الحكومة ملتزمة بالكامل بدعم التحقيق المستقل بشأن أفغانستان، وتقدر جميع العاملين الحاليين والسابقين في قطاع الدفاع الذين أدلوا بشهاداتهم»، مضيفة أنها «ستواصل تقديم الدعم الذي تستحقه القوات الخاصة، مع الحفاظ على الشفافية والمساءلة التي يتوقعها الشعب البريطاني من قواته المسلحة».

وأشارت إلى أنه «من الصواب السماح للتحقيق باستكمال عمله المهم قبل الرد بصورة كاملة».


اكتشاف 4 نجوم قزمة على بُعد 65 سنة ضوئية

تصور فني لنجم قزم أحمر يرافقه قزم أبيض في نظام ثنائي (جامعة وارويك)
تصور فني لنجم قزم أحمر يرافقه قزم أبيض في نظام ثنائي (جامعة وارويك)
TT

اكتشاف 4 نجوم قزمة على بُعد 65 سنة ضوئية

تصور فني لنجم قزم أحمر يرافقه قزم أبيض في نظام ثنائي (جامعة وارويك)
تصور فني لنجم قزم أحمر يرافقه قزم أبيض في نظام ثنائي (جامعة وارويك)

اكتشف فريق دولي من علماء الفلك 4 نجوم قزمة بيضاء كانت مختبئة في الجوار الكوني للشمس، رغم أنها تقع على مسافة لا تتجاوز نحو 65 سنة ضوئية من الأرض.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة وارويك البريطانية، أن هذا الاكتشاف يكشف عن وجود أجسام نجمية خافتة لم تُرصد سابقاً حتى في أقرب مناطق مجرة درب التبانة، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، بدورية «MNRAS».

والنجوم القزمة البيضاء هي بقايا نجوم متوسطة الكتلة، مثل الشمس، بعد استنفاد وقودها النووي في نهاية عمرها. وعند هذه المرحلة تتخلص النجوم من طبقاتها الخارجية، بينما تنكمش نواتها لتتحول إلى جسم شديد الكثافة بحجم يقارب حجم الأرض، لكنه يحتفظ بكتلة تقارب كتلة الشمس. ولا تنتج الأقزام البيضاء طاقة جديدة، بل تشع الحرارة المتبقية فيها تدريجياً لمليارات السنين، مما يجعلها من أهم الأجرام لدراسة المراحل الأخيرة من تطور النجوم وتاريخ مجرة درب التبانة.

وحسب الدراسة، تقع الأنظمة النجمية الأربعة المكتشفة على مسافة لا تزيد على 65 سنة ضوئية من الأرض، بينما يبعد أحدها نحو 25 سنة ضوئية فقط، ليصبح تاسع أقرب نجم قزم أبيض معروف إلى الشمس.

وأوضح الباحثون أن هذه الأقزام البيضاء ظلت غير مكتشفة لأن كلاً منها يدور حول نجم قزم أحمر أكثر سطوعاً، ما جعل ضوء النجم المرافق يحجب إشعاع القزم الأبيض ويُظهر النظام كما لو كان يتكون من نجم واحد عند الرصد بالأطوال الموجية المرئية.

ورصد علماء الفلك الأنظمة الأربعة أولاً عبر ظاهرة تُعرف بـ«التذبذب الشعاعي»؛ إذ يتحرك النجم ذهاباً وإياباً بصورة طفيفة تحت تأثير جاذبية جسم ضخم غير مرئي يدور حوله، ما أثار الشكوك بوجود رفيق خفي.

وللتأكد من طبيعة هذه الأجسام، استخدم الفريق بيانات المطياف العامل بالأشعة فوق البنفسجية على متن تلسكوب «هابل» الفضائي، حيث تظهر الأقزام البيضاء بوضوح في هذا النطاق من الضوء. لكن المهمة لم تكن سهلة، حسب الفريق، لأن النجوم القزمة الحمراء تُطلق توهجات قوية قد تحاكي الإشارات الصادرة عن الأقزام البيضاء؛ لذا طوّر الباحثون تقنيات معايرة خاصة مكّنتهم من تأكيد وجود النجوم الأربعة.

وكان النظام النجمي «G 203-47» الأكثر إثارة للاهتمام؛ إذ يقع على بعد نحو 25 سنة ضوئية من الأرض. ورغم أن أول دليل على وجود جسم مرافق فيه رُصد قبل 27 عاماً، فإن العلماء لم يتمكنوا إلا الآن من إثبات أنه نجم قزم أبيض.

سلوك غير مألوف

ويتميز هذا النظام أيضاً بسلوك غير مألوف؛ فالنجم القزم الأحمر يدور حول محوره مرة كل أكثر من 100 يوم، فيما يكمل دورته حول القزم الأبيض كل 15 يوماً تقريباً، وهو ما يخالف النمط المعتاد في الأنظمة الثنائية المتقاربة، حيث تؤدي قوى الجاذبية عادة إلى تزامن دوران النجم مع مداره.

وقال الباحثون إن الأقزام البيضاء المنفردة القريبة يسهل اكتشافها عادة، لكن ضوء النجوم القزمة الحمراء المرافقة طغى على إشعاع هذه الأقزام، مؤكدين أن الاكتشاف يبرهن على أن الجوار الكوني للشمس لا يزال يخفي مفاجآت يمكن كشفها باستخدام تقنيات رصد أكثر تطوراً.

وأشار الفريق إلى أن نحو 30 في المائة فقط من النجوم القزمة الحمراء القريبة خضعت حتى الآن لعمليات بحث منهجية عن أقزام بيضاء مخفية، ما يعني احتمال وجود ما بين 9 و10 أنظمة ثنائية أخرى لم تُكتشف بعد، وهو ما يجعل تكثيف عمليات الرصد مرشحاً للكشف عن مزيد من هذه النجوم المختبئة.


لبنان: عون و«التقدمي» تجمعهما مساحة مشتركة وسلام ثالثهما

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط والنائب تيمور جنبلاط (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط والنائب تيمور جنبلاط (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان: عون و«التقدمي» تجمعهما مساحة مشتركة وسلام ثالثهما

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط والنائب تيمور جنبلاط (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط والنائب تيمور جنبلاط (الرئاسة اللبنانية)

أحدثت المذكرة التي رفعها الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط إلى المجلس المذهبي الدرزي، ضجة سياسية بداخل الفريق السياسي المؤيد للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية برعاية أميركية، وطرحت أسئلة حول مستقبل علاقته برئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام، خصوصاً أنه استبقها، من وجهة نظره، بموقف غمز فيه من قناة الخبراء والمستشارين الملحقين برئاستي الجمهورية والحكومة في معرض انتقاده لما حمله «اتفاق الإطار» من ثغرات، أبرزها إغفاله لـ«اتفاقية الهدنة»، وتقييده لملاحقة إسرائيل في المحافل الدولية.

رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط خلال افتتاح اجتماع المجلس المذهبي الدرزي الأسبوع الماضي (الشرق الأوسط)

فمذكرة جنبلاط هذه أوجدت حالة من الإرباك داخل الفريق السياسي المؤيد لـ«اتفاق الإطار» بجنوح البعض إلى القول إنها أدت إلى قطيعة بينه وبين عون، وأوجدت حالة من الفتور مع سلام، إلى أن تبين أن تقديرهم ليس في محله، وأن الرد جاء في استقبال عون للنائب في «اللقاء الديمقراطي» وائل أبو فاعور، المكلف بملف العلاقة بينهما، كما أن علاقة «التقدمي» بسلام هي في طريقها إلى المعالجة لتبديد ما اعتراها من شوائب من دون أن تقفل الباب أمام تواصل عدد من نواب «اللقاء الديمقراطي» به.

وفي هذا السياق، قال مصدر بارز في «اللقاء الديمقراطي» لـ«الشرق الأوسط» إن من يراهن، في قراءته لما حملته المذكرة، على أن جنبلاط الأب في ملاحظاته على «اتفاق الإطار» يستعد للانتقال تدريجياً من تأييده له إلى تموضعه تحت سقف «مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية، سيكتشف أن رهانه ليس في محله. وسأل: أين المشكلة من تواصله باستمرار مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري وتقاطعه معه حول عدد من الملاحظات؟ وهل المطلوب منه الدخول في قطيعة معه استرضاء لهذا الفريق أو ذاك؟ وفي هذه الحال مع من يمكن التحدث في الطائفة الشيعية في حال أن الظروف فتحت الباب أمام التوصل لتسوية سياسية بوضع حد للمراوحة في ظل انقطاع التواصل مع «حزب الله»؟

ولفت المصدر إلى أن جنبلاط أورد ملاحظاته على «اتفاق الإطار» على طريقته الخاصة وبأسلوبه المعروف الذي اعتاد عليه السياسيون. وقال إنه كان ولا يزال على تباين مع الفريق المسيحي الذي يرفض التمايز بين بري و«حزب الله». وأكد أن لا مكان للقطيعة بينه وبين عون، وأن إمكانية التوصل إلى تفاهم معه ما زالت قائمة لتحصين الموقف اللبناني في المفاوضات، سيما وأن هناك مساحة سياسية مشتركة تجمعهما تحت سقف واحد لتنقية «اتفاق الإطار» من الشوائب، ويكون سلام ثالثهما. ورأى أن لقاء أبو فاعور بعون أكثر من ضروري؛ لقطع الطريق على من يراهن على حصول قطيعة بين الرئيس وجنبلاط.

وأضاف أن جنبلاط في ملاحظاته على «اتفاق الإطار» يلتقي مع توجه عون وسلام حول تعديله، ويتقاطع مع عون في ضرورة وضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل على مراحل من الجنوب، والطلب من الولايات المتحدة الأميركية أن تفي بتعهدها للبنان بإلزام إسرائيل بالانسحاب التدريجي حتى الحدود الدولية بالتزامن مع نشر الجيش، وأن أقصى ما يتطلع إليه هو الوصول إلى إنهاء حال الحرب بين البلدين.

لقاء بين رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الحزب «الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط (أرشيفية - الوكالة الوطنية للإعلام)

وأكد المصدر أن التوصل لجدول زمني لانسحاب إسرائيل ونشر الجيش في المناطق التي تخليها يبقى الشغل الشاغل لعون الذي سيدرجه بنداً أساسياً في اجتماعه المرتقب بالرئيس دونالد ترمب في 21 يوليو (تموز) الحالي في واشنطن. وقال إن السلام مع إسرائيل، من وجهة نظر عون، يبقى تحت سقف تمسكه بـ«المبادرة العربية» التي أقرتها القمة العربية التي استضافها لبنان عام 2002. وسأل: أين تكمن المشكلة في مطالبة جنبلاط بعدم تغييب «اتفاقية الهدنة» التي ركّز عليها عون في خطاب القسم وتصدّرت «اتفاق الطائف» والقرار 1701 باعتبارها الممر الوحيد لتثبيت الحدود الدولية بين البلدين؟

ولفت إلى أن تركيز جنبلاط على «اتفاقية الهدنة» يأتي في سياق الرد على من يدّعي تأييده لـ«الطائف» ولا يعترض، في نفس الوقت، على الدعوات للفيديرالية والكونفدرالية التي أخذت تتنامى ويطالب بها البعض. وسأل: كيف يوفّق هؤلاء بين التناقضات تحت سقف واحد؟ وهل يُمنع جنبلاط من تسجيل ما لديه من ملاحظات على «اتفاق الإطار» كأساس للتفاوض للتوصل لاتفاق نهائي، مع أن من يدافع عنه بقوله إن الإشارة فيه إلى إعادة انتشار إسرائيل خارج الأراضي اللبنانية ما هو إلا الوجه الآخر لانسحابها حتى الحدود الدولية، بذريعة أن رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو ليس في وارد السماع بعبارة الانسحاب واستبدلت، بضغط أميركي، بهذه العبارة؟

وأضاف أن جنبلاط ارتأى تسجيل ما لديه من ملاحظات على «اتفاق الإطار» كونه ليس نهائياً وهو موضع تفاوض، وبالتالي يخطئ من يعتقد أنه يعد العدة للانتقال من ضفة سياسية إلى أخرى بتأييده لـ«مذكرة التفاهم» التي تدخل الآن في موت سريري، وكان السباق بعدم الرهان عليها نظراً لما يكتنفها من غموض.

وتابع أن جنبلاط لم يؤيد وحدة الساحات ورفض ربط المسار اللبناني بإيران، وأن المآخذ عليه تبقى بالشكل وتتعلق بطريقته المعهودة في تقديم ملاحظاته إلى الرأي العام، وكان في طليعة الذين انتقدوا إسناد «حزب الله» لغزة وإيران، وعارض بشدة إطلاق الصواريخ من لبنان احتجاجاً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.

وأكد أنه لم يتردد بتأييده المفاوضات المباشرة وحصرية السلاح بيد الدولة وانتشار الجيش في جنوب الليطاني في الأماكن التي تنسحب منها إسرائيل، خصوصاً أن الوزيرين المحسوبَيْن على «التقدمي» أيدا جميع القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء، بما فيها فرض الحظر على الجناح العسكري للحزب، والخطة التي وضعتها قيادة الجيش لحصرية السلاح وتبنّاها مجلس الوزراء، وبالتالي من غير الجائز للبعض أن يتعاطى مع ملاحظاته وكأنه في طريقه للانقلاب على المفاوضات المباشرة.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً رئيس الحزب «الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط والوزير السابق غازي العريضي (الشرق الأوسط)

لكن جنبلاط، بحسب المصدر، لا ينزع عن بري رفضه استخدام الشارع لإسقاط الحكومة وتدخله المباشر للحفاظ على السلم الأهلي ومنع الفتنة، وهذا ما تجلى باعتراضه الشديد على الدعوات للتجمع أمام السرايا الحكومي، وتمسكه ببقائها بخلاف حليفه «حزب الله»، وتأييد وزرائه لحصرية السلاح، وانزعاجه من تفلت أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم من تعهده بعدم التدخل إسناداً لإيران.

وعليه، فإن رهان البعض على استدارة جنبلاط على خياره السياسي بذريعة الملاحظات على «اتفاق الإطار» ليس في محله، ويتعارض مع حرصه على علاقته بعون وسلام، وأن تمسكه بـ«اتفاق الطائف» أكثر من ضروري للالتفاف على الدعوات المطالبة باعتماد نظام يتعارض وروحيته، وأن عامل الوقت سيسمح بإعادة تنشيط تواصله بسلام بعد أن أُقفل الباب، بلقاء أبو فاعور بعون، في وجه رهان البعض على أن علاقته بـ«التقدمي» تقترب من القطيعة.

لذلك، فإن الرهان على قطيعة بين عون و«التقدمي» أصبح وراءنا، كما يقول المصدر، خصوصاً أن جنبلاط كان أول من رشحه لرئاسة الجمهورية وبقي على موقفه لحين انتخابه، إضافة إلى أنه كان في طليعة مؤيدي سلام لتولي رئاسة الحكومة نظراً للعلاقة الوثيقة القائمة بينهما والتي يُفترض أن تستعيد حيويتها تدريجياً، وأن العديد من نواب «اللقاء الديمقراطي» يتواصلون معه ويراهنون على أن الفتور المسيطر على علاقة جنبلاط الأب به ما هي إلا غيمة عابرة في طريقها للمعالجة، تأكيداً بأن جنبلاط صامد أمام خياراته السياسية ولن يبدلها.