«شرطة الذاكرة»... كيف تمنع تأليف القصص والحكايات؟

اليابانية «أوغاوا» تخترع عالماً لم نعد نمتلكه

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«شرطة الذاكرة»... كيف تمنع تأليف القصص والحكايات؟

غلاف الرواية
غلاف الرواية

في رواية اليابانية يوكو أوغاوا شرطة الذاكرة، «الآداب: 2021» ثمة عالمان متضادان يطرد أحدهما الآخر. عالم رجال الشرطة المطارين للذكريات، وعالم فاقدي الأشياء وذكرياتهم عنها. يمكننا أن نختصر المشهد فنتحدث عن عالمي الذاكرة ونقيضه الأبدي النسيان. أظن أن هذا الاختصار يفيد ويرضي المشتغلين بسرديات التذكر، ولا بأس؛ لكن هذا الاختصار يبعدنا عن عالم الرواية واشتغالاتها المبهرة الخاصة برغبة الفرد الأعزل بمقاومة النسيان، وهو، برأيي، جوهر العالم السردي في الرواية. تفتح الراوية / الكاتبة عينها على عالم أمها الزائل، عالم الأشياء المختفية، يقابله ويوازيه عالم آخر سيأخذ بالتشكِّل لاحقاً. إنه عالم الرواية المتخيل الذي تعكف الكاتبة / الراوية على تشييده أمامنا بصفة مخطوط. العالمان المتخيلان يؤلفان، معاً، الصياغة السردية لمقولة النسيان؛ بالضبط كيف نكتب عن عالم، عالمنا ولا شك، لم نعد قادرين على تذكَّر أشيائه؟

- أي ذاكرة... أي نسيان؟
لكن «شرطة» الذاكرة لا تبني عوالمها باستدعاء أو تذكّر ماضٍ سعيد أو تعيس، إنها رواية عن الفقدان التدريجي للماضي وعوالمه. وهي كذلك رواية عن الأشياء المختفية، عن ذلك الفقدان المفاجئ والمؤلم لموجودات العالم المحيط بنا. والمفارقة أن الرواية يصلنا عالمها السردي عبر «راوية: لا نعرف اسمها» لا تتصل سيرتها الشخصية بتاريخ الأشياء المختفية. نتحدث، هنا، في الأقل، عما ورثته «الراوية» من حكايات عن أمها تخصّ أشياء اختفت من الجزيرة، فضلاً عن أشياء شهدت، هي نفسها، اختفاءها. لا ماضٍ، إذن، ولا تاريخ عظيم الشأن أو خلافه تحيل إليه الرواية سوى تاريخ زوال أشياء المشهد العام. فهل هذا الزوال / الاختفاء هو عالم الرواية؟ وهل يمكن لـ«السردية» أن تتحقق من دون عناية «كبرى» بماضي الأشياء وتاريخها؛ أليس هذا شأن الرواية «السرديات عامة» في مجمل تاريخ نصوصها، وبمختلف اللغات، إنها حكاية متخيلة عن «ماضٍ» فردي ذي سمة شخصية خالصة، أو جماعي ذي سمات بطولية؟. هل نتحدث، من ثمّ، عن رواية تختصر عالمها السردي بما نلمسه من «مقاومة» تبديها الراوية، ومن قبلها أمها النحاتة وجدها ثم ناشرها «ر» إزاء النسيان؟ لا أظن أن ذلك هو جوهر التأويل السردي في الرواية؛ فالأم التي تفتح الرواية عالمها بكلامها تؤكد للراوية، ابنتها، وهي تعرض عليها نسخاً مخبأة من أشياء «اختفت» من الجزيرة «من الذاكرة والتداول الحكائي»، أن الاختفاء هو الأصل، هكذا أخبرتها أمها، جدة الراوية، وهي مثل سواها لا تملك جواباً، ولا تعرف متى بدأ الاختفاء، ولا الأشياء الأولى التي اختفت من الجزيرة. ثم إن الناس، مواطني الراوية وأمها على الجزيرة، لا يملكون القدرة على الاحتفاظ بقيمة الأشياء المختفية في قلوبهم. ربما نكون، هنا، إزاء قيمة مضادة لمقولة ماركيز الشهيرة: «التذكر سهل للذين لديهم ذاكرة، والنسيان صعب للذين لديهم قلب»؛ فالناس، هنا، لا يقاومون فعل الاختفاء القسري للأشياء، وهذه حقيقة تؤكدها لنا الراوية في أماكن مختلفة من الرواية: والأم في مطلع الرواية، وفي خاتمتها. نقرأ ونشهد أسف الراوية من عدم اكتراث الناس بموت الأشياء وإزالتها من الذاكرة والاستعمال اليومي. وهو ذاته المعنى الذي شرحته الأم لابنتها عما يحدثه الاختفاء في النفس من خوف وذعر. وستكون الإجابة منسجمة، بل ومتمثِّلة للمشهد العام بعدم الاكتراث والإحساس بفقدان الأشياء؛ فالفقدان / الاختفاء «لا هو بالمؤلم ولا بالمحزن. تفتحين عينيك صباحاً في سريرك، فيكون ثمة شيء قد اختفى، من غير أن تلحظي اختفاءه». أمثولة الاختفاء وكتابة تاريخ موجز له، هي، باختصار، جوهر التمثيل السردي في الرواية. ألا يعيدنا هذا الاختصار لجدل التذكَّر ومقاومة النسيان؛ لا سيما أن سلطة مخصوصة ومسماة بـ«شرطة» هي التي تفرض الاختفاء؟ ربما؛ لكن الكلام هنا ليس عن ماضٍ مكتمل تختص وقائعه وحكاياته بأشخاص محددين ومعروفين في الرواية، إنما عن فعل الإخفاء القسري للأشياء حتى يصل إلى إخفاء / محو الجسد ذاته أو أجزاء رئيسية منه.

- متحف المفقودات
تشرح الأم / النحاتة لابنتها في قبو البيت ماذا يعني اختفاء شيء، أو ماذا يحدث بعد اختفاء شيء ما؟ لا شيء؛ سوى أن اضطراباً يحدث للناس فيتجمعون ليحكوا لبعض قصصاً وحكاياتٍ عما اختفى، ثم يعمدون لحرق «الأشياء» المختفية، أو دفنها، أو رميها في النهر، ثم ينسى الجميع تفاصيل ذلك الشيء المختفي بعد أيام قليلة. لكن الأم لا تكتفي بمشهد الفرجة لجمهور يفقد «قصصـ»ـه أشياءهم على مهل و«ينسا»ـها، بل تسعى لأن تترك خلفها صواناً «متحفاً» يتضمن نسخاً من الأشياء المختفية. نشدِّد، هنا، على موضوعة المتحف وسردياته لأهميتها القصوى في رواية تبني عالمها السردي على الموت / الإخفاء التدرجي لأشياء الواقع وقصصه؛ إذ سنعرف لاحقاً أن هذه الأشياء المخفية قد «أخفتها» الأم في منحوتات وخبأتها بعيداً عن البيت وقبوه. ولكن لماذا تحظى سردية المتحف بهذه الأهمية؟ هل لأنها المقابل السردي لدلالة القمع والمطاردة المعلنة عبر العنوان الرئيسي للرواية / «الشرطة» المكلَّفة بمطاردة «المتذكرين»؟ لنتذكر مرة أخرى أن «أوغاوا» تفتتح روايتها بمحتويات الصوان / المتحف، وتكاد تختمها بها؛ وكأن «القصة» كلها تكمن في سردية «الإخفاء / الاختفاء» وتاريخها، فيما تعمل الصياغات الأخرى بصفتها عوامل «ساندة» للتاريخ السردي المقترح للمتحف.
ربما لأجل هذا لا تشرح لنا الراوية لماذا علينا أن ننسى؛ أو ما الداعي لوجود «شرطة الذاكرة»؛ وهل يقتصر عملها على حدود الجزيرة، أم يشمل باقي الجزر اليابانية؛ وهل نحن في سياق سردية الديكتاتور أو الأخ الأكبر؟ نعرف عبر إشارات متفرقة لا يجري التركيز عليها كثيراً أن «الشرطة» تحافظ على صفتها «القهرية» الدَّالة على القمع والضبط البوليسي كما يحيل إليها العنوان؛ ثمة أناس يجري اعتقالهم وتعريض حياتهم للخطر. النحاتة، أم الراوية، تُعتقل ثم تموت بعدها، مشاهد رعب عامة تتضمن اعتقالات أشخاص لا يلتزمون بقوانين شرطة الذاكرة، ومثلها مصير الجد / عامل العبارة الذي سيعتقل ثمّ يموت في الشارع، ليس بعيداً عن مكان العبارة التي غرقت «اختفت». أحداث أخرى تستعملها الرواية تضعنا في السياق السردي لرواية الأخ الكبير / الديكتاتور وتشدِّد، من طرف خفي، على مركزية «الإخفاء» بصفته مدخلاً سردياً للمتحف وتحولاته؛ ذلك أن «أولى مهام شرطة الذاكرة، الحرص على إرساء الاختفاءات»، ومنع الناس، من ثمّ، من استعادتها، بل واستخدامها في تأليف «اختراع» قصة ما.

- غرفة «سرية» لإخفاء «المتذكر»
ولكن ما الذي يجمع «مخطوط» الرواية بالغرفة السرية، حيث أخفت الراوية أشياء أمها «المخفية» و«ر» ناشر رواياتها؟ بتصوري إنها سردية المتحف مرة أخرى. يفسر «ر» الأمر للراوية، كاتبة الرواية، عندما يعبر عن دهشته من قدرة «الكلمات»، وهو يثني على مخطوط الكاتبة، على صناعة شيء في «جزيرة» تزول «تختفي» أشياؤها. إنها قوة الحكاية وسحر السرد، أو كما سنقرأ لاحقاً تأكيداً يقترب من يقين النبوءة: «لا أحد سيمحو ذكرى الروايات». هذا اليقين الذي ستنتهي به الرواية لا يغير من هيكلية العالم السردي، ولا يحسم الصراع أبداً؛ إذ ستنهي الكاتبة حوارها مع ناشرها بتساؤل معبر عن حجم الخسارات الحاصلة فيما لو اختفت الكلمات «ما الذي سيحدث؟»؛ لا حكاية، حينئذٍ، ولا عالم متخيل يمكنه مواجهة سلطة الاختفاءات.
ثمة مساران أو خطان ينتظمان مشهدية المتحف: خط يمثله مخطوط الرواية. وخط يشغله مشهد الاختفاءات. عالم المخطوط المتخيل يقابله، إلى حين، عالم متخيل، أيضاً، لكنه عالم رواية شرطة الذاكرة. تجمل الكاتبة قصة روايتها الرابعة بأنها عن «طابعة» على الآلة الكاتبة تفقد صوتها وتستخدم الآلة الكاتبة لتعويض خسارتها. وهي تستعين بمعلمها في معهد الطباعة لاستعادة صوتها، لكنها لا تحصل من «صاحبها» سوى على «حبس» منفرد في «برج»، هو أشبه بالمتاهة، مع وجبات جنس شبه يومية. في البدء، تجهل الكاتبة مصير بطلتها، مثلما نجهل، نحن كذلك، مصير الكاتبة نفسها. لكننا نعرف، في المحصلة، أنهما ينتهيان إلى المصير ذاته: بطلة الرواية محبوسة في متاهة البرج، فيما تنتهي الكاتبة، أو ما تبقى من جسدها بعد أن وصلت ظاهرة الاختفاء لأعضاء الجسد الإنساني، وحيدة في الغرفة السرية بعد أن يغادرها ناشر روايتها، المتذكر الوحيد، بقاياها. ومثلما أن بطلة الرواية تفقد صوتها نجد الكاتبة تفقد قدرتها على الكتابة بعد أن تختفي الروايات. فهل كانت الكاتبة بصدد تأليف سيرة روائية عن نفسها؟ ليس هناك إجابة مفصلة وقاطعة، إنما هناك إشارات واضحة عن «روايات» ثلاث، سبق للكاتبة أن أصدرتها، والروايات الثلاث تتحدث عن شيء ما يختفي. ومثلها الرواية/ المخطوط سبق للكاتبة أن أنجزتها في غرفة أبيها. والروايات كلها لم تكن بحاجة لـ«وثائق وتدوينات»؛ فهي محاولات فاشلة لملء «الفراغ الذي خلفته شرطة الذاكرة». المخطوط، ومن ثمّ سيرة الكاتبة، تظهران أمامنا بصفتهما محاولة أخيرة لكتابة قصة «تقتصد» بأشيائها، فهي «يوميات» الأشياء المختفية، أو إن شئت قل، إنها «شهادة» الكاتبة على عالم يفقد ذاكرته، عفوا أشياءه.



جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.


«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية
TT

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ليس من السّهل الكتابة عن البربرية من داخل اللغة التي أنجبت الحضارة، ولا مساءلة الخراب من قلب ثقافة أنتجها التنوير، لكن الشاعر والكاتب فاضل السلطاني، في كتابه «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار»، -دار خطوط وظلال، عمان- يفعل ذلك تماماً، فيضعنا أمام مواجهة صريحة مع أسئلة العصر الحرجة، متخذاً المقالة الصحافية جسراً يعبر عليه الفكر من آنية الحدث العابر إلى ديمومة السؤال الفلسفي. نحن هنا بإزاء مدونة فكرية تمتد على مساحة ربع قرن، ترصد، بعين الشاعر وحس المفكر، تلك الارتجافات الخفية التي تسبق الزلازل الحضارية الكبرى. يتجاوز هذا السِفر كونه تجميعاً لنصوص نشرت في الصحافة السيارة؛ بل سيرة عقلية وروحية لكاتب رأى العالم يتغير أمام عينيه، من وعود التنوير والحداثة، إلى عتمة توحش لم يعد يعبأ حتى بارتداء قفازات حريرية.

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع، كامن تحت قشرة الحضارة الرقيقة، ويفكك في القسم الأول من كتابه، ملامح هذه البربرية الجديدة: بربرية تتغذى على التقنية، وتنتعل أحذية العولمة، وتمارس طقوس الإلغاء والمحو بدم بارد. رؤيته أن التقدم العلمي والتقني الهائل الذي أنجزته البشرية، سار في خط بياني متصاعد، قابله خط بياني آخر يهوي بالقيم الأخلاقية والإنسانية إلى القاع. وفي هذه المفارقة تكمن مأساة الإنسان المعاصر؛ الإنسان الذي يمتلك أدوات تدمير الكوكب، بينما يفقد، يوماً إثر يوم، بوصلته الأخلاقية التي تمنحه مبرر الوجود.

تتجلى ثيمة «التشظي» كخيط ناظم للمقالات، فتستدعي أصواتاً شعرية وروائية كبرى، من ييتس وإليوت إلى جويس وكافكا، ليقيم معها السلطاني حواراً حول مصير العالم. حين يستحضر قصيدة ييتس «المجيء الثاني»، أو «الأرض اليباب» لإليوت، فإنه يشير إلى تلك اللحظة التي يفقد فيها العالم مركزه، وتتداعى الأشياء، وتُفلت الفوضى من عقالها. هذا التشظي الذي رصده أدباء الحداثة في بدايات القرن العشرين، يراه متجسداً الآن بصورة أشد عنفاً ووضوحاً في القرن الحادي والعشرين. إنه عصر السيولة المطلقة، حيث تذوب الحقائق، وتتلاشى الحدود بين الجلاد والضحية، وبين الثقافة والتفاهة، وبين الحقيقة والوهم.

يذهب الكتاب بعيداً في تحليل ظاهرة «الشعبوية» التي تجتاح العالم، من «بريكست» البريطاني إلى صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا. يقرأ المؤلف هذه الظواهر لا بوصفها أحداثاً سياسية منعزلة، وإنما كأعراض لمرض حضاري عضال. إنها عودة «القبلية» في ثياب عصريّة، وانتصار الغريزة على العقل، والخوف على الأمل. ويربط ببراعة بين سيكولوجية الطغيان، مستدعياً نماذج من هتلر إلى نتنياهو، وبين الرغبة المحمومة في التدمير كشرط لتحقيق التفوق الموهوم. في هذا السياق، حتى «العمارة» عند الطغاة ليست سوى محاولة يائسة للخلود عبر الحجر، تعويضاً عن الفناء الذي يزرعونه في البشر.

وفي التفاتة عميقة إلى الواقع العربي، يُخضع السلطاني ظاهرة «الربيع العربي» لمشرط التحليل الثقافي، فيرفض القراءات السطحية التي تكتفي بالنتائج السياسية المباشرة، ليغوص في البنية العميقة للمجتمعات العربية. وهو يرى أن ما حدث كان زلزالاً ضرورياً لخلخلة قيم الطاعة والخضوع التي تكلست عبر قرون. ورغم المآلات الدموية، والانتكاسات، وصعود قوى الظلام، فإنه يلمح في الأفق ولادة عسيرة لفرد عربي جديد، يجرؤ لأول مرة على التحديق في وجه جلاده، ويطرح سؤال الحرية كقيمةٍ وجودية عليا. إنها قراءة تنحاز للمستقبل، وتراهن على «مكر التاريخ» الذي يعمل في الخفاء، ويقود البشرية، عبر مسارات متعرجة ومؤلمة، نحو غاياتها النهائية.

في الكتاب حيز واسع لمناقشة قضايا التنوير، والعلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب، ومفاهيم الهوية والمنفى. وينتقد بجرأة «أسئلة التنوير المقلوبة» التي تنشغل بالنتائج دون المقدمات، وتغفل عن دور الحامل السياسي والاجتماعي في إحداث أيّ تغيير ثقافي حقيقي. كما يفكك خرافات المركزية الغربية، ونظرتها الاستشراقية المتعالية، وفي الوقت ذاته، لا يوفر نقداً للذات العربية المستلبة، التي تعيش حالة من الانفصام الفكري والأخلاقي، وتمارس سطواً مسلحاً على الدين والتاريخ، لتبرير عنفها وتخلّفها.

القسم الثاني المخصص لـ«الأدب» يحتفي بالكلمة بعدّها قدرة أخيرة على ترميم ما هشمته السياسة. الأدب هنا لا يقرأ كترفٍ فكري أو ملاذٍ جمالي من واقع مأزوم، بل كمختبر أخلاقي تُطرح فيه الأسئلة التي عجزت الآيديولوجيات والأنظمة عن الإجابة عنها.

يطوف بنا المؤلف في عوالم دوستويفسكي، وتولستوي، وكافكا، ونايبول، وجورج أورويل، ومارغريت آتوود، وشعراء الحداثة العرب والغربيين، ليبحث عن تلك اللحظة التي يصبح فيها الأدب شهادة على الإنسان حين تفشل الدولة، وتتعطل السياسة، ويصمت الخطاب العام.

في هذه النصوص، الأدب ضرورة وجودية، ووسيلة مقاومة صامتة، وشاهد أمين على العصر، يحفظ للإنسان ذاكرته الأخلاقية في زمن تتآكل فيه المعايير، ويُعاد فيه تعريف العنف والشر بوصفهما أمرين معتادين.

يتناول السلطاني قضية الشعر بحساسية عاليّة كما يليق بكاتبٍ يُقيم عند التخوم بين الفلسفة والقصيدة راصداً انحساره في عصر النثر والرواية، ومتسائلاً عن مصير الشعر العظيم الذي تنبأ هيغل بموته. لكنه، في الوقت عينه، يحتفي بالشعراء الذين يولدون بعد الموت، وبالنصوص التي تكسر حاجز الزمن، ويُعيد الاعتبار لأسماء غيبها النسيان أو القمع، ويضيء على تجارب من ثقافات مختلفة، مؤكداً عالمية التجربة الشعرية، وقدرتها على توحيد البشر في مواجهة الألم والموت.

يكتب المؤلف من منطقة نادرة تلتقي فيها صرامة الفكر بأريحية السرد، فتخرج اللغة من أسر الأكاديمية الجافة من دون أن تفقد عمقها المعرفي. إنها لغة «مفكّرة» لا تستعرض أفكارها، بل تعيشها، وتحمل قلقها وأسئلتها داخل نسيجها الجمالي. نصوصه مشبعة بحرارة التجربة، كُتبت بمداد القلق والأمل، وبشغفٍ معرفي يحوّل العابر واليومي إلى بوابة للتأمل في الكلي والمطلق. وفي هذا المسار، لا يُترك القارئ في موقع المتلقي، وإنما يُستدرج ليكون شريكاً في عملية التفكير، وطرفاً في مساءلة العالم ومعناه.

يُعد «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار» وثيقة إدانة لعصرنا، وصرخة احتجاج ضد نظام التفاهة الذي يحاول تسطيح الوعي البشري. إنه دعوةٌ ملحةٌ لاستعادة الحس الأخلاقي، والعودة إلى الينابيع الأولى للمعرفة والثقافة، تلك التي تضع الإنسان في مركز الكون، وتؤمن بقدرته على تجاوز شرطه المأساوي. بذلك يمثل في مجمل مقالاته، دفاعاً مستميتاً عن المعنى في عالم يغرق في العبث، وعن الجمال في مواجهة القبح، وعن الذاكرة ضد طوفان النسيان.

إن قراءة نصوص السلطاني تشبه النظر في مرآة صافية، نرى فيها وجوهنا، ووجوه عصرنا، بلا رتوش أو أقنعة، وتضعنا أمام مسؤوليتنا الأخلاقية والتاريخية في منع «البربرية» من اقتحام أبوابنا المشرعة.

إنه كتاب يقرأ ليبقى، ولعل أهميته تزداد مع مرور الوقت، بوصفه شهادة حية من عين يقظة على زمن التحولات الكبرى، وزمن الأسئلة التي لم تعد تقبل الانفعالات العابرة.


مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»
TT

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

يتكون ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري محمد سليمان من تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو العنوان بوصفه حكمة الذات التي توصلت إليها بعد معاناة وطول تأمل فيما آلت إليه أحوالها، إنه نوع من التسليم بالوحدة والتعايش معها، بما تحمله مفردة «سيميل» من دلالات التعاضد والتآزر، فلا أحد سيطلّ على هذه الذات ولا يطمئنّ عليها أو يسأل عن أحوالها، ليس في لحظتها الآنية فحسب، بل في مستقبلها أيضاً، فهي النبوءة التي تخاطب بها الذات نفسها، وتقدمها لها بوصفها حكماً نهائياً لا يقبل المساومة، وعليها التعايش مع هذا الوضع القاسي من الوحدة والانقطاع عن العالم.

الديوان، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فاز منذ أيام بجائزة أفضل ديوان شعري في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ينشغل في تكوينه الكلّي بمعاينة تحولات الواقع المحيط بالذات الشاعرة، وبما طرأ على العالم من متغيرات، جعلت عالمه القديم محض أطلال وذكريات، ومن ثم يزداد الشعور بوطأة الاغتراب عن هذا الواقع الضاغط. إن مفردة «هنا»، التي تتوسط عنوان الديوان، تبدو مركزية في فهم الحمولات الدلالية لمجمل القصائد، وفي حل شيفرات الطاقة الشعورية المسيطرة على الذات الشعرية، فـ«هنا»، هذه، لا تتصل فقط بالمكان، لكنها في هذا السياق الشعري تشير إلى الزمان والمكان كليهما، أيضاً إلى لحظة حضارية وثقافية مغايرة عمَّا اعتادته الذات.

الديوان تطل من خلاله الذات في مرايا وجودها الراهن، تحدق في ذاتها وفيما آلت إليه، معترفةً بأنها أصبحت ذاتاً قديمة؛ هذه الذات التي تراوح النظر إلى عالمين: عالم ذكرياتها وماضيها، ومن ناحية أخرى تحدّق في عالم اللحظة الراهنة، متأملةً موقفها الوجودي بين الماضي والحاضر، متنبئةً بما يمكن أن تذهب إليه الأوضاع مستقبلاً، إذا سار العالم بهذه الوتيرة، فالذات الشعرية هنا تظهر مبصرةً تشظّيها وضياعها، ومعترفةً بهذا الضياع والتيه الوجودي، فكثيراً ما يجمع الأزمنة الثلاثة في مقطع شعري واحد، كما نراه يقول في قصيدة «كي أذكّر الطيور بي»:

«أقر...

مثل النيل لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديماً

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً

وفارغ اليدين»

فالذات الشعرية، هنا، في لحظات اعتراف أسيان، كمحارب مهزوم يرفع راية الاستسلام، مقرّاً في لحظة كشف وجودية بأنه بات «قديماً»، غير قادر على مسايرة العالم من حوله، مما أورثه الوحدة، واكتشاف أن ما كان يمسك به قديماً ليس سوى سراب، إذ ينتهي به المطاف فارغ اليدين، لكن الشاعر حتى في لحظة الاستسلام هذه، يصر على التشبه بالنيل، بكل ما يحمله من حمولات تتعلق بالعذوبة والخصب والنماء، والاستمرارية، كأن هذا التشبيه هو كلمته للتاريخ، لتذكير الطيور به، بفيوضاته وعذوبته، بأنه كان هنا، معطاءً وعذباً كالنيل، يفيض كلمات وقصائد، لينشر الخضار في الأرواح والقلوب.

في قصيدة «بالشاشات التصقوا» يتحول البشر إلى مجموعة من الآليين، الملتصقين بشاشات الهواتف والتلفزيون، وغيرها من أدوات عصر المعلومات، فقد استبدلوا الفرجة على الحياة بالعيش فيها، مما أدى إلى استلاب الإنسان وتشيُّئه. إن الذات تعاين هذه التحولات من منظور تأثيرها في إنتاج وحدتها واغترابها، فالشاشات تمنع الآخرين من التواصل مع الذات الشعرية، وتحيل عالمها إلى سجن معنوي كبير، بلا باب ولا نافذة على البراح، سجن من الشاشات لا يسمح بتجدد الهواء، مفعم بالعطن، واستخدام مفردة «انزرعت» يومئ إلى أنها أصبحت بديلاً عن الأشجار والنخيل، تلك التي كانت تجدد أكسجين العالم، في حين هذه الشاشات التي انزرعت عنوةً تمتصّ هذا الهواء، إنها وباء جديد، مصنوع من معدن، يسرق الأرواح كما سرق «كورونا» الوجوه والملامح، عندما أجبر البشر على الاختباء وراء أقنعة وكمامات تمسخ هوياتهم وحضورهم الحي، يقول:

«لا أحد هنا سيميل عليك

لا أحد سيفتح باباً

أو نافذة

لهواء يوقظ نخلك وعصافيرك

الشاشات انتشرت مثل وباءٍ

وانزرعت في الساحات

وفي الحارات

وفي أيدي الأطفال»

ثمة مجموعة من التقابلات المهيمنة على الديوان كله، ففي جهة واحدة هناك (الذات/ الشعر/ النيل/ الهواء القديم/ السحب/ الحقول/ البساتين/ العصافير/ الشوارع المتسعة/ الحارات الصاخبة/ لهو الأطفال...) وغيرها من مرادفات العالم القديم، البكر، ذي الطبيعة النقية والهادئة والحميمة. وفي الجهة المقابلة هناك مفردات العالم الآخذ في فرض هيمنته (الحروب/ الصحراء/ الهمجيون/ الشاشات/ الفيروسات والأوبئة/ الغربان). إن مفردات كل جهة متشابكة ومتعاضدة، حتى تبدو شبكةً دالةً على تصورٍ ما للوجود الإنساني، لكنّ مفردات الجهة الأولى آخذةٌ في الأفول والانزياح، إنه عالم كامل ينسحب خاسراً، في مقابل عالم جديد يفرض حضوره وتسيّده، بكل قسوته وغلظته، فالصحراء تنتصر على الحقول والبساتين، والحروب تهزم الشعر وتلوث السحب، حتى إن الهواء نفسه تغيَّر، وتحولت خواصه، كما يقول في مقطع مدهش من قصيدة «هواء آخر»:

«الهواء الذي كان لا لون له

والذي كان يلعب حولي

(...)

فجأة

صار مثل الحجر

هامداً وثقيلاً

وأسود مثل الوباء

ومثل الحروب التي حولنا تتوالد»

فالهواء، هنا، نموذج للنزوع البيئي الذي يفرض حضوره بقوة في الديوان، فالبيئة والذات الشاعرة كلتاهما في لحظة ذبول، أمام ازدهار الحروب والأوبئة والشاشات، فهناك نظام إنتاج وعلاقات تنطفئ، وأنظمة أخرى تنمو وتهيمن فارضةً قواعدها، حتى إنها تفرض هيمنتها على الهواء الذي يفقد خواصه الطبيعية التقليدية، إنه يتكلس ويتحجر، يكتسب لوناً أسود، يصبح هواءً جديداً، ثقيلاً مثل الحقبة الجديدة التي ينتمي إليها.

في مواجهة كل هذا الاغتراب، تنزع الذات الشاعرة إلى الفرار نحو استعادة ماضيها في كثير من القصائد، مسترجعةً ما كانت عليه من فتوة وعنفوان، حينما كان الشعر يتدفق غزيراً وعذباً مثل تدفق النيل، وأحياناً تأتي هذه الاستعادة في صيغة «فضفضة»، كما عنون إحدى مقاطع القصيدة الأخيرة، أو يقدم في قصيدة «قالت المرايا» قراءة شعرية في مآلات الربيع العربي، التي لا تبتعد كثيراً عن الرؤية العامة للديوان، حيث انهزام الربيع أمام سطوة صقيع وهجير الصيف، فكلاهما يحاصر الربيع ويسحقه، فتتآزر المعاني السياسية مع البيئية مع الوجودية.

الذات الشعرية في هذا الديوان منهزمة ومنسحقة أمام وطأة متغيرات لا تقدر على مجابهتها، أمام عالم يتحول، وحياة فقدت بكارتها، إنها ذات خسرت صراعها مع الزمان والمكان، بما يجعل الديوان مرثية لزمن جميل مضى، وهجاء لزمن يفرض حضوره ومواضعاته. رثاء لأمكنة كانت مفعمة بالسحب وهديل الحمام وجمال الطبيعة والبيئة بكل مفرداتها، وهجاء لأمكنة حديثة متصحرة، حيث انتصر التصحر على خضار الحقول، والجدب على عذوبة النيل. مرثية لصخب الأطفال في الشوارع والحارات، والتواصل الحي بين البشر، ولزمن الثرثرة على المقاهي، وهجاء لزمن الشاشات والسوشيال ميديا، وعصر الأوبئة والحروب، والكمامات والقنابل... وينهي الشاعر ديوانه بمقطع لافت، يقول فيه:

«آن لي

أن ألمَّ طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها.

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يَسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري».