من أراد معرفة أسرار الآخرين.. لا يلومهم إن كتبوا حقائق أو أكاذيب

مثقفون أميركيون يناقشون السيرة الذاتية ويسخرون

من أراد معرفة أسرار الآخرين.. لا يلومهم إن كتبوا حقائق أو أكاذيب
TT

من أراد معرفة أسرار الآخرين.. لا يلومهم إن كتبوا حقائق أو أكاذيب

من أراد معرفة أسرار الآخرين.. لا يلومهم إن كتبوا حقائق أو أكاذيب

في الشهر الماضي، أثير نقاش وسط مثقفين أميركيين حول كتب السير الذاتية، ومدي صدقها. وشبهها أحد المثقفين بـ«سيلفي» حيث يقوم شخص بالتقاط صورة لنفسه بكاميراه. وقال آخر: «صار كل ممثل سينما وتلفزيون من الدرجة الثالثة، يكتب قصة حياته، وقد ننتظر من يكتب (سيرتي الذاتية وأنا أنظف استوديوهات هوليوود)».
النقاش الذي جرى، الشهر الماضي، أثير بعد أن نشرت مجلة «نيويورك تايمز» انطباعات عن جولة في كندا والولايات المتحدة، أعدها الكاتب النرويجي كارل كناوزغارد، الذي اشتهر بكتابة سيرته الذاتية في أربعة كتب - حتى الآن. إنها سلسلة كتب لم يترك فيها مؤلفها أي حدث صغير في حياته لم يدونه.
لكن، بعد جولته في أميركا، صار واضحا أن صاحب كتب سيرته الذاتية الأربعة، لا يقدر على أن يكتب عن أي شيء غير نفسه. حتى إذا تجول في كندا والولايات المتحدة، وحتى إذا كان ذلك على نفقة مجلة «نيويورك تايمز».

* السيرة الأطول
وقالت كاتي ويلدمان، التي تتولى الشؤون الثقافية في مجلة «سليت» عن كناوزغارد، إنه «يجيد تطبيق الحكمة النرويجية القائلة: كل شيء قادر على التوقف يستطيع التوقف. وهذا يعني أن قطار كناوزغارد لا يقف فقط في المحطات الرئيسية متجاهلا المحطات الصغيرة التي بينها، بل يقف قطاره عندها جميعا، وهو إن مر بخيمة، يعسكر فيها طلاب الكشافة، توقف عندها».
وأشارت ويلدمان إلى أن النرويجي كتب عن أشياء مثل: «تذكرت أنني لم أعد أملك رخصة قيادة سيارة، ضاعت مني قبل سنة. اتصلت بالسفارة النرويجية في واشنطن. وانتظرت الرد ثلاثة أيام. ثم ردوا علي..»، وهكذا تبدأ تفاصيل دقيقة جدا عن رحلته في كندا والولايات المتحدة.
ولم ينس أن يكتب: «دخلت حماما في نيوفاوندلاند (في كندا)، وعندما خرجت منه، كان الماء خرج من المرحاض، وملأ المكان، وذلك لأنني لم أقدر على تنظيف المرحاض».
وعن أسلوب كناوزغارد في وصف الرحلات وفي كتابة الروايات، قالت ويلدمان: «يظل يرى نفسه مركز الحياة. يكتب عن الآخرين، ولا يعطيهم فرصة أن يقولوا آراءهم عن أي شيء في الحياة، ناهيك عنه هو نفسه. هذا رجل يرى أنه مركز الكون كله».

* تفاصيل سخيفة
أما مارك اثيتاكيس المتخصص في عروض الكتب الجديدة بصحيفة «واشنطن بوست»، فكتب عن الأجزاء الأربعة لسيرة النرويجي: «كلما أصدر كناوزغارد كتابا من كتب سيرته الذاتية، تنقسم ردود فعل القراء إلى قسمين: الذين يلتهمون التفاصيل الدقيقة غير المهمة ويريدون المزيد، والذين لا يصدقون أن هناك من يلتهم التفاصيل ويريدون المزيد».
وقال اثيناكيس إن هذه الأجزاء من هذه السيرة التفصيلية، وجدت إقبالا كبيرا، ليس فقط في النرويج، أو في الدول الإسكندنافية المجاورة، ولكن، أيضا، في مناطق أخرى من العالم.
وأضاف اثيتاكيس، أن تفاصيل «سخيفة» وتفاصيل أخرى جنسية كتبها النرويجي، ساعدت على شهرة كتبه. منها تفاصيل عن زوجته السابقة تونجي أورسلاند، التي رفعت قضايا ضده، وضد دار النشر التي تنشر كتبه. وحتى عمه بدأ حملة ضده في التلفزيونات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي.
لقد ضحي كناوزغارد بعائلته لإنجاح سيرته الذاتية. ويبدو أن ملايين القراء فرحون بسبب هذه التضحية، على حد قول اثيناكس الذي أشار إلى أن النرويجي قدم كتابين آخرين، على الأقل، قبل أن ينهي سيرته الذاتية. وطبعا، ستكون «النهاية» عن الوقت الذي كتب فيه الكتاب الأخير. يعني هذا أنه قد يكتب إلى ما قبيل وفاته، إلا إذا أصابه مرض أعاق ذلك.

* سانت أوغسطين
وركز سكوت بيرغهيغر أستاذ علم النفس في جامعة كلارك (ولاية ماساتشوستس)، على مشكلتين رئيسيتين تواجهان من يكتب سيرته الذاتية، هما قوة الذاكرة، ومصداقية السرد. وقال: «لا يكفي أن يقول الشخص إن قصة حياته كلها صحيحة، لا أكاذيب فيها أو مبالغات، أو تخيلات. يجب أن تكون صحيحة أيضا، فيما يختص بالثقافات التي عاش فيها أو مر بها. لا بأس إذا انتقد الشخص نفسه، لكن، لا يكفي هذا لتقديم الصورة الصحيحة عن هذه الثقافات. تأخذ هذه النقطة أهميتها بسبب حقيقية أن تلك الثقافات هي التي كونت الشخص، ولم يكونها».
وأشار بيرغهيغر إلى أول سيرة ذاتية مفصلة: «كونفيشنز» (اعترافات) التي كتبها سانت أوغسطين (القرن الرابع الميلادي). وقال إن كبير الأساقفة الرومانيين المشهور بتأسيس نظرية «التثليث» في المسيحية، كتب سيرة ذاتية «صادقة» تضمنت اعترافات بأخطاء، ودعوات لله ليغفر له. أما في العصر الحديث، فقد أصبحت السيرة الذاتية أقل تدينا، بل أقل أخلاقية. غير أن كل من يكتب سيرة ذاتية يريد أن يكتب أنه أخلاقي، هنا تبدأ المشكلة: هل السيرة الذاتية صادقة؟ كيف نحكم على أخلاقياتها إذا لم تكن صادقة؟
وأشار بيرغهيغر إلى سير ذاتية كتبها يهود نجوا من الهولوكست (المحرقة النازية) وأوضح نقطتين حول كتاب اليهودي بنيامين ويلكوميرسكي، الذي تحدث فيه عن طفولته خلال المحرقة:
أولا، أثبت أكثر من مؤرخ أن الكتاب مزور، إذ لا وجود لشخص بهذا الاسم. إن الاسم الحقيقي لمؤلف الكتاب هو برونو دويسكيره، الذي وُلد بعد نهاية المحرقة.
ثانيا: إذا كتب شخص أن سيرته الذاتية تعتمد على ذاكرته، يكون وضع القارئ في وضع حرج، وكأنه يقول له: إما أن تصدق ذاكرتي، أو لا تصدقها. ويعني هذا أن السيرة الذاتية لا يجب أن تبرهن على أي شيء.

* مشكلة المشاهير
وقال إدوارد كار أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة لاسيل (ولاية بنسلفانيا)، إن ثمة مسألة أخرى تواجه السير الذاتية، وخصوصا سير المشاهير، من ممثلي السينما والتلفزيون وممثلاتهما، إذ إن ملايين الناس لا يهتمون بالعوامل السابقة الذكر، من صدق وقوة ذاكرة، والمغزى الأخلاقي، والخلفية الثقافية، وغيرها.
وأشار إلى كتاب «مليون قطعة صغيرة» الذي كتبه جيمس فراي، قبل سنوات، وأثبت مؤرخون أنه تضمن أخطاء (وأكاذيب) كثيرة. لكن ذلك لم يمنع ملايين الناس من شرائه. لماذا؟ لأن أوبرا وينفري، وهي ربما، أشهر مقدمة برنامج تلفزيوني سوداء، أثنت على الكتاب، ودعت المشاهدين إلى شرائه. وعندما جرى التأكد من وجود أخطاء وأكاذيب في الكتاب، اضطر المؤلف إلى إعادة نشره، وبدلا من «سيرة ذاتية»، كتب «رواية ذاتية».
وقال كار، إن هذه المشكلة توضح أن «أغلبية الأميركيين يتشوقون لقراءة اعترافات الآخرين»، وأضاف: «لا يقدر الذين يؤمنون بحرية السوق أن يلوموا الذين يكسبون فيها، حقا أو باطلا. ولا يقدر الذين يريدون معرفة أسرار الآخرين أن يلوموهم إذا كتبوا حقائق أو أكاذيب، صارت حرية السوق هي إثارة السوق».
وأضاف: «ربما ليس الذنب ذنب أوبرا وينفري، أو ذنب جيمس فراي، ربما هو ذنب دور النشر الكبيرة التي تسارع وتصف الكتاب بأنه (ميموار)، أي ذكريات، وهي تعرف أن هذا وصف مطاطي، ويمكن أن يشمل أي شيء».
واتفق كار مع بيرغهيرغر على أن السيرة الذاتية تعكس، ليس فقط سيرة كاتبها، ولكن الثقافة التي عاش فيها. ولهذا، تعكس الأكاذيب في السيرة أكاذيب في الثقافة. وأضاف كار: «تشكل هذه مسؤولية كبيرة، تاريخية وأخلاقية».

* السيرة الذاتية الأفضل
وقالت ديانا سافيرين، محررة الشؤون الأدبية في مجلة «أتلانتيك»، إن أحسن سيرة ذاتية قرأتها هي «حج إلى نهر تنكار»، التي كتبتها آني ديلارد، ذلك لأنها «جمعت بين الله، والطبيعة، والإنسان، وهي تستكشف المنطقة حول منزلها في ريف ولاية فرجينيا»، وعلى الرغم من ضيق المنطقة الجغرافية، جمعت معلومات من أكثر من ألف مرجع، فيها أقوال وآراء وأرقام. ولهذا «نجحت السيرة الذاتية بفضل التفاصيل التي تصور الطبيعة، وماذا يعني أن تكون إنسانا، أي إنسان، وأنت تتلمس طريقك على أطراف الطبيعة التي بلا نهاية». قارنت سافيرن بين هذه السيرة الذاتية وسير المشاهير في الوقت الحاضر. وقسمت هذه إلى الأقسام الآتية:
أولا: قسم الذين يصرخون بأعلى أصواتهم: «أنا مشهور، أنا مشهور»، مثل كتاب «ياس بليز» (نعم فضلا)، الذي كتبته الممثلة ايمي بوهلار.
ثانيا: قسم الذين يصرخون بأعلى أصواتهم: «أريد أن أكون رئيسا للجمهورية. أريد أن أكون رئيسا للجمهورية»، مثل كتاب السيناتور ماركو روبيو: «أميركان دريم» (حلم أميركي). ومثل كتاب السيناتور تيد كروز: «تايم أوف تروث» (وقت الصدق). ومثل كتاب هيلاري كلينتون: «هارد جويزيز» (خيارات صعبة).
ثالثا: قسم الذين يصرخون بأعلى أصواتهم: «أنا حكيم. أنا حكيم»، مثل كتاب ايبن ألكسندر: «بروف أوف هيفين» (أدلة على وجود الجنة). ومثل كتاب بيل وايز: «23 دقيقة في الجحيم». وأخيرا، كما قال اثيتاكيس: «ليست مثل هذه السير الذاتية إلا مثل صور (سيلفي)، أي: صور ذاتية. تصرخ هذه الكتب: انظروا إليّ، انظروا إلي»، وأضاف: «باسم قول الحقيقة، يحاول كل واحد من هؤلاء أن يقنعنا بأنه ذكي (كتب الممثلين والممثلات). أو محبوب (كتب السياسيين). أو مقدس (كتب الجنة والنار)».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».