«شرطة الذاكرة»... كيف تمنع تأليف القصص والحكايات؟

اليابانية «أوغاوا» تخترع عالماً لم نعد نمتلكه

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«شرطة الذاكرة»... كيف تمنع تأليف القصص والحكايات؟

غلاف الرواية
غلاف الرواية

في رواية اليابانية يوكو أوغاوا شرطة الذاكرة، «الآداب: 2021» ثمة عالمان متضادان يطرد أحدهما الآخر. عالم رجال الشرطة المطارين للذكريات، وعالم فاقدي الأشياء وذكرياتهم عنها. يمكننا أن نختصر المشهد فنتحدث عن عالمي الذاكرة ونقيضه الأبدي النسيان. أظن أن هذا الاختصار يفيد ويرضي المشتغلين بسرديات التذكر، ولا بأس؛ لكن هذا الاختصار يبعدنا عن عالم الرواية واشتغالاتها المبهرة الخاصة برغبة الفرد الأعزل بمقاومة النسيان، وهو، برأيي، جوهر العالم السردي في الرواية. تفتح الراوية / الكاتبة عينها على عالم أمها الزائل، عالم الأشياء المختفية، يقابله ويوازيه عالم آخر سيأخذ بالتشكِّل لاحقاً. إنه عالم الرواية المتخيل الذي تعكف الكاتبة / الراوية على تشييده أمامنا بصفة مخطوط. العالمان المتخيلان يؤلفان، معاً، الصياغة السردية لمقولة النسيان؛ بالضبط كيف نكتب عن عالم، عالمنا ولا شك، لم نعد قادرين على تذكَّر أشيائه؟

- أي ذاكرة... أي نسيان؟
لكن «شرطة» الذاكرة لا تبني عوالمها باستدعاء أو تذكّر ماضٍ سعيد أو تعيس، إنها رواية عن الفقدان التدريجي للماضي وعوالمه. وهي كذلك رواية عن الأشياء المختفية، عن ذلك الفقدان المفاجئ والمؤلم لموجودات العالم المحيط بنا. والمفارقة أن الرواية يصلنا عالمها السردي عبر «راوية: لا نعرف اسمها» لا تتصل سيرتها الشخصية بتاريخ الأشياء المختفية. نتحدث، هنا، في الأقل، عما ورثته «الراوية» من حكايات عن أمها تخصّ أشياء اختفت من الجزيرة، فضلاً عن أشياء شهدت، هي نفسها، اختفاءها. لا ماضٍ، إذن، ولا تاريخ عظيم الشأن أو خلافه تحيل إليه الرواية سوى تاريخ زوال أشياء المشهد العام. فهل هذا الزوال / الاختفاء هو عالم الرواية؟ وهل يمكن لـ«السردية» أن تتحقق من دون عناية «كبرى» بماضي الأشياء وتاريخها؛ أليس هذا شأن الرواية «السرديات عامة» في مجمل تاريخ نصوصها، وبمختلف اللغات، إنها حكاية متخيلة عن «ماضٍ» فردي ذي سمة شخصية خالصة، أو جماعي ذي سمات بطولية؟. هل نتحدث، من ثمّ، عن رواية تختصر عالمها السردي بما نلمسه من «مقاومة» تبديها الراوية، ومن قبلها أمها النحاتة وجدها ثم ناشرها «ر» إزاء النسيان؟ لا أظن أن ذلك هو جوهر التأويل السردي في الرواية؛ فالأم التي تفتح الرواية عالمها بكلامها تؤكد للراوية، ابنتها، وهي تعرض عليها نسخاً مخبأة من أشياء «اختفت» من الجزيرة «من الذاكرة والتداول الحكائي»، أن الاختفاء هو الأصل، هكذا أخبرتها أمها، جدة الراوية، وهي مثل سواها لا تملك جواباً، ولا تعرف متى بدأ الاختفاء، ولا الأشياء الأولى التي اختفت من الجزيرة. ثم إن الناس، مواطني الراوية وأمها على الجزيرة، لا يملكون القدرة على الاحتفاظ بقيمة الأشياء المختفية في قلوبهم. ربما نكون، هنا، إزاء قيمة مضادة لمقولة ماركيز الشهيرة: «التذكر سهل للذين لديهم ذاكرة، والنسيان صعب للذين لديهم قلب»؛ فالناس، هنا، لا يقاومون فعل الاختفاء القسري للأشياء، وهذه حقيقة تؤكدها لنا الراوية في أماكن مختلفة من الرواية: والأم في مطلع الرواية، وفي خاتمتها. نقرأ ونشهد أسف الراوية من عدم اكتراث الناس بموت الأشياء وإزالتها من الذاكرة والاستعمال اليومي. وهو ذاته المعنى الذي شرحته الأم لابنتها عما يحدثه الاختفاء في النفس من خوف وذعر. وستكون الإجابة منسجمة، بل ومتمثِّلة للمشهد العام بعدم الاكتراث والإحساس بفقدان الأشياء؛ فالفقدان / الاختفاء «لا هو بالمؤلم ولا بالمحزن. تفتحين عينيك صباحاً في سريرك، فيكون ثمة شيء قد اختفى، من غير أن تلحظي اختفاءه». أمثولة الاختفاء وكتابة تاريخ موجز له، هي، باختصار، جوهر التمثيل السردي في الرواية. ألا يعيدنا هذا الاختصار لجدل التذكَّر ومقاومة النسيان؛ لا سيما أن سلطة مخصوصة ومسماة بـ«شرطة» هي التي تفرض الاختفاء؟ ربما؛ لكن الكلام هنا ليس عن ماضٍ مكتمل تختص وقائعه وحكاياته بأشخاص محددين ومعروفين في الرواية، إنما عن فعل الإخفاء القسري للأشياء حتى يصل إلى إخفاء / محو الجسد ذاته أو أجزاء رئيسية منه.

- متحف المفقودات
تشرح الأم / النحاتة لابنتها في قبو البيت ماذا يعني اختفاء شيء، أو ماذا يحدث بعد اختفاء شيء ما؟ لا شيء؛ سوى أن اضطراباً يحدث للناس فيتجمعون ليحكوا لبعض قصصاً وحكاياتٍ عما اختفى، ثم يعمدون لحرق «الأشياء» المختفية، أو دفنها، أو رميها في النهر، ثم ينسى الجميع تفاصيل ذلك الشيء المختفي بعد أيام قليلة. لكن الأم لا تكتفي بمشهد الفرجة لجمهور يفقد «قصصـ»ـه أشياءهم على مهل و«ينسا»ـها، بل تسعى لأن تترك خلفها صواناً «متحفاً» يتضمن نسخاً من الأشياء المختفية. نشدِّد، هنا، على موضوعة المتحف وسردياته لأهميتها القصوى في رواية تبني عالمها السردي على الموت / الإخفاء التدرجي لأشياء الواقع وقصصه؛ إذ سنعرف لاحقاً أن هذه الأشياء المخفية قد «أخفتها» الأم في منحوتات وخبأتها بعيداً عن البيت وقبوه. ولكن لماذا تحظى سردية المتحف بهذه الأهمية؟ هل لأنها المقابل السردي لدلالة القمع والمطاردة المعلنة عبر العنوان الرئيسي للرواية / «الشرطة» المكلَّفة بمطاردة «المتذكرين»؟ لنتذكر مرة أخرى أن «أوغاوا» تفتتح روايتها بمحتويات الصوان / المتحف، وتكاد تختمها بها؛ وكأن «القصة» كلها تكمن في سردية «الإخفاء / الاختفاء» وتاريخها، فيما تعمل الصياغات الأخرى بصفتها عوامل «ساندة» للتاريخ السردي المقترح للمتحف.
ربما لأجل هذا لا تشرح لنا الراوية لماذا علينا أن ننسى؛ أو ما الداعي لوجود «شرطة الذاكرة»؛ وهل يقتصر عملها على حدود الجزيرة، أم يشمل باقي الجزر اليابانية؛ وهل نحن في سياق سردية الديكتاتور أو الأخ الأكبر؟ نعرف عبر إشارات متفرقة لا يجري التركيز عليها كثيراً أن «الشرطة» تحافظ على صفتها «القهرية» الدَّالة على القمع والضبط البوليسي كما يحيل إليها العنوان؛ ثمة أناس يجري اعتقالهم وتعريض حياتهم للخطر. النحاتة، أم الراوية، تُعتقل ثم تموت بعدها، مشاهد رعب عامة تتضمن اعتقالات أشخاص لا يلتزمون بقوانين شرطة الذاكرة، ومثلها مصير الجد / عامل العبارة الذي سيعتقل ثمّ يموت في الشارع، ليس بعيداً عن مكان العبارة التي غرقت «اختفت». أحداث أخرى تستعملها الرواية تضعنا في السياق السردي لرواية الأخ الكبير / الديكتاتور وتشدِّد، من طرف خفي، على مركزية «الإخفاء» بصفته مدخلاً سردياً للمتحف وتحولاته؛ ذلك أن «أولى مهام شرطة الذاكرة، الحرص على إرساء الاختفاءات»، ومنع الناس، من ثمّ، من استعادتها، بل واستخدامها في تأليف «اختراع» قصة ما.

- غرفة «سرية» لإخفاء «المتذكر»
ولكن ما الذي يجمع «مخطوط» الرواية بالغرفة السرية، حيث أخفت الراوية أشياء أمها «المخفية» و«ر» ناشر رواياتها؟ بتصوري إنها سردية المتحف مرة أخرى. يفسر «ر» الأمر للراوية، كاتبة الرواية، عندما يعبر عن دهشته من قدرة «الكلمات»، وهو يثني على مخطوط الكاتبة، على صناعة شيء في «جزيرة» تزول «تختفي» أشياؤها. إنها قوة الحكاية وسحر السرد، أو كما سنقرأ لاحقاً تأكيداً يقترب من يقين النبوءة: «لا أحد سيمحو ذكرى الروايات». هذا اليقين الذي ستنتهي به الرواية لا يغير من هيكلية العالم السردي، ولا يحسم الصراع أبداً؛ إذ ستنهي الكاتبة حوارها مع ناشرها بتساؤل معبر عن حجم الخسارات الحاصلة فيما لو اختفت الكلمات «ما الذي سيحدث؟»؛ لا حكاية، حينئذٍ، ولا عالم متخيل يمكنه مواجهة سلطة الاختفاءات.
ثمة مساران أو خطان ينتظمان مشهدية المتحف: خط يمثله مخطوط الرواية. وخط يشغله مشهد الاختفاءات. عالم المخطوط المتخيل يقابله، إلى حين، عالم متخيل، أيضاً، لكنه عالم رواية شرطة الذاكرة. تجمل الكاتبة قصة روايتها الرابعة بأنها عن «طابعة» على الآلة الكاتبة تفقد صوتها وتستخدم الآلة الكاتبة لتعويض خسارتها. وهي تستعين بمعلمها في معهد الطباعة لاستعادة صوتها، لكنها لا تحصل من «صاحبها» سوى على «حبس» منفرد في «برج»، هو أشبه بالمتاهة، مع وجبات جنس شبه يومية. في البدء، تجهل الكاتبة مصير بطلتها، مثلما نجهل، نحن كذلك، مصير الكاتبة نفسها. لكننا نعرف، في المحصلة، أنهما ينتهيان إلى المصير ذاته: بطلة الرواية محبوسة في متاهة البرج، فيما تنتهي الكاتبة، أو ما تبقى من جسدها بعد أن وصلت ظاهرة الاختفاء لأعضاء الجسد الإنساني، وحيدة في الغرفة السرية بعد أن يغادرها ناشر روايتها، المتذكر الوحيد، بقاياها. ومثلما أن بطلة الرواية تفقد صوتها نجد الكاتبة تفقد قدرتها على الكتابة بعد أن تختفي الروايات. فهل كانت الكاتبة بصدد تأليف سيرة روائية عن نفسها؟ ليس هناك إجابة مفصلة وقاطعة، إنما هناك إشارات واضحة عن «روايات» ثلاث، سبق للكاتبة أن أصدرتها، والروايات الثلاث تتحدث عن شيء ما يختفي. ومثلها الرواية/ المخطوط سبق للكاتبة أن أنجزتها في غرفة أبيها. والروايات كلها لم تكن بحاجة لـ«وثائق وتدوينات»؛ فهي محاولات فاشلة لملء «الفراغ الذي خلفته شرطة الذاكرة». المخطوط، ومن ثمّ سيرة الكاتبة، تظهران أمامنا بصفتهما محاولة أخيرة لكتابة قصة «تقتصد» بأشيائها، فهي «يوميات» الأشياء المختفية، أو إن شئت قل، إنها «شهادة» الكاتبة على عالم يفقد ذاكرته، عفوا أشياءه.



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».