مذكرات والد أمل علم الدين كلوني... تجمع بين الشخصي والعام وتؤرخ لجانب من الحياة اللبنانية

«إحكي جالس» يصدر قريباً عن «دار نلسن» في بيروت

رمزي علم الدين مع ابنته أمل وصهره جورج كلوني
رمزي علم الدين مع ابنته أمل وصهره جورج كلوني
TT

مذكرات والد أمل علم الدين كلوني... تجمع بين الشخصي والعام وتؤرخ لجانب من الحياة اللبنانية

رمزي علم الدين مع ابنته أمل وصهره جورج كلوني
رمزي علم الدين مع ابنته أمل وصهره جورج كلوني

يثبت رمزي علم الدين، في كتابه «إحكي جالس»، أنه ليس من الضروري أن تكون أديباً مكرساً، وصاحب أسلوب خارق، كي تسطر كتاباً، يقرأ كالماء الزلال، دفعة واحدة، دول ملل، أو رغبة بالتوقف أو حتى استراحة.
اهتممت بالكتاب بداية، لأن مؤلفه هو والد المحامية أمل علم الدين، التي تحولت إلى واحدة من أشهر نساء العالم، بعد زواجها من نجم هوليوود جورج كلوني. لكن المفاجأة كانت، إضافة إلى ما بحثت عنه، هو ذاك الظرف والتلقائية، اللذين روى بهما الرجل، سيرة مليئة بالمغامرات، والتسفار، والعلاقات التي ربطته مع كبار الأدباء والشعراء مثل سعيد عقل، ونزار قباني، إضافة إلى سياسيين مثل سليم الحص، هذا عدا رفقته لأخواله خصوصاً الأديب سعيد تقي الدين، وملازمته له ما يقارب عشر سنوات وتأثره الشديد بشخصه، وحتى بأسلوبه. يقول المؤلف: «أحببت الكتابة ولكنني لم أجد الوقت الكافي لأكتب، وأعبر عما يختلج في نفسي». ويصف كتابه هذا بأنه «الأول وبالتأكيد الأخير».
- الزواج الأول والثاني
يتحدث عن زواجه الأول من أسما مصطفى فتح الله، التي أنجب منها ابنيه زياد وسامر. اكتشف بعد ذلك: «هي تحب القراءة والمتاحف، وأنا أحب الرياضة والنشاطات الاجتماعية. وكان فراقنا على تفاهم». ومن ثم ارتباطه الثاني و«الأخير» ببارعة. «تعرفت إلى بارعة مكناس عندما كانت تعمل محررة في (دار الصياد). جاءت إليّ لتكتب مقالاً موسعاً عن المشروع الذي شاركت فيه... جاءت بارعة مع جمالها لأول مرة، وبدأنا نتحدث... وبعد أن أتت عدة مرات لتكتب عن المشروع... اتفقنا أن ننغرم، وكانت بداية رحلة انتهت بالزواج السعيد». ورزق الزوجان بابنتين هما: أمل وتاله.
يحرص الكاتب على إبقاء الابتسامة على ثغر قارئه، يختار من حياته لقطاتها المرحة، حتى النكد يحوله إلى فكاهة. يعرج على قلة مهارة زوجته بارعة بقيادة السيارة. «كانت تتصل بي عن الطريق تطلب مساعدة لإخراجها من ورطة بسبب قيادتها... أذكر مرة أني ذهبت لأتفقدها وأرى ما المشكلة، فإذا بالسيارة عالقة على صخرة بعلو 5 أمتار...».
- ولادة أمل العسيرة
وعندما كانت زوجته حاملاً بابنتها أمل سمع للمرة الأولى بمرض «بلاسنتا بريفيا» أو «انزياح المشيمة»، وكانا يقيمان في دبي. بعد عدة أسابيع في المستشفى، فضل نقلها إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، رغم أن الأطباء حذروه من خطر على حياتها وحياة الجنين إذا حصل أي نزيف وهي على الطائرة.
«توكلنا على الله وهيأت خطة كاملة للنقل - ابيلا يرفع بارعة إلى الطائرة بواسطة سلم الأكل... طبيب وممرضين يسافرون معنا إلى بيروت. 6 كراس درجة أولى للوفد.
(الميدل إيست) أمنت كل شيء في دبي، وخلال الرحلة، وفي بيروت، عندما نصل يكون طبيبها بانتظارنا على باب الطائرة. بعد كل هذه التحضيرات على الطائرة وقبل الإقلاع، طلبت بارعة نقلها إلى الحمام!!! مع العلم أنها يجب ألا تتحرك. ماذا نفعل؟ ننقلها إلى الحمام!!! مشي الحال... والحمد الله».
وصلت الأم بخير إلى منزلها في بيروت. «كاد هذا المشهد يبكينا، إذ أنها كانت المرة الأولى منذ أسابيع تغادر بارعة المستشفى! وبعد عدة أيام اضطررنا لنقلها إلى المستشفى من جديد بسبب تعرضها لنزيف قوي... وجاءت حبيبتنا أمل إلى العالم بتاريخ 3 شباط 1978... بعد عذاب (ولكنها بتحرز كل عذاب!!)».
- جلسات الأدب
منزل رجل الأعمال وزوجته الصحافية بارعة، كان مزاراً للعديد من الشعراء والأدباء والفنانين «توثقت علاقتنا بفيروز سفيرتنا إلى النجوم وبالشاعرين نزار قباني وسعيد عقل والفنان عمر خورشيد وماجدة الرومي ووديع الصافي وهاني مهنا. وزاد جو منزلنا فرحاً عندما كانت تغني لنا ماجدة (وكان عمرها لا يتجاوز العشرين) أو يعزف عمر خورشيد الألحان على غيتاره. وزاد تألقاً عندما نستمع إلى نزار قباني وسعيد عقل يلقيان أجمل الأبيات وأحلى القصائد». كان «نزار يردد أمام الأصدقاء والزوار في منزلنا أن من لديه حسابات أو هموم تقلقه فليذهب إلى الشرفة، أما هنا فموضوعنا هو الشعر». يعرج الكتاب على مصاب نزار بعد مقتل زوجته بلقيس في انفجار السفارة العراقية في بيروت في زمن الحرب، ثم علاقة آل علم الدين التي توثقت به وبابنته هدباء، بعد انتقال العائلتين إلى لندن. ويصف الشاعر سعيد عقل بأنه كان «شخصية مؤثرة وحالماً كبيراً».
- يوم غنت فيروز في السفارة
يتذكر أن دعوة عشاء جمعته بفيروز لدى السفير الكويتي في لبنان عبد الحميد البعيجان. «قبل العشاء بقليل قامت فيروز إلى الهاتف وطلبت رقم أحدهم، ثم قالت لسعادة السفير: بعد إذنك قمت بدعوة الفنان فيلمون وهبة. وكان لحضور فيلمون وهبة وخفة دمه وعزفه المميز على العود حضور الفلفل في الطعام. غنت فيروز في تلك السهرة كما لم تغنِ من قبل، غنت وأجادت عن (ورقو الأصفر شهر أيلول) و(سألوني الناس)». ويصف تلك السهرة بأنها «من أجمل أيام العمر».
عندما ولدت ابنته تاله «تحيروا ما يسمونها: اقترح علينا الشاعر سعيد عقل اسم رندلى. أما عاصي الرحباني فاقترح أن يسميها (صيف أو شتي)، والشاعر الصديق نزار قباني قال بل (ندى). ولكن الروائية العراقية الصديقة ديزي الأمير اقترحت اسم (تاله)، وهكذا كان».
- شهادات الأصدقاء
يخصص الكاتب صفحات لأعمامه وأخواله، وجورج كلوني وعرس أمل وعيد ميلاده الثمانين الذي أقامته له أمل في بيتها في إيطاليا وجمعت له كل العائلة، وصفحات أخرى للسفر والمغامرات التي خاضها، إضافة إلى شهادات من أصدقائه، بينهم نضال الأشقر والزميل سمير عطا الله ومروان اسكندر ومن ابنته تاله وزوجته. ومن طرائف الكتاب، نشر علم الدين، لنعوته كما تصورها وسطرها بيده، كذلك العديد من الصور العائلية. صفحات لأولاده، سامر وزياد، تاله التي دخلت عالم تصميم الأزياء، ثم أمل التي يصفها بأنها «منذ دخولها أول مدرسة ابتدائية في بريطانيا أثبتت جدارتها وتفوقها». وهو فخور بأنها أصبحت واحدة من بين 12 امرأة منحتهن مجلة «تايم» لقب «امرأة العام». وهو بذلك يشبه خاله الأديب سعيد تقي الدين الذي كان يردد على مسامع ابنته: «لا أريد أن يقولوا انك بنت سعيد تقي الدين، بل أن يقولوا هذا والد ديانا تقي الدين».
- جن جنونه من جورج كلوني
لم يكن رمزي علم الدين قد سمع باسم جورج كلوني، قبل أن يرى صورة ابنته برفقته منشورة في الصحف. يكتب: «صعقني النبأ. صورة يظهر فيها كلوني مع ابنتي أمل، في سيارة تاكسي بعد تناولهما العشاء في أحد المطاعم. جن جنوني، وقلت أمام تاله إنني لا أحتمل ذلك... ابنتي ترافق ممثلاً مشهوراً هذا لا يجوز. وأعلمت أمل برأيي هذا».
بعد مده قصيرة اتصلت به أمل تعلمه أن جورج يود التعرف إليه ويدعوه لزيارته في إيطاليا ليلعبا الغولف سوياً. «أجبتها إنني ابن جبل، فإن أراد التعرف بي، فعليه أن يأتي إلي... وبما أن لبنان كان غير آمن بالنسبة له، اتفقنا أن نلتقي في مكان محايد عند أهل زوجتي (آل مكناس) في دبي، وهكذا كان. وبعد قضاء ثلاثة أيام معاً، وجده. كامل الأوصاف، وسيم، ذكي، متواضع، كريم، محب، مخلص ومهضوم».
- امتصاص النقمة بعد عرس أمل وكلوني
أما حفلة العرس الشهيرة في البندقية، فتسببت بمشكلات عديدة، لأن العروسين قررا دعوة 100 شخص فقط، من أقرب المقربين. عتبت ابنة عم الكاتب المقيمة في أميركا. «طلبت مني أن أدعوها فاعتذرت. طلبت مني أن أرسل لها دعوة، وهي لن تأتي، لتريها لأصحابها، فقلت لها: ولكن ماذا لو خالفت الوعد؟ قالت: أعدك بأنني لن آتي».
لإرضاء العاتبين «اضطررنا أن نقيم عشاء في إنجلترا بعد العرس لأكثر من 250 شخصاً... حيث امتصصنا بعض النقمة على عدم دعوتهم إلى العرس في إيطاليا».
سافر رمزي علم الدين كثيراً، وله أجنحة يمكن أن توصله حيث يريد، لكنه اختار العيش بين بيروت وبيته في الشوف: «كنت وما زلت أحب بعقلين وأهلها حباً جماً وأستمتع بسماع طقطقة القاف الدرزية!! كما وأستمتع بجمال طبيعتها وأشجارها الباسقة وهوائها الندي النقي».
- حب الرياضة
يفتتح الكتاب بالكلام على والده الشيخ خليل الذي كان مدير مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت لمدة 33 عاماً وقبلها كان رئيساً لبلدية بعقلين وأستاذاً للرياضيات، والدته آدال تقي الدين الشقيقة الكبرى لستة رجال هم خليل وبهيج ومنير وبديع ونديم، وكانوا يلقبونها بالوزيرة... وجميعهم معروفون وتبوأوا مناصب كبيرة. عاشق للرياضة على أنواعها. «بقيت أثابر على الرياضة، وأخلق الوقت لألعب كرة المضرب التي أحببتها. بعد فترة اتجهت إلى لعب الغولف. ولكني لاحظت أنه كلما كبر الإنسان بالعمر صغرت الطابة. هكذا من كرة السلة إلى كرة القدم إلى كرة المضرب إلى كرة الغولف». قرر منذ تخرجه، ألا يسعى إلى وظيفة أبداً.
بدأ حياته بتأسيس مكتب سفريات في بيروت، وهو لا يعرف شيئاً عن المهنة. ومع ذلك اجتهد وتمكن من أن يأتي بالسياح بطائرات تشارتر من فنلندا. انتخب رئيساً لنقابة السفر والسياحة في لبنان، ونائباً لرئيس اتحاد المنظمات السياحية العربية. وانتخب عضواً للجنة التنفيذية في الاتحاد العالمي للسفر والسياحة (أوفتا)، ثم نائباً للرئيس، ثم أمين المال لهذه المؤسسة العالمية. كما عمل أستاذاً محاضراً في مادة السياحة، في عدة جامعات لبنانية.
هذه المذكرات التي تصدر بعد أيام، عن «دار نلسن» في بيروت، هي لرجل له من الذكاء والعفوية والخبرة، ما يجعلها متعة للقراءة، فهي تجمع بين الشخصي والعام، وتؤرخ لجانب من الحياة اللبنانية، من خلال شخصيات أدبية وسياسية وفكرية، عرفها الكاتب، بطريقة فكهة وخفيفة الظل.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».