خلافات بين الأوروبيين حول الحزمة السادسة من العقوبات ضد موسكو

في ظل رفض المجر التخلي عن استيراد النفط الروسي

وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا لدى مشاركته في الاجتماع الوزاري الاوروبي ببروكسل أمس (ا.ف.ب)
وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا لدى مشاركته في الاجتماع الوزاري الاوروبي ببروكسل أمس (ا.ف.ب)
TT

خلافات بين الأوروبيين حول الحزمة السادسة من العقوبات ضد موسكو

وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا لدى مشاركته في الاجتماع الوزاري الاوروبي ببروكسل أمس (ا.ف.ب)
وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا لدى مشاركته في الاجتماع الوزاري الاوروبي ببروكسل أمس (ا.ف.ب)

عادت المفاوضات بين الشركاء الأوروبيين حول الحزمة السادسة من العقوبات ضد روسيا للتعثّر من جديد، بعد أن وصلت أمس الاثنين إلى طريق مسدود، بسبب إصرار المجر على رفضها وعدم تجاوبها مع العروض الأخيرة التي قدمتها المفوضية، لتعويض بودابست مقابل تخلّيها عن استيراد النفط الروسي الذي يعتمد عليه اقتصادها بنسبة 95 في المائة.
وقبل استئناف المفاوضات بين الدول الأعضاء حول هذه الحزمة التي تشمل حظراً كاملاً للنفط الروسي، مع إعطاء بعض الدول مثل المجر وسلوفاكيا وبلغاريا والجمهورية التشيكية مهلة انتقالية تمتد حتى عام 2025، قال المسؤول الأوروبي عن السياسة الخارجية جوزيب بورّيل أمس، إنه ليس قادراً على ضمان التوصل إلى اتفاق «لأن المواقف متصلّبة جداً»، ليضيف: «لست معنيّاً بإلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك؛ بل العمل من أجل التوصل إلى توافق بين الدول الأعضاء، وسنبذل قصارى جهدنا لحلحلة الوضع».
وكانت وزيرة الخارجية الألمانية آنالينا بايربوك، قد صرّحت بأن الحظر الأوروبي على استيراد النفط الروسي يجب أن يكون قابلاً للاستدامة «لأنه قد يدوم سنوات عديدة»، ما فسّره مراقبون في بروكسل بأنه دعم غير مباشر للموقف المجري الرافض لإدراج النفط ضمن الحزمة الجديدة من العقوبات.
إلى جانب ذلك، قال ناطق بلسان الحكومة الإيطالية أمس، إن النمو الاقتصادي في بلاده معرّض لانتكاسة خطرة، في حال وقف استيراد المحروقات من روسيا، وخصوصاً الغاز الذي تشكّل إيطاليا ثاني المستوردين له في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا، محذراً من أن ذلك يقضي على المكاسب التي حققها الاقتصاد الإيطالي مؤخراً، في إطار جهود النهوض من تداعيات جائحة «كوفيد». وأشار الناطق إلى أن هذه التوقعات تتطابق مع التقديرات الاقتصادية الفصلية للمفوضية الأوروبية. لكن لفتت التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو قبل بداية اجتماعات المجلس الأوروبي النظر؛ حيث قال: «إن إيطاليا ترغب في الموافقة سريعاً على حزمة العقوبات الجديدة ولا تضع (فيتو) عليها؛ لأن العقوبات هي الوسيلة السلمية الوحيدة التي في متناولنا لحمل بوتين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات». وأضاف دي مايو: «من البديهي أن القواعد المرعية في الاتحاد الأوروبي بحاجة للتعديل، لتجاوز مبدأ الإجماع؛ لأن دولة واحدة -المجر في هذه الحالة- لا يمكن أن تقف حائلاً دون اتخاذ قرار».
لكن مصادر المفوضية من جهتها لا تستبعد أن تتمكّن في الأيام المقبلة من تجاوز «الفيتو» المجري على حظر النفط الروسي، والموافقة على الحزمة السادسة من العقوبات التي بدأت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد تخشى تداعياتها في الأمدين المتوسط والطويل على الصعيد الداخلي، وفي الأمد القصير على الأوضاع الاقتصادية والاستقرار السياسي والاجتماعي في بلدان الجوار الشرق أوسطية والأفريقية.
وقال مسؤول أوروبي لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن المفوضية تتفاوض مباشرة مع حكومة فكتور أوربان حول برنامج استثمارات أوروبية، لمساعدة المجر على التعويض عن اعتمادها على المحروقات الروسية. ويترافق هذا البرنامج مع مرحلة انتقالية لإنهاء استيراد النفط الروسي في بعض البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وإنشاء بنى تحتية جديدة للنقل والتكرير، ومدّ شبكة من الأنابيب مع البلدان المجاورة. وتوقع المسؤول التوصّل إلى اتفاق بين بودابست وبروكسل يسمح بالموافقة على الحزمة الجديدة، ويمكن العقوبات هذا الأسبوع أو مطالع الأسبوع المقبل على أبعد تقدير.
وكانت مصادر المفوضية قد استبعدت أن يتمكن المجلس الأوروبي لوزراء الخارجية الذي رأسه بورّيل أمس الاثنين، من تذليل عقبة «الفيتو» المجري على حظر النفط الروسي، وأعربت عن ثقتها في أن توافق بودابست قريباً على الحزمة السادسة، بفضل برنامج الاستثمارات الأوروبية الموعودة في قطاع الطاقة المجري.
وتوقعت هذه المصادر أن يتوصل الطرفان الأوروبي والمجري إلى اتفاق، بعد أن توافق المفوضية غداً الأربعاء على تعديلات خطة الطاقة الأوروبية التي تهدف إلى الحد السريع من الاعتماد على المصادر الخارجية للمحروقات، ومدّها بتمويل إضافي من الموازنة الأوروبية المخصصة لصندوق الاندماج وللسياسة الزراعية المشتركة، وتحويله إلى مشروعات الطاقة المتجددة والبنى التحتية للتوزيع.
لكن المجر تصرّ على مطالبتها بخطط محددة للاستثمار، وجدول زمني واضح وملزم، «كي لا تتبخّر الوعود مع مرور الوقت»، كما قال أمس وزير الخارجية المجري بيتر زيجارتو، قبيل افتتاح أعمال المجلس الأوروبي.
ويقول خبراء المفوضية إن تكييف البنى التحتية في المجر والدول الأخرى التي تعتمد بنسبة عالية على النفط الروسي لن تكون مكلفة جداً، إذ يكفي بناء خطوط جديدة للأنابيب في بعض الحالات، وزيادة القدرات الاستيعابية للأنابيب الموجودة في حالات أخرى.
يذكر أن رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، كانت قد اقترحت مطلع الشهر وقف استيراد النفط الروسي الخام في فترة لا تتجاوز 6 أشهر، ومشتقاته بحلول نهاية العام الجاري؛ لكنها حذّرت من أن القرار لن يكون سهلاً؛ لأن ثمّة بلداناً تعتمد على النفط الروسي بنسبة عالية، فضلاً عن أنها لا توجد لديها شبكات بديلة لضخّ النفط من مصادر أخرى، وتفتقر إلى موانٍ بحرية لشحن النفط بالسفن.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحزمة السادسة من العقوبات التي ما زالت تنتظر الضوء الأخضر من بودابست، تشمل أيضاً عقوبات ضد قيادات عسكرية روسية عالية، يعتبرها الأوروبيون مسؤولة عن «جرائم حرب» في بوتشا الواقعة على أرباض العاصمة الأوكرانية، ومنع 3 مصارف روسية جديدة من استخدام نظام «سويفت»، وإلغاء تراخيص الإرسال إلى بلدان الاتحاد لثلاث محطات تلفزيونية روسية تملكها الدولة، ويتهمها الأوروبيون بأنها وسائل في خدمة «البروباغاندا وسياسة التضليل التي يتبعها الكرملين».


مقالات ذات صلة

روسيا تريد «ضمانات أمنية» في أي تسوية لحرب أوكرانيا

أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (إ.ب.أ)

روسيا تريد «ضمانات أمنية» في أي تسوية لحرب أوكرانيا

وزير الخارجية سيرغي لافروف يقول إنه لا يوجد ما يدعو للتحمس تجاه الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي على أوروبا وأوكرانيا، إذ لا يزال هناك طريق طويل للمفاوضات.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟