وزراء خارجية «السبع» يبحثون دعم أوكرانيا والأمن الغذائي العالمي

فرنسا أكّدت استمرار المساعدات العسكرية والمالية والإنسانية «حتى النصر»

وزيرة الخارجية الألمانية تخاطب نظيرها الأوكراني، بصحبة وزراء خارجية اليابان وبريطانيا ومولدوفا وإيطاليا وفرنسا أمس (رويترز)
وزيرة الخارجية الألمانية تخاطب نظيرها الأوكراني، بصحبة وزراء خارجية اليابان وبريطانيا ومولدوفا وإيطاليا وفرنسا أمس (رويترز)
TT

وزراء خارجية «السبع» يبحثون دعم أوكرانيا والأمن الغذائي العالمي

وزيرة الخارجية الألمانية تخاطب نظيرها الأوكراني، بصحبة وزراء خارجية اليابان وبريطانيا ومولدوفا وإيطاليا وفرنسا أمس (رويترز)
وزيرة الخارجية الألمانية تخاطب نظيرها الأوكراني، بصحبة وزراء خارجية اليابان وبريطانيا ومولدوفا وإيطاليا وفرنسا أمس (رويترز)

جالساً على يمين وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيروبوك، مُضيفة اجتماعات وزراء خارجية قمة السبع، كان واضحاً أن وزير الخارجية الأوكراني ديمترو كوليبا هو ضيف الشرف المحتفى به، فالاجتماعات المنعقدة في منتجع «فايسن هاوس» في بلدة فانغلز الهادئة شمال البلاد، تناقش موضوعاً أساسياً واحداً: الحرب في أوكرانيا وتبعاتها.
قدم كوليبا من كييف إلى ألمانيا حاملاً ملفات كثيرة وجديدة طرحها أمام نظرائه من أقوى سبعة اقتصادات في العالم، لعل أكثر ما يلفت فيها اقتراح جديد كشف عنه في مؤتمر صحافي عقده بعد اجتماعات بالمجموعة، يتعلق بدعوة الدول للإفراج عن أموال روسيا المحتجزة لديهم، وتحويلها إلى أوكرانيا لكي تستخدمها في إعادة البناء. وكشف كوليبا أن كندا وافقت على القيام بذلك، مضيفاً: «نحن نتحدث عن مئات المليارات. المعادلة بسيطة، على روسيا أن تدفع مالياً لإعادة إعمار أوكرانيا». وكان كوليبا قد أشار إلى هذه النقطة في يوم سابق في مقابلة أدلى بها لصحيفة «دي فيلت» الألمانية ببرلين، التي توقف فيها لعقد لقاءات مع مسؤولين ألمان قبل انتقاله، إلى شمال البلاد للمشاركة في اجتماعات قمة السبع. وأشار كوليبا في المقابلة إلى أن بعض الدول تعهدت بطرح الموضوع على برلماناتها لتحويلها قانونا قابلاً للتنفيذ، مضيفاً بأن ألمانيا ليست واحدة من هذه الدول.
- «دراما» أوروبية
وفي محاولة للضغط على الأوروبيين قبيل اجتماع هام يوم الاثنين المقبل في بروكسل لبحث حظر النفط الروسي سيشارك فيها كوليبا، حذر وزير الخارجية الأوكراني من أن وحدة الاتحاد الأوروبي على المحك. ووصف المحادثات الجارية بين دول الاتحاد حول حظر النفط الروسي بأنه «دراما أوروبية»، مضيفاً أنه في حال تبنت دول الاتحاد مجموعة العقوبات الجديدة على روسيا من دون أن يكون ضمنها حظر النفط، «سيحتفل الرئيس بوتين لأنه سيكون قضى على الوحدة الأوروبية بسبب معارضة المجر». ويدرس الاتحاد الأوروبي منح المجر وضعاً خاصاً في المناقشات الجارية لتبني قرار حظر النفط، على أن تتبنى دول التكتل الأخرى القرار، وتُستثنى منه المجر لفترة معينة. ولكن كوليبا شدد بأن النقاشات «تتعلق بوحدة أوروبا»، مضيفاً أنه «لو قررت المجر عدم دعم العقوبات فهذا سيتسبب بضرر كبير على الاتحاد الأوروبي ويجب القيام بأي شيء لتفادي ذلك».
واعتبر أن استمرار أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة الروسية بشراء الغاز والنفط الروسي، يطيل من أمد الحرب في بلاده. وقال: «طالما تستمر روسيا ببيع النفط والغاز للاتحاد الأوروبي، جيوبها ستبقى مليئة لخوض الحرب». وأشار كوليبا إلى أن «الاقتصاد الأوكراني يعاني أكثر بكثير من الحرب مما يعاني الاقتصاد الروسي من العقوبات». وأبدى وزير الخارجية الأوكراني تفهمه لعدم قدرة الدول الأوروبية على التخلي عن الغاز الروسي على الفور، وقال: «أرى أن الدول الأوروبية تعمل جاهدة لإيجاد حل للغاز، وأنا متفائل بحذر بعد زيارتي لبرلين لأني شهدت على إرادة لوقف الاعتماد الألماني على الغاز الروسي». وأضاف: «سيأخذ الأمر وقتاً ولكن سيحصل… الأهم أننا نرى إرادة للتقدم في هذه النقطة وهذا يعطينا أملاً».
- عوائق التسليح
ومن بين القضايا الأخرى التي طرحها كوليبا على نظرائه في مجموعة السبع التي تضم أربع دول أوروبية (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا)، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا واليابان، مسألة التسليح والأسلحة التي ترسل إلى كييف. وعدد كوليبا عائقين في هذه المسألة، الأول يتعلق بنوع وسرعة الأسلحة المرسلة، داعياً لتزويد بلاده بنظام صواريخ متعدد وهو ما قال إنه حصل على تعهدات من بعض الدول لتسليمها. والعائق الثاني بحسب كوليبا، يتعلق بمسألة تزويد الجيش الأوكراني بالمقاتلات الحربية التي قال إنه «لا حل قريباً لها» وإن أوكرانيا ستستمر بمناقشتها مع الدول الصديقة.
وترفض دول غربية تزويد أوكرانيا بمقاتلات حربية، خوفاً من أن تصبح طرفاً مباشراً في الصراع. وقد حرص وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان على التأكيد قبيل بدء الاجتماعات بأن ما يجري ليس حرباً بين المجتمع الدولي وروسيا، بل «هي حرب روسيا ضد أوكرانيا». وشدد لودريان على وحدة دول السبع في دعم أوكرانيا «حتى النصر» من خلال تقديم الدعم العسكري والمالي والإنساني لها. وكررت وزيرة الخارجية البريطانية كلاماً شبيهاً حول ضرورة استمرار وحدة مجموعة السبع في وجه روسيا، وقالت إنه «من المهم جداً في هذا الوقت أن نبقي الضغط على فلاديمير بوتين من خلال زيادة الدعم بالسلاح لأوكرانيا وزيادة العقوبات على روسيا». وأعلن مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل عن مخصصات مالية جديدة لشراء أسلحة ترسل إلى أوكرانيا، بقيمة 500 مليون يورو تضاف إلى التعهدات السابقة، وقال إنها ستستخدم لشراء معدات عسكرية ثقيلة وذخائر.
- الأمن الغذائي
إلى جانب قضايا التسليح وتشديد العقوبات على روسيا وحظر النفط والغاز، احتلت مسألة أمن الغذاء العالمي حيزاً مهماً من المشاورات الجارية في منتجع «فايسن هاوس». وكررت بيربوك في كلمتها الافتتاحية للمشاورات مع نظرائها في مجموعة السبع، الكلام حول مخاوف من «أزمة غذاء وشيكة تتسبب بها روسيا». وقالت إن «روسيا تمنع إرسال ملايين أطنان الحبوب للعالم وهناك أزمة غذاء عالمية تلوح في الأفق». وأشارت إلى أن دول المجموعة تبحث حلولاً لتفادي وقوع أزمة تكون الدول الأفريقية ودول الشرق الأوسط الأكثر تأثراً بها لاعتمادها الكبير على الحبوب المستوردة من أوكرانيا. واتهم وزير الخارجية الأوكراني روسيا بالتسبب بهذه الأزمة المحتملة، وقال إن «هجوم روسيا هو السبب الوحيد لأزمة الغذاء العالمية في الأفق».
وفي إشارة إلى مدى قلق ألمانيا من منع روسيا إخراج الحبوب من مرافئ أوكرانيا، أجرى المستشار الألماني أولاف شولتس من مكتبه في برلين اتصالاً أمس بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين استغرق 75 دقيقة بحسب مكتبه، وركز على «جهود إنهاء الحرب»، بحسب المتحدث باسمه الذي أضاف أن المستشار الألماني تطرق أيضاً خلال اتصاله ببوتين إلى الوضع الحالي للغذاء العالمي، «والذي بات حرجاً نتيجة اعتداء روسيا». وأضاف المتحدث باسم شولتس بأن المستشار ذكر الرئيس الروسي بأن موسكو تتمتع «بمسؤولية خاصة» في هذا الوضع.


مقالات ذات صلة

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة.

«الشرق الأوسط» (برست (فرنسا))
بيئة قِطع جليد عائمة في المحيط المتجمد الشمالي (رويترز-أرشيفية)

القطب الشمالي يسجّل أعلى معدل حرارة سنوي بتاريخ السجلات

سجّل العام المنصرم أكثر السنوات حرارة على الإطلاق في المنطقة القطبية الشمالية، وفق تقرير صادر عن وكالة أميركية مرجعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم بحلول نهاية القرن لن يتبقى سوى 9 في المائة من الأنهار الجليدية (رويترز)

باحثون يتوقعون ذوبان آلاف الأنهر الجليدية سنوياً بحلول منتصف القرن

أظهرت دراسة حديثة أن آلاف الأنهر الجليدية ستختفي سنوياً خلال العقود المقبلة، ولن يتبقى منها سوى جزء ضئيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق درجات الحرارة المرتفعة سجلت أرقاماً قياسية (أرشيفية- رويترز)

2025 قد يكون ضمن أكثر 3 أعوام حرارة في التاريخ

أعلنت خدمة «كوبرنيكوس» لتغير المناخ -وهي وكالة تابعة للاتحاد الأوروبي- أن عام 2025 يسير في اتجاه أن يصبح واحداً من أكثر 3 أعوام حرارة منذ بدء تسجيل القياسات.

«الشرق الأوسط» (برلين)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟