الأعراض المتغيرة لـ«كوفيد الطويل الأمد» تعرقل علاجاً واعداً له

أنسجة مدمرة والتهابات مستعرة وأعصاب مرتبكة وجلطات دموية

الأعراض المتغيرة لـ«كوفيد الطويل الأمد» تعرقل علاجاً واعداً له
TT

الأعراض المتغيرة لـ«كوفيد الطويل الأمد» تعرقل علاجاً واعداً له

الأعراض المتغيرة لـ«كوفيد الطويل الأمد» تعرقل علاجاً واعداً له

في العامين الماضيين ومنذ أن أصيبت جيسيكا ماكغوفرن البالغة من العمر 38 عاماً بفيروس «كورونا»، قامت بتجربة «أكثر من 100 من الأدوية والمكملات والعلاجات الأخرى» في محاولة للتخلص من أعراض فيروس «كورونا» التي طال أمدها.

«كوفيد الطويل الأمد»

وقد أخبرتني أن التدخلات كانت غير مجدية في جميع الحالات تقريباً: فالإرهاق والضعف والأوجاع ما زالت تضربها على الأريكة؛ وما زالت تشعر بألم خانق في الصدر يزداد سوءاً عند استنشاقها الهواء؛ وكان الجزء العلوي من جسدها لا يزال مسكوناً بإحساس حاد بالكهرباء يذكرها بتدفق الماء الساخن على الأيدي المتجمدة.
كانت ماكغوفرن تنام في عذاب، ثم تحلم بمزيد من العذاب. ولكن، وبعد ذلك، في بداية شهر أبريل (نيسان) الماضي، بدأت دورة لمدة 5 أيام من تناول عقار «باكسلوفيد» Paxlovid، الحبوب المضادة للفيروسات من شركة «فايزر». وبحلول يومها الثاني من الدواء «شعرت بأن الرسائل في جسدي تتغير». إلا إنها بقيت، بعد 4 أسابيع، تعاني من الإرهاق والأوجاع وصعوبة التنفس. ولكنها أخبرتني أن الصراخ وألم الأعصاب اللذين عانى منهما جسدها لمدة 20 شهراً «قد اختفيا بشكل أساسي»، وقد استعادت بعض الحركة، وهي تقضي مزيدأً من الوقت مع أطفالها الثلاثة الصغار.
واخذت ماكغوفرن؛ وهي عازفة للفلوت منذ نحو 3 عقود، تعزف على آلتها الموسيقية مرة أخرى بعد توقف استمر عامين، «وهو شعور لا يُصدق،» مثل استعادة «جزء من حياتك السابقة».

أدوية مضادة

حتى الآن، لا توجد علاجات مثبتة لـ«كوفيد طويل الأمد». ولكن في الأسابيع الأخيرة، فوجئ عدد قليل من المصابين بحالاته؛ ومن بينهم ماكغوفرن، بالشعور بأن مرضهم يهدأ بعد تناول عقار «فايزر» الجديد. ورغم أن علاج «كوفيد طويل الأمد» بالأدوية المضادة للفيروسات يظل تحت طائلة التساؤلات، لكن حبوب «باكسلوفيد» قد تقدم حلاً مباشراً بشكل مدهش لواحد من أكبر الألغاز في الوباء.
إن «كوفيد طويل الأمد» متنوع للغاية وقادر على إحداث فوضى في العديد من الأنسجة التي تتطلب العلاج، ويتطلب ذلك بالنسبة لكثيرين، بلا شك، إعادة تأهيل العديد من أنظمة الجسم في وقت واحد. ولكن ربما وبالنسبة إلى مجموعة فرعية من المصابين به، يمكن أن تكون بضعة أيام من الحبوب المضادة للفيروسات هي كل ما يتطلبنه الأمر لتسريع عملية الشفاء.
وتظل قدرة عقار «باكسلوفيد» على إخماد أعراض «كوفيد طويل الأمد» لأي شخص أمراً غامضاً بعض الشيء؛ إذ يعمل الدواء بشكل أفضل عندما يقدَّم بسرعة وفي وقت مبكر، مع قدرة الفيروس على التكاثر بسرعة داخل الخلايا البشرية. ولذا؛ فان العقار يسهل على الجهاز المناعي التخلص منه.
ولكن المشكلة أن ظهور «كوفيد الطويل» قد يستغرق أسابيع أو شهوراً، ولم يتم إثبات أن له مصدراً فيروسياً مستمراً. ولا يزال الخبراء لا يعرفون إلى أي مدى يمكن أن تكون لتناول العقار تأثيرات معروفة أو دائمة. لا يمكنهم أن يقولوا بثقة لماذا يمكن أن تكون للعقار تأثيرات ملطفة، أو - إذا تم إثبات التأثيرات المذكورة - أي من المصابين هم الأكثر استفادة منه.

خفايا الفيروس

وحتى في أكثر السيناريوهات وردية، فلن يكون «باكسلوفيد» حلاً سحرياً... ولكن إذا كانت لديه فرصة للقيام بشيء ما، حتى لجزء بسيط من المصابين، «فعلينا على الأقل المحاولة»، كما تقول جين مارازو، مديرة قسم الأمراض المُعدية بجامعة ألاباما في «مدرسة برمنغهام للطب»؛ «لأنه ليس لدينا شيء آخر».
وتشير التقديرات إلى أن ملايين الأشخاص في الولايات المتحدة وحدها قد طوروا أعراضاً مروعة لفيروس «كورونا» منذ بداية الوباء؛ وأن أعدادهم تنمو مع كل موجة إضافية. ويقول ديفيد بوترينو، عالم الأعصاب واختصاصي إعادة التأهيل في مؤسسة «ماونت سيناي»، عن العقار: «هذا تدخل كان يجب (أن يتم) تحت التجربة السريرية». ومع ذلك، لا توجد حتى الآن دراسات جيدة التصميم تبحث في إمكانات عقار «باكسلوفيد» بوصفه دواءً طويل الأمد لفيروس «كورونا»، ولم تكن هناك أي دراسات جاهزة للبدء.
لقد تعرقل البحث عن علاجات طويلة الأمد لفيروس «كورونا»، جزئياً، بسبب طبيعة فيروس «كورونا طويل الأمد». يبدو أن الحالة، مثل السرطان، ليست مرضاً واحداً، ولكنها فئة من المتلازمات ذات الصلة، ولكن المتميزة، والتي يمكن أن تظهر كل منها بمجموعة من الأعراض الخاصة بها، وتتطلب علاجاتها الخاصة، وتنبع من سبب مختلف قليلاً. وفي نسبة معينة من المصابين، ربما لدى الأغلبية، يُعتقد أن الفيروس قد جاء وذهب، تاركاً وراءه دماراً فسيولوجياً: الأنسجة المضروبة، والالتهابات المستعرة، والأجسام المضادة ذاتية الهجوم، والأعصاب المرتبكة، والجلطات الدموية. لكن ربما يمكن للدواء أن يساعد مجموعة أخرى المصابين، الذين يُعتقد أنهم يؤوون مستودعات يصعب الوصول إليها من الفيروسات التي تثير غضب الجسم بانتظام.
الأمر المعقد هنا هو أن أحداً لم يقدم حتى الآن أدلة قوية على وجود هذه المخابئ الفيروسية المخفية. ويجادل العديد من العلماء؛ بمن فيهم أكيكو إيواساكي من جامعة ييل، وهو أحد أكبر الباحثين في العالم حول فيروس «كورونا»، بأن هناك تلميحات قوية إلى أنه من المؤكد أن فيروس «SARS-CoV-2» (الاسم العلمي لـ«كوفيد19») يمكن أن يظل موجوداً في أجسام بعض الأشخاص لأشهر، ويمكن أيضاً أن يخرج من مجرى الهواء لاحتلال الأنسجة الأخرى؛ بما في ذلك تلك التي لا يستطيع بعض مقاتلي جهاز المناعة الوصول إليها بسهولة.
ورأى الباحثون آثاراً للمادة الجينية والبروتينات الخاصة بالفيروس في مزيج من الأعضاء، وأحياناً بعد أشهر من بدء العدوى. ولكن في حين أن هذه الآثار أجزاء يمكن أن تمثل فيروساً نشطاً، إلا إنها قد تكون أيضاً أجزاء من بقاياه غير النشطة.
للمساعدة في حل القضية، سيتعين على الباحثين تجنيد آلاف من المصابين بـ«كوفيد طويل الأمد» للاختبار، لتخمين أين قد يكون الفيروس كامناً، ومعرفة ما إذا كان بإمكانهم استخراج ما يكفي من الميكروب من الأنسجة لإصابة خلايا جديدة في المختبر؛ وهي دراسات تدخلية، كما تقول كاثرين بليش، اختصاصية المناعة في جامعة ستانفورد.
ومع ذلك، قال لي فينيت ميناتشيري، خبير الفيروسات التاجية في الفرع الطبي بجامعة تكساس، إن العدوى طويلة الأمد ربما تكون «أكثر شيوعاً مما نعتقد». وتجارب الناس الحية تدعم ذلك أيضاً؛ اذ أفاد بعض المصابين بشعورهم بتحسن كبير وغير متوقع في الراحة بعد تلقي لقاحات «كوفيد» وهو اتجاه يعزوه العديد من الخبراء إلى الدفقات التي حفزت الخلايا المناعية على التخلص أخيراً من الفيروس المتبقي.
والآن تظهر حفنة من قصص التحسن الذي حدث بعد تناول المصابين بحالات «كوفيد طويل الأمد» بعد تناول «باكسلوفيد»، كما حدث للآخرين مع اللقاحات. وقد أبدت مجموعة من الباحثين في جامعة ستانفورد، بقيادة الطبيبة ليندا جينج، أخيراً أن أعراض «كوفيد طويلة الأمد» لامرأة تبلغ من العمر 47 عاماً - من بينها التعب، والأرق، وآلام الجسم، والمشكلات الإدراكية، وسرعة ضربات القلب - تبخرت بعد أن أخذت «باكسلوفيد» لاستبعاد احتمال الإصابة بالفيروس مرة أخرى.
لكن هذه الحكايات؛ أكانت صحيحة أم غير صحيحة، و«دراسات الحالة» وحدها لن تكون كافية. أخبرتني أنجيلا ميريكيز فاسكيز، التي تدير مؤسسة «بودي بوليتكس»، وهي مجموعة مناصرة تقدم الدعم للأشخاص الذين يعانون من «كوفيد طويل الأمد»: «حتى الآن، فإن التقارير المتعلقة بتحسينات ما بعد Paxlovid (باكسلوفيد) كانت غير متسقة للغاية، وشحيحة للغاية، لقياس ما يحدث بالفعل».
كما أن العديد من المصابين غير مؤهلين لأخذ «باكسلوفيد»؛ لأنهم لم ترصد لديهم حديثاً إصابة بالفيروس، ولذا لا يعدّون معرضين «لخطر كبير» للإصابة بمرض «كوفيد» الشديد. ويمكن أيضاً لأعراض «كوفيد طويل الأمد» أن تتلاشى بشكل طبيعي. ولإظهار نتائج واضحة حقيقية حول ما إذا كان «باكسلوفيد» يفعل ما يأمله العديد من المصابين، يحتاج شخص ما إلى اختبار النظرية من خلال تجارب إكلينيكية صارمة وبشكل مثالي بمساعدة الشركة التي تصنع الدواء.
لا يبدو أن شركة «فايزر» تعارض ذلك بشكل فعال؛ كما كتبت كيت لونغلي، المتحدثة باسم الشركة، في رسالة بالبريد الإلكتروني، لكنها رفضت توضيح سبب عدم إجراء دراسة للشركة.

* «ذا أتلانيك» - خدمات «تريبيون ميديا»



هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
TT

هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

لسنوات، كان سباق الذكاء الاصطناعي العالمي يُقاس بحجم النماذج وقوة الحوسبة وكميات البيانات والقدرة على تطوير أنظمة أكثر كفاءة. لكن مع انتقال هذه التقنيات من المختبرات إلى المستشفيات والمدارس والمؤسسات الحكومية، ظهر سؤال أكثر تعقيداً: كيف نضمن أن تعمل هذه القوة بصورة آمنة ومسؤولة؟

من هنا، تكتسب موافقة مجلس الوزراء السعودي على النظام الأساس لـ«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في الرياض أهمية تتجاوز إنشاء مؤسسة بحثية جديدة. ويعمل المركز تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، بصفته مركزاً من الفئة الثانية، مع دور يمتد إلى البحث وبناء القدرات وتعزيز التعاون، ولا سيما في المنطقة العربية.

لكن أهمية الخطوة تكمن أيضاً في توقيتها؛ فالعالم ينتقل تدريجياً من السؤال عما تستطيع الخوارزميات فعله إلى السؤال عن الحدود التي ينبغي أن تحكم استخدامها.

حين تصبح أخلاقيات الذكاء الاصطناعي قابلة للقياس

من المبادئ إلى التطبيق

> أخلاقيات قابلة للقياس. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، تبنت الدول الأعضاء في «يونيسكو» أول إطار معياري عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، واضعةً حقوق الإنسان والكرامة البشرية في قلب العلاقة بين الإنسان والخوارزمية.

لكن التحدي العلمي بدأ بعد ذلك: كيف يمكن تحويل مبدأ أخلاقي إلى شيء يمكن قياسه واختباره؟

فالقول إن نظاماً ما منصف لا يكفي علمياً؛ إذ تجب مقارنة أدائه بين مجموعات مختلفة، وقياس معدلات الخطأ والنتائج الإيجابية والسلبية الكاذبة، والتحقق من تأثير العمر أو الجنس أو الخلفية السكانية في نتائجه. ولهذا؛ طورت «يونيسكو» عام 2023 «منهجية تقييم الجاهزية» (RAM)، التي تضم 195 سؤالاً تغطي خمسة أبعاد: القانون والتنظيم، والمجتمع والثقافة، والعلوم والتعليم، والاقتصاد، والبنية التقنية، والتحتية. وطُبقت المنهجية في أكثر من 75 دولة.

وتكشف النتائج عن حجم الفجوة بين المبدأ والتطبيق. فقد بلغت تغطية الأسئلة المتعلقة بترتيبات الحوكمة نحو 71 في المائة، لكنها انخفضت إلى 48 في المائة في البعد التقني والبنية التحتية، و41 في المائة في الجانب القانوني والتنظيمي. وفي المقابل، حددت 96 في المائة من الدول المشمولة وزارات أو جهات مسؤولة. وهكذا لم يعد السؤال: ما القيم التي نريدها؟ بل كيف نعرف أن الأنظمة تلتزم بها فعلاً؟

منصة عالمية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

> الاختبار الأصعب... في المستشفى. وتصبح الإجابة أكثر إلحاحاً داخل المستشفى، حيث يمكن أن تتحول النتيجة الخاطئة من رقم في دراسة إلى قرار يمس حياة مريض. فقد يحقق نموذج لقراءة الأشعة أداءً مرتفعاً إجمالاً، لكنه يفشل بصورة أكبر لدى فئة سكانية لم تكن ممثلة بما يكفي في بيانات التدريب. كما أن تغيير عتبة الإنذار في نظام للتنبؤ السريري قد يزيد قدرته على اكتشاف الحالات، لكنه قد يرفع أيضاً عدد الإنذارات الكاذبة وما يتبعها من فحوص أو تدخلات غير ضرورية.

وتزداد الحساسية مع النماذج التوليدية؛ فالجواب قد يبدو مقنعاً لغوياً حتى عندما تكون المعلومة الطبية غير دقيقة.

وتظهر المعضلة عندما يختلف الطبيب والنظام. فإذا صنّف برنامج للأشعة آفةً بأنها منخفضة الخطورة، في حين يرى الاختصاصي ما يستدعي مزيداً من الفحص، فلا ينبغي أن يتحول التفوق الحسابي سلطةً تلغي الحكم السريري.

لهذا؛ يجب ألا ينتهي تقييم التقنيات الطبية عند إدخالها إلى المستشفى؛ فقد يتغير أداؤها باختلاف السكان والأجهزة وأنماط المرض. وهنا يصبح السؤال: متى نثق بالنتيجة، ومتى نراجعها، ومتى نتوقف عن استخدام النظام؟

من مواكبة الثورة إلى المشاركة في صياغة مستقبلها

سبتمبر... اختبار للدور الجديد

> لماذا الرياض؟ يأتي اختيار الرياض في بيئة تشهد توسعاً سريعاً في البنية الوطنية للبيانات والتقنيات الذكية ضمن التحول الرقمي الذي تقوده «رؤية السعودية 2030».

فالمملكة طورت استراتيجيتها الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، واستثمرت في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، بالتوازي مع تطوير نماذج عربية مثل «علّام» (ALLaM).

ويمنح تركيز المركز على منطقة الدول العربية مهمته بعداً إضافياً؛ فالأنظمة الذكية لا تعمل في فراغ. واللغة والبيانات والتركيبة السكانية والبيئة الصحية والتعليمية كلها متغيرات يمكن أن تؤثر في النتائج.

فنموذج دُرّب أساساً على بيانات من مجتمعات أخرى قد لا يلتقط الخصائص العربية اللغوية أو السكانية أو السريرية بالدقة نفسها. ولذلك؛ فإن نقل التقنية من بيئة إلى أخرى لا يعني انتقال صلاحيتها تلقائياً معها.

> منتدى عالمي. وسيأتي اختبار مبكر لهذا الدور عندما تستضيف الرياض، من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) 2026، النسخة الرابعة من «منتدى يونيسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، بالشراكة بين «يونيسكو» والمملكة ممثلة في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) والمركز الدولي. وبعد خمس سنوات من اعتماد توصية 2021، يمكن للنقاش أن ينتقل من صياغة المبادئ إلى مقارنة ما حدث عند تطبيقها في عشرات الدول: ما الذي نجح؟ وأين ظهرت الفجوات؟ وما الذي يمكن نقله بين المجتمعات؟

«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» يفتح مرحلة جديدة

وبالنسبة إلى المنطقة، تبرز أسئلة أكثر تحديداً: كيف تُختبر النماذج التي تتعامل مع العربية ولهجاتها؟ وهل تمثل مجموعات البيانات سكان المنطقة بما يكفي؟ وكيف تُقيّم الأنظمة الطبية أو التعليمية المطورة في الخارج قبل استخدامها محلياً؟

هنا، قد تكمن القيمة الأبعد للمركز: أن تصبح الرياض منصة لإنتاج بيانات مقارنة وأدوات للاختبار وبناء شبكات بحثية تربط الخبرة العربية بالمعرفة الدولية.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المؤتمرات أو الوثائق التي تصدر، بل في المعرفة التي يمكن تحويلها ممارسةً.

وعندها قد يتغير السؤال من: هل يستطيع العالم العربي مواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي؟

إلى سؤال أكثر طموحاً: هل يستطيع أن يشارك في كتابة قواعدها؟


«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان
TT

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

لطالما ركزت أبحاث السرطان على الجينات نفسها بصفتها المحرك الرئيس لنشوء الأورام، إلا أن العلماء يدركون اليوم أن تشغيل هذه الجينات أو إيقافها لا يقل أهمية عن الجينات ذاتها. ويقود هذا الدور في التشغيل أجزاء صغيرة من الحمض النووي تُعرف باسم «المعززات الوراثية»، وهي بمثابة «مفاتيح تشغيل» تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدة تعبيرها.

وقد كشفت دراسة جديدة عن أن هذه المفاتيح لا تعمل بصورة منفردة كما كان يُعتقد، بل تتعاون ضمن شبكات ثلاثية الأبعاد معقدة تتصدرها مجموعة محدودة من «المفاتيح الرئيسية» master switches التي تنسق عمل عشرات المفاتيح الأخرى. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Biology في 23 يوليو (تموز) 2026. وهي توفر فهماً أعمق للكيفية التي ينشأ بها سرطان البروستاتا، كما قد تمهد الطريق لتطوير جيل جديد من العلاجات الجينية الموجهة.

وقال الدكتور سوهن كيونغ ري، أستاذ بيولوجيا السرطان المساعد في كلية كيك للطب بجامعة جنوب كاليفورنيا والباحث الرئيس في الدراسة: أظهرنا للمرة الأولى أن المعززات الوراثية Enhancers تعمل وفق نظام هرمي، فبعضها يؤدي دور المفاتيح الرئيسية التي تنظم نشاط كثير من المعززات والجينات الأخرى، في حين يقتصر دور بعضها الآخر على دعم هذا النشاط.

معززات وراثية

• ما وراء الحمض النووي المهمل. وتعزز هذه النتائج أيضاً الفهم المتزايد لأهمية الحمض النووي غير المشفر الذي يشكل نحو 99 في المائة من الجينوم البشري. فبعد أن كان يُوصف لعقود بأنه «حمض نووي مهمل» أصبح من الواضح أنه يؤدي دوراً محورياً في تنظيم نشاط الجينات.

وتقع المعززات الوراثية ضمن هذه المناطق غير المشفرة؛ فهي لا تنتج بروتينات بنفسها وإنما تعمل كمفاتيح تتحكم في تشغيل الجينات المجاورة أو إيقافها تماماً، كما يتحكم مفتاح كهربائي في تشغيل دائرة كاملة.

ويرى الباحثون أن أي خلل في عمل هذه المفاتيح قد يؤدي إلى تنشيط الجينات المحفزة للسرطان، وبالتالي دفع الخلايا إلى النمو والانقسام بصورة غير طبيعية.

• رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لشبكات السرطان. ولفهم كيفية عمل هذه المعززات حلل الباحثون 201 مجموعة من البيانات الجينية المستخلصة من أنسجة بروستاتا سليمة وأخرى مصابة بالسرطان. وتمكنوا من تحديد 3216 معززاً وراثياً ينشط بصورة خاصة في خلايا سرطان البروستاتا.

وباستخدام تقنية متطورة لرسم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي بدقة عالية؛ اكتشف الفريق أن هذه المعززات لا تعمل بشكل منفصل، بل ترتبط ببعضها في شبكة ثلاثية الأبعاد معقدة لا توجد في الخلايا الطبيعية.

وتتيح هذه الشبكة للمعززات التعاون فيما بينها؛ ما يعزز نشاطها الجماعي ويؤدي إلى تشغيل عدد كبير من الجينات المسؤولة عن نمو الورم.

• مفاتيح تتحكم بالشبكة بأكملها. ولمعرفة أهمية كل معزز؛ استخدم الباحثون تقنية التحرير الجيني كريسبر CRISPR لحذف المعززات واحداً تلو الآخر ثم راقبوا تأثير ذلك في نشاط الجينات ونمو الخلايا السرطانية.

وأظهرت النتائج أن المعززات ليست جميعها متساوية في الأهمية. فحذف بعض المعززات لم يترك أثراً يُذكر، في حين أدى حذف عدد محدود من «المعززات المركزية» central enhancers إلى انهيار الشبكة بأكملها وانخفاض نشاط معززات أخرى وإيقاف تشغيل كثير من الجينات المحفزة للسرطان، فضلاً عن إبطاء نمو الخلايا السرطانية بشكل ملحوظ.

وتشير هذه النتائج إلى أن تلك المعززات تعمل كمراكز تحكم رئيسية تنسق نشاط شبكة واسعة من المفاتيح الوراثية.

«المعززات الوراثية» تعمل كمفاتيح تشغيل تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدته

هدف جديد لعلاج السرطان

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يغير طريقة تطوير علاجات السرطان مستقبلاً. فبدلاً من استهداف جين واحد في كل مرة قد يصبح بالإمكان تعديل هذه «المفاتيح الرئيسية» للتحكم في نشاط عشرات الجينات المرتبطة بالسرطان في آن واحد.

ومع ذلك، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحويل هذه الفكرة علاجاً سريرياً؛ إذ ينبغي أولاً التأكد من أن استهداف المعززات الصحيحة لن يؤدي إلى تأثيرات جانبية غير مرغوبة؛ نظراً إلى دورها الواسع في تنظيم وظائف الخلية.

ويعتقد الباحثون أن المبادئ التي كشفت عنها الدراسة لا تقتصر على سرطان البروستاتا، بل قد تنطبق على أنواع عدّة من السرطان وأمراض أخرى.

ويعمل الفريق حالياً على دراسة دور شبكات المعززات الوراثية في سرطان الثدي، إضافة إلى بحث علاقتها بمقاومة الأورام للعلاجات الحالية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ظل النجاح الذي حققه أول علاج معتمد يعتمد على تحرير الجينات وهو دواء Casgevy الذي يستهدف أحد المعززات الوراثية لعلاج فقر الدم المنجلي والثلاسيميا المعتمدة على نقل الدم؛ ما يؤكد أن استهداف هذه المفاتيح الجينية يمكن أن يتحول استراتيجيةً علاجية فعالة.

ورغم أن الدراسة لا تزال في إطار الأبحاث الأساسية، فإنها تقدم واحدة من أوضح الصور حتى الآن عن الكيفية التي تُدار بها شبكة التحكم الوراثية داخل الخلايا. كما تفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات الدقيقة التي قد تستهدف البنية التنظيمية للجينوم بدلاً من التركيز على الجينات منفردة في خطوة قد تغير مستقبل علاج السرطان.


ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة
TT

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

قد تشكل محدودية عمر البطارية عائقاً أمام الاستفادة الكاملة من الطائرات المسيّرة في حالات الاستجابة للكوارث، وفحص البنية التحتية، أو توصيل الإمدادات. وفي هذا السياق، نجح باحثون في الصين في تطوير نظام جديد يتيح نقل الطاقة إلى الطائرة المسيَّرة أثناء تحليقها باستخدام أشعة الليزر. وأكد الباحثون أن هذا الابتكار قد يُسهم في إطالة زمن الطيران بشكل كبير.

مستقبِلات أشعة الليزر

ومن المعلوم أن الكثير من الطائرات المسيَّرة تعتمد حالياً على بطاريات، لا تسمح لها بالبقاء محلقة لأكثر من ساعة في كثير من الحالات، قبل أن تضطر إلى الهبوط لإعادة التزود بالوقود أو الاستعانة ببطارية جديدة. ويفرض ذلك قيوداً صارمة على تنفيذ مهام طويلة، مثل توصيل الطرود لمسافات بعيدة، أو مسح مناطق واسعة، أو تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ.

وفي محاولة لتجاوز هذه العقبة، قدّم فريق بحثي من جامعة الطيران المدني الصينية، بمدينة تيانجين، وجامعة تسينغهوا في بكين، مقترحاً لبناء نظام ينقل الطاقة إلى الطائرة في أثناء تحليقها عبر أشعة الليزر. وصمّم الفريق مستقبلاً مبتكراً يعتمد على «البيروفسكايت»، وهي فئة من المواد تُستخدم عادة في الألواح الشمسية. ويتميّز جهاز الاستقبال هذا، البالغة مساحته سنتيمترين مربعين، بخفة وزنه بما يسمح بتركيبه أسفل جناح الطائرة، فضلاً عن كفاءته التي تمكّنه من تشغيل مروحة.

وكتب المؤلف الرئيس للدراسة جيان هوا هان، الأستاذ المشارك في جامعة الطيران المدني الصينية، في رسالة بريد إلكتروني مع مجلة «سبيكتروم» الأميركية: «يشكل نقص سعة البطارية عائقاً عملياً بالغ الخطورة أمام عمليات الطائرات المسيّرة طويلة المدى. وفي ظل هذا النظام الجديد، تُصدر أجهزة الإرسال الأرضية أو المحمولة جواً، أشعة ليزر لتزويد الطائرات المسيَّرة بالطاقة بشكل مستمر في أثناء تحليقها».

إن فكرة نقل الطاقة عبر أشعة الليزر ليست بالأمر الجديد. ويكمن التحدي الأكبر هنا في أنّ تعريض جهاز الاستقبال لكثافة عالية من الضوء، يؤدي إلى ارتفاع سريع في حرارته، مما يقلل من كفاءة التحويل بشدة، وقد يتسبب في تلفه نهاية الأمر. وعليه، سعى الباحثون إلى صياغة مستقبل قادر على تحمّل التشغيل لفترات طويلة، دون فقدان الكفاءة.

واعتمد الفريق البحثي على مركّب «بروميد الرصاص السيزيومي» من عائلة البيروفسكايت، لما يتمتع به من استقرار عالٍ، يجعله مناسباً للعمل في درجات حرارة مرتفعة، وفي ظل تعرّض مستمر للإشعاع. كما أنّ مواد البيروفسكايت عموماً أقل تكلفة وأسهل تصنيعاً، مقارنة بمواد كهروضوئية أخرى، إضافة إلى قدرتها العالية على امتصاص الضوء.

ويتكوّن التصميم من طبقة البيروفسكايت فوق قطب كربوني، يعمل على جمع التيار الكهربائي الناتج، بينما توضع أسفلها طبقة حرارية كهربائية تستفيد من الحرارة المهدرة، الناتجة عن تسليط الليزر لتوليد طاقة إضافية. وقد نُشرت تفاصيل هذا الابتكار في دراسة علمية أواخر يوليو (تموز) بدورية Matter & Light («المادة والضوء»).

غير أنّ القطب الكربوني يمتاز كذلك بقدرته العالية على تحويل الفوتونات الواردة إلى حرارة، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المستقبل بسرعة، لتصل إلى نحو 85 درجة مئوية. وهذا الأمر ينعكس سلباً على كفاءته. ولمعالجة هذه المشكلة، أضاف الباحثون قضباناً نانوية دقيقة من «سيلينيد الأنتيمون» إلى القطب الكربوني، يتراوح قطرها بين 50 و80 نانومتراً تقريباً، لحماية طبقة البيروفسكايت. وتمتاز هذه الجسيمات بانخفاض قدرتها على توصيل الحرارية، مما يجعلها تعمل بمثابة حاجز يقلل انتقال الحرارة، وفي الوقت نفسه تُحسّن من تدفّق التيار الكهربائي من طبقة البيروفسكايت إلى القطب.

اختبار «أرضي» ناجح

ولاختبار جهاز الاستقبال، أطلق الفريق شعاع ليزر أخضر بقدرة 5 واط على المنطقة النشطة في المستقبل، البالغ مساحتها 12 مليمتراً مربعاً، مع نفخ الهواء فوق سطحه لمحاكاة تدفق الهواء في أثناء التحليق، الأمر الذي يعزز كفاءة الطبقة الكهروحرارية. وأفاد الباحثون بكفاءة تحويل طاقة تقارب 39 في المائة، ما يكفي لتشغيل مروحة قطرها 6.7 سنتيمتر بسرعة 7820 دورة في الدقيقة.

وسعياً نحو مزيد من التطوير، حاول الفريق دمج جهاز الاستقبال في نموذج ثابت لطائرة مسيَّرة ذات جناح ثابت. ولتعزيز كفاءته، أنشأوا قنوات هوائية في جناح الطائرة لتوجيه الهواء فوق الطبقة الكهروحرارية، مما يُسهم في تبريدها. وعندما سلطوا شعاع الليزر الأخضر على جهاز الاستقبال، ولّد طاقة كافية لتشغيل مروحة مثبتة على الجناح بسرعة تتراوح بين 1200 و1450 دورة في الدقيقة لمدة نحو دقيقة.

ولم يختبر الباحثون الجهاز على طائرة مسيَّرة. وأقر هان بأنّ الاعتماد فقط على نتائج المحاكاة الأرضية يُعدّ أحد قيود الدراسة. وقال: «قد يتساءل الباحثون عمّا إذا كان بالإمكان الحفاظ على الأداء المختبري المتميز في الظروف الخارجية، بما في ذلك هبوب الرياح الطبيعية، وتغيّر درجات الحرارة، وتداخل ضوء الشمس، والاهتزازات والتذبذبات الطبيعية للطائرات المسيّرة».

وأقر هان كذلك بأنّ استهداف مركبة متحركة بشعاع ليزر عالي الطاقة بشكل آمن وفعَّال سينطوي على تحدٍ هندسي معقد، موضحاً أنه: «تُمثّل سلامة الليزر الشاغل الأبرز، ويقصد به كيفية منع أشعة الليزر من التداخل مع الطائرات الأخرى وتعريض حياة الكائنات الحية الأرضية للخطر».

ويركّز فريقه في الوقت الحاضر بشكل أساسي على تطوير جهاز الاستقبال. إلا أنه أشار إلى أن مجموعات أخرى تعمل على تقنيات استهداف الشعاع، بالإضافة إلى طرق لتفعيل إيقاف الليزر في غضون أجزاء من الثانية في حال عبور أي شيء مسار شعاع الليزر، عن غير قصد. كما يواصل فريقه العمل على المرحلة التالية من المشروع التي ستتضمن اختبارات طيران على طائرة مسيَّرة خفيفة الوزن. وقال: «هدفنا الواضح تحقيق طيران المسيرة باستخدام الليزر، إذ إنه حتى التحليق لفترة قصيرة يمثل نقلة نوعية من مرحلة اختبارات إثبات المفهوم إلى التحقق الفعلي من الطيران».