الدراسات العربيّة في الغرب... تاريخ لم يكتمل

مقالات هاملتون تمحورت حول فترة صعودها خلال القرن السابع عشر وأهملت جذورها

ألستير هاملتون
ألستير هاملتون
TT

الدراسات العربيّة في الغرب... تاريخ لم يكتمل

ألستير هاملتون
ألستير هاملتون

أثار كتاب ألستير هاملتون «العرب والمستعربون... مقالات مختارة*» عند صدوره قبل أشهر اهتماماً استثنائياً في الأوساط المتخصصة بالدراسات العربيّة والإسلاميّة في العالم الغربي، بوصفه إحدى المحاولات النادرة في تأريخ اهتمام الغرب بتلك النوعيّة من الرصد المؤسسي المحترف والأكاديمي لكل ما يتعلّق بثقافة ولغة العالم العربي (والإسلامي عموماً)، ليس للوقائع والأسماء فحسب، وإنما للبحث في الغايات من وراء تلك الجهود، وتحولات هذي الغايات عبر المراحل التاريخية المختلفة. وربّما هو الأهم. على أن مقالات هاملتون المختارة، وإن تضمنت تغطية مشوّقة وإضاءات لطيفة على جوانب من ذلك التاريخ الطويل والمتشابك، فإنها تمحورت بشكل أساسي حول فترة صعود الدراسات العربيّة خلال القرن السابع عشر، مع ملاحظات محدودة عمّا تلاها، وقطيعة شبه كليّة عن جذور تلك الدراسات في إطار تجربة الأندلس، فضاء الجدل الحضاري - صداماً وتلاقياً في آن - بين الشرق والغرب، الذي استمر 8 قرون كاملة (بداية من العام 711 ميلاديّة) قبل إنهائه بمحض العنف الدّموي مع نهاية القرن الخامس عشر (لحظة سقوط آخر ممالك العرب هناك في 1492)، ما يعيدنا إلى نقطة غياب تأريخ شامل لهذه الظاهرة، رغم دورها الخطير في صياغة العلاقات بين طرفي العالم.

لقد انتشرت الثقافة العربيّة الإسلاميّة بشكل واسع بين سكان شبه الجزيرة الأيبيريّة، مسلمين ومسيحيين ويهوداً، وأصبحت لغة الفاتحين الذين عبروا البحر إلى جنوب أوروبا من جبل طارق مساحة لا بدّ من عبورها لكلّ أوروبي رغب في الالتحاق بثقافة الحضارة الغالبة حينها، في وقت كانت فيه القارة القديمة سجينة ظلام فوضى ما بعد سقوط الإمبراطوريّة الرّومانيّة. وهناك إشارات موثقة على إقبال كبير بين سكان أيبيريا الأصليين على استيعاب الثقافة العربيّة وتعلّم لغتها على حساب اللاتينيّة، لعل أشهرها تلك الشكوى المريرة التي أطلقها القس ألفرو القرطبي من ذلك، وقال فيها: «إن إخواني في الدّين يجدون منتهى اللذة في قراءة أشعار العرب وحكاياتهم، ويقبلون على دراسة مذاهب أهل الدين والفلسفة المسلمين، لا ليردوا عليها وينقضوها، وإنما لكي يكتسبوا من ذلك أسلوباً عربياً جميلاً صحيحاً. فأين تجد الآن واحداً من غير رجال الدين يقرأ الشروح اللاتينية التي كتبت على الأناجيل المقدسة؟ ومن سوى رجال الدين يعكف على دراسة كتابات الحواريين، وآثار الأنبياء والرسل؟ يا لحسرتي! إن الموهوبين من شبان النصارى لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون عليها في نهم، وهم ينفقون أموالاً طائلة في جمع كتبها، ويفاخرون في كل مكان بأن هذه الآداب جديرة بالإعجاب. فإذا حدثتهم عن الكتب النصرانية أجابوك في ازدراء بأنها غير جديرة بأن يصرفوا إليها جلّ اهتمامهم. يا للألم! لقد نسي النصارى لغتهم، فلا تكاد تجد في الألف منهم واحداً يستطيع أن يكتب إلى صاحبه كتاباً سليماً من الخطأ. فأما عن الكتابة بلغة العرب، فإنك واجد فيهم عدداً عظيماً ممن يجيدها بأسلوب منمق، بل منهم من ينظم في الشعر العربي ما يفوق عطاء شعراء العرب أنفسهم فناً وجمالاً».
ولكن ما غاب عن القس الحزين أن العربيّة وقتها كانت أيضاً لغة الإدارات العامّة وشؤون الحكم، وطوّرت ألفاظاً خاصة ومصطلحات لكل ما يتعلق بالزراعة والبناء والعمران، والأزياء والزينة، كما الفلسفة والجدل، إضافة إلى أن المسلمين أنفسهم تعلموا أيضاً النسخة الإسبانيّة المحليّة من اللغة اللاتينية، وعرفت بـ«الرومانثي». الأمر الذي خلق أجواء غير مسبوقة، وربما لن تتكرر من التمازج الحضاري المتبادل بين الشرق والغرب، بالطبع كما نفهم المصطلحين اليوم.
ومن المعروف أن أوروبيين كثيرين من قلب القارة القديمة جلبهم الفضول والبحث عن المعرفة، وربما المصالح التجاريّة أيضاً، نحو الأندلس، فتجولوا في البلاد وتعاطوا مع أهلها وتعلموا لغتها ودرسوا في جامعتها واقتنوا من كتبها، ودوّن بعضهم انطباعاته عنها. ناهيك بالطبع عن انتقال شكل آخر من ذلك الفضول إلى الدويلات الإيطالية المطلة على المتوسط، التي شهدت اهتماماً كبيراً بالعربيّة وثقافة العرب، أقله من بوابة الترجمة لإعادة اكتشاف العلوم والفلسفات التي انقطع اتصال الأوروبيين بها خلال عصور الفوضى. وهناك ما يكفي من الإشارات، وإن تفرقت وأهملت، عن ترافق هذا التواصل المعرفي (شرق - غرب) مع إرهاصات ما عرف لاحقاً بعصر النهضة الأوروبيّة. وهذا كلّه غير اصطدام الحديد بالحديد طوال فترة الحملات الصليبيّة التي مع ذلك تضمنت تبادلات ثقافيّة ولغويّة عميقة بالاتجاهين.
ويذهب مستشرقون إلى إغفال كل تلك التقاطعات، وينسبون البدايات الجادة للدراسات العربية إلى العام 1312، عندما أصدر مجمّع فيين البابوي مرسوماً يقضي بضرورة تدريس اللغة العربية في جامعات أفينيون وباريس وأكسفورد وبولونيا وسالامانكا. لكن الحقيقة أنّ ذلك المرسوم بقي دائماً حبراً على الورق لأن التمويل اللازم لم يكن متاحاً، ولم نجد سجلات موثقة عن دراسات منهجيّة معنيّة بالعرب والعربيّة في مؤسسات غربية قبل القرن السادس عشر، بداية مع أبحاث غيوم بوستل، من بارما في إيطاليا الحاليّة، ولاحقاً في القرن السابع عشر مع دراسات رصينة أنتجها باحثون تمركزوا حينها في جامعة لايدن، بهولندا الحاليّة. على الرغم من أن أحد أهم هؤلاء، ويدعى توماس إربينيوس، قد اقترح في محاضرة له عام 1613 أن الدراسات العربية تستحق التشجيع لأنها ستكون مفيدة للتجار وغيرهم من المسافرين، إلا أن هناك قليلاً من الأدلة على أن العمل الذي أنتجه إربينيوس وزملاؤه قد أنتج شيئاً ذي فائدة كبيرة لأي من هؤلاء التجار والمسافرين المزعومين، ومن المسلم به الآن أن تلك الدراسات كان تجري في إطار أغراض دينية مسيحيّة محضة، إذ ساد اعتقاد حينها بأنّ الدراسة المتأنية للقرآن والمعتقدات الإسلامية بشكل عام من شأنها أن تساعد المبشرين المسيحيين في تحويل المسلمين عن دينهم، ودفع الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية للسعي إلى تحويل المسيحيين المشرقيين إلى نسخة غربية من الإيمان، وهم نجحوا بالفعل في جذب الموارنة إلى شركة كاملة مع الكنيسة الكاثوليكية، لكن تجربتهم في التواصل مع الأقباط وغيرهم من المسيحيين الشرقيين فشلت على العموم.
وقد عانت دراسة العربيّة في تلك الفترة من إعاقة شديدة بسبب الاعتقاد السائد بين اللغويين أن العبرية هي أم جميع اللغات، وأنّ دراسة العربية قد يكون مهماً لناحية الإضاءة على أصول بعض الكلمات العبرية، وبالتالي نصوص العهد القديم، كما أن البعض ممن حاول دراسة القرآن الكريم لدحضه انتهى أيضاً في ذات الفخ من الاعتماد على قواعد اللغة العبرية وترتيب أبجديتها كدليل لترجمة اللغة العربية، وهو أمر لم يكن مفيداً بأي شكل، وأضاع جهود كثيرين إلى هباء تام. وانتشرت أسطورة شعبيّة وقتها تقول إن دراسة القرآن تؤدي بصاحبها إلى موت مبكّر، يبدو أن وراءها متعصبين في إطار الكنيسة، ولذلك تجنّب كثيرون نشر أعمالهم عن العربيّة والقرآن للعموم في حياتهم، ولم تصبح متداولة إلا بعد وفاتهم. وهكذا نُشر قاموس رافيلينجيوس الرائد بعد وفاته، وتوفي كثير من زملائه الألمان مبكراً، وعُثر على هنري سايك، الذي ترجم القرآن ووصفه بأنّه «الكتاب الأكثر أناقة وعقلانية في العالم»، مشنوقاً في غرفته في كامبريدج عام 1712. ولم يعثر على أوراقه التي تضم تلك الترجمة قط.
على الرّغم من كلّ هذا الارتباك العلمي والتعصّب الدينيّ، فإن القرن السابع عشر كان عصراً ذهبياً سابقاً لأوانه للدراسات العربية، إذ تراجعت الأمور بشكل فادح في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كما اكتشف إدوارد جيبون، ولاحقاً ريتشارد بيرتون، عندما حاولا دراسة اللغة العربية في جامعة أكسفورد، وانتقلت بعدها الدراسات المتعلقة بالشرق عموماً، وبشكل كبير، من حيّز التحليل العلمي والفقهي المرتبط بأسباب دينية وتبشيريّة، إلى أداة للدول الاستعماريّة، لكن تلك قصّة أخرى.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.