حياة الرايس: أتبنى قضية المرأة في أعمالي ولا يزعجني وصفي بـ«الكاتبة النسوية»

الروائية التونسية ترى أن الكاتب حر في مغامرة الكتابة وتجاوز السائد النقدي

حياة الرايس
حياة الرايس
TT

حياة الرايس: أتبنى قضية المرأة في أعمالي ولا يزعجني وصفي بـ«الكاتبة النسوية»

حياة الرايس
حياة الرايس

تجمع الكاتبة التونسية حياة الرايس، ما بين كتابة الشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والمسرحية، كما تكتب المقالة، والسيرة الذاتية، وأدب الرحلات، والبحث الفلسفي. وهي تقيم حالياً في باريس. هنا حوار معها عن هذا التنوع وهموم الكتابة، وروايتها الجديدة «بغداد وقد انتصف الليل فيها».
> في روايتك الجديدة «بغداد وقد انتصف الليل فيها» تعودين إلى نبع الذكريات حيث إقامتك في العاصمة العراقية سابقاً... هل هو الفقد أم الحنين أم ماذا؟
- لعلّه خواء الراهن. نعم، أفتقد بغداد التي عرفتها وعشتها، بغداد أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. فترة من أجمل الفترات، يتحسر عليها العراقيون إلى الآن، وكذلك من عرف بغداد وعاش بها تلك السنوات. عدت إلى فترة انمحت من الوجود ولن تعود أبداً، ولم تبقَ إلا في ذاكرة الكتب التي تروي ذلك التاريخ الذي كان. كل أجيال التسعينات وما بعدها لن يعرفوا ما كانت عليه مدنهم إلا من الكتابات التي وثّقت ماضيهم. أردت تهريب بغداد من اللصوص والغزاة... لتبقى في ذاكرتنا وفي وجداننا، في كتبنا وأحرفنا وأعيننا، أيقونة المدن لن تسقط أبداً.

> لكن كثيرين اختلط عليهم الأمر، فلم يتعاملوا مع العمل باعتباره «رواية»، وإنما «سيرة ذاتية». هل كان مقصوداً هذا الالتباس بين الواقع والخيال؟
- الالتباس قديم بين السيرة والرواية وبين السيرة الروائية والرواية السيرية، حتى النقاد والمنظرون لجنس السيرة أو الرواية لم يتفقوا على رأي قاطع في وضع الحدود الفاصلة بين تلك الأجناس. الكاتب يجب أن يكون مطلعاً على أهم النظريات النقدية في الجنس الذي يكتبه، لكنه ليس ملزماً أن يتقيّد به، فهو كائن حرّ ومبدع، يستطيع أن يتجاوز السائد النقدي إلى حقول جديدة في مغامرة الكتابة.
من ناحيتي، أردت أن أكتب رواية، فكتبت رواية مستوفية لكل شروط الرواية باعتراف النقاد. وأردت أن أضمّنها سيرتي، ففعلت، أما تصنيفها فهو شغل النقاد، وليس شغلي حتى يستقروا على رأي. أحترم رأي النقاد، لكني لا أكتب إلا ما يمليه عليّ اختياري الحرّ الواعي والمسؤول. سعيدة بالنجاح الكبير للرواية وصدورها في 4 طبعات ما بين تونس والقاهرة وبغداد، كما ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية.
> ما سر الخصوصية التي يحملها العراق ورموزه البابلية والسومرية في أعمالك؟
- لا يمكن أن يدخل الإنسان الكاتب إلى أرض العراق ويخرج خاوياً، فما بالك بمن عاش بها ونهل من تراثها.
عندما اخترت أن أذهب للدراسة، كانت عندي نيّة مبيّتة، أن ينطلق مشروعي الأدبي من أرض شهرزاد رمز سلطة الكلمة، لمواصلة الحكاية. بلد عشتار الإلهة الأنثى، وبلد جلجامش، في رحلة البحث عن عشبة الخلود. أردت أن ينطلق مشروعي الأدبي من بيت الحكمة ومن مطابع شارع المتنبي... هكذا كتبت مسرحية بعنوان «سيّدة الأسرار عشتار» مستمدة من ميثولوجيا الشرق القديم حيث كانت الأنثى هي السلطة.

> ظللتِ طيلة عقد الثمانينات تنشرين أعمالك متفرقة دون أن يجمعها كتاب واحد، هل هي رهبة الإصدار الأول؟ وماذا عن بداياتك الأولى؟
- لم أكن أستعجل النشر أبداً. كنت أكتب القصة القصيرة منذ الثمانينات وأنشر في المجلات والجرائد دون أن أفكر في جمعها في كتاب طيلة عشرية كاملة. بداية التسعينات عندما أحسست بنضج إبداعي معين، أصدرت مجموعتي القصصية الأولى: «ليت هنداً». عندما تأكدت من الإضافة والتميز والاختلاف، لأن العمل الأول هو الذي سيحدد هويتك الأدبية، إذ لا معنى أن يرمي الواحد منا كتاباً في السوق دون أن يلفت انتباه أحد.
> تشكل قضية المرأة والظلم الواقع عليها هاجساً ملحاً في تجربتك، رغم أنك تنتمين لبلد نالت نساؤه كثيراً من حقوقهن، أو على الأقل هذا ما تعتقده معظم المثقفات العربيات؟
- أنا امرأة لي انتماء عربي، وكتاباتي لها بعد عربي. صحيح أننا في تونس لنا مدونة قانونية رائدة في مجال الحريات والمساواة، لكن تغيير الذهنية الذكورية أصعب من تغيير القوانين، وكلنا في النهاية ننتمي إلى مجتمعات ذكورية أبوية، وإلى ثقافة عربية طالما تنكرت للمرأة واعتبرتها مخلوقاً من الدرجة الثانية، ولم تنصفها وجعلت هناك قوانين خاصة بالمرأة وأخرى خاصة بالرجل في تمييز فاضح. والمرأة في تونس متقدمة جداً في مجال الوعي بذاتها وبحقوقها وكرامتها. لكن الرجل بقي ينظر إليها تلك النظرة الدونية القديمة. إذ يعاني هو نفسه من رواسب التربية التقليدية التي تكبله ولا تحرر وعيه للالتحاق بها، لكي يتحقق التوازن والانسجام الاجتماعي.
من هذا المنظور، أتبنى قضية المرأة في كل أعمالي باعتبارها قضية مجتمع ولا يزعجني أن أوصف بالكاتبة النسوية، بل أفتخر أن لي قضية أدافع عنها تتعلق بالمستضعفين في الأرض. والكاتب الذي ليست له قضية يدافع عنها ليس بكاتب بل مجرد شخص يلهو بلعبة الكلمات.
> صدر لك في منتصف التسعينات كتاب «جسد المرأة من سلطة الإنس إلى سلطة الجن»... برأيك، ألم يتحسن الوضع بالنسبة للمرأة العربية بعد مرور ربع قرن؟
- الكتاب يرصد حالات مرضية لنساء يعانين وفق المصطلح الطبي حالات الصرع أو الهستيريا، نتيجة الكبت والقمع الاجتماعي الذي تعيشه المرأة. وقمت بمقاربة سيكولوجية - أنثروبولوجية لهذه الحالات. صدر في القاهرة، وأثار ضجة كبيرة حينها، ومُنع من الأسواق بسبب إدانة «جماعة الإخوان له في مصر» لتناوله مواضيع محرّمة عندهم ومسكوتاً عنها. لقد عدت وطرحت المسألة مرة أخرى في كتاباتي التالية، بخاصة في كتابي الأخير «الجسد المسكون والخطاب المضاد».
> تقيمين في باريس حيث تطل شرفة منزلك على نهر «لاماين»... قد يعتبر البعض الأمر نوعاً من الرفاهية، ويتساءل مستنكراً؛ كيف تشعرين بمعاناة المرأة العربية إذن؟
- ليتني أستطيع أن أدير ظهري إلى كلّ ذلك. أنا لا أستطيع حتى أن أنعم بكل مظاهر الرفاه،: أينما وليت وجهي أرى بلدي في مفارقات ومقارنات لا تنتهي. أرى الفرق واضحاً وفاضحاً وجارحاً، كل يوم بيننا وبينهم. وهذا يعمق جرحاً حضارياً كبيراً وتاريخياً، ما ينفك يتسع ويغور عميقاً في النفس وفي العقل، لماذا تقدموا؟ ولماذا تأخرنا؟ أراه في كل جزئيات الحياة وفي كل خطوة أخطوها.
قد لا أنعم بما تفضلتِ به، بل أتألم كثيراً للفارق المهول. نعم، أعيش بين تونس وباريس. وأحمد الله على ما تسمينه رفاهية. المسألة مرتبطة بالإحساس وليست بالرفاهية. أنا امرأة أحمل قضايا عصري ومجتمعي، ولا أعرف كيف أكون حيادية في باريس أمام ما يحصل في تونس مثلاً من أزمات سقطت فيها البلاد بعد ما يسمونه الربيع العربي. هذه مسائل تتعلق بالانتماء والمواطنة والوفاء لبلدك ومدى وطنيتك ومسؤوليتك الأدبية تجاهها. ولكتابة مسؤولية تغيير وإصلاح المجتمعات بما نستطيع إليه سبيلاً، نحن نحفر في الوعي المجتمعي لنرتقي به وننير العقول بنور المعرفة. وتطوير العقليات هو أصعب من بناء العمارات، فالجهل أكبر فجوة يتسلل منها العدو.
> تقولين إن هناك «غيرة» دائمة بين المرأة والأديبة بداخلك، ما الذي تعنيه تحديداً؟
- بل هناك منافسة على اللحظة، المرأة بداخلي تريد أن تعيش اللحظة بكل عمقها الوجودي. والكاتبة تريد أن تحوّلها إلى لحظة تاريخية فارقة في نص أدبي. أحياناً تَفْسد اللحظة ببعديها الحياتي والأدبي معاً وأحياناً ينسجمان معاً، الكاتبة تفسد عليّ حياتي أحياناً. يكفي أن أبقى محبوسة شهوراً وأعواماً لإنجاز عمل أدبي «رواية بغداد» حبست نفسي 3 سنوات لكي أكتبها، ومسرحية «عشتار» 7 سنوات لأني أعود إليها فقط في العطل عندما كنت أشتغل بتدريس الفلسفة. الكتابة حرمان متواصل وتنازل عن عدة أمور في الحياة، لأنها تتطلب الوحدة والانعزال والتفرغ لها كشريك مستبد لا يريد أن يزاحمه أحد. لكنها تبسط لك يد المجد بعد انتهاء كل عمل. ونجاحاتها تنسيك كل حرمان وتمسح عن جبينك كل تعب وتتوجك ملكاً.
> تكتبين القصة القصيرة والمسرح والشعر والرواية... هذا التنوع هل أفاد أم أضرّ بمشروعك الإبداعي؟
- لا أبداً لم يضرَ بمشروعي الأدبي، بل أثراه وعمّق بعده الأدبي الجمالي، النص هو المستفيد من كل هذه الأشكال الأدبية. خذي مثلاً روايتي الأخيرة التي كتبتها بعد أن كتبت القصة والشعر والمسرح وأدب السيرة وأدب الرحلات والأطفال، والبحث الفلسفي والمقال الأدبي، فجاءت تتويجاً لكل هذه الأشكال المتنوعة المتعددة، وربما كان ذلك سرّ نجاحها.
> أخيراً، كيف تقيّمين تفاعل النقاد مع تجربتك؟
- أنا لا أصدر أي عمل إلا بعد أن يعطيني ناقدي الخاص التأشيرة، ناقد قاسٍ لا يجامل، يعيش معي النص ورحلة الكتابة حرفاً بحرف وفكرة فكرة. هذا الناقد هو أنا أيضاً، فالكاتب الجادّ هو ناقد نفسه الأول.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.