«صحافة الحلول»... محاولات عربية «خجولة» تواجه تحديات

«صحافة الحلول»... محاولات عربية «خجولة» تواجه تحديات
TT

«صحافة الحلول»... محاولات عربية «خجولة» تواجه تحديات

«صحافة الحلول»... محاولات عربية «خجولة» تواجه تحديات

أثار انتشار الدراسات الإعلامية التي تتوقع ازدهاراً لمفهوم «صحافة الحلول» تبايناً وتساؤلات بين خبراء الإعلام، حول تبني مفهوم «صحافة الحلول» في صناعة القصص الصحافية، وهذا في ظل تقارير تشير إلى «ابتعاد الجمهور عن الأخبار السلبية». وبينما تنتشر «صحافة الحلول» على مستوى العالم، فإنها حسب بعض الخبراء «ما زالت تخطو خطواتها الأولى عربياً»، وأن مثل هذه المحاولات لا تزال «خجولة».
وفق تقرير «معهد رويترز» عن الإعلام لعام 2022 فإن برنامجاً تلفزيونياً يحمل عنوان «حُلت أو ضاقت» Solved or Squeezed يُقدم بالشراكة بين معهد الصحافة البناءة في الدنمارك ومحطة تلفزيونية محلية، تقوم فكرته على وضع أحد السياسيين في غرفة مغلقة وعرض مشاكل عليه ليتولى حلها خلال عشرين دقيقة وإلا ضاقت الغرفة عليه. ويقول التقرير إن «هناك تساؤلات بين صناع الإعلام حول الطريقة التلقائية لتقديم الأخبار، إذ يبحث كثيرون منهم الآن عن طرق بديلة لتحقيق مزيد من التفاعل». ويشير إلى أن «الدراسات تقول إن صحافة الحلول تجتذب الشباب. وأن الناس تشعر بأنها أكثر معرفة وقدرة بعد قراءة أو مشاهدة قصص صحافة الحلول».
الدكتورة أروى الكعلي، أستاذة الإعلام في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس، علقت في لقاء مع «الشرق الأوسط» على تقرير «معهد رويترز»، الذي يتوقع انتشاراً لـ«صحافة الحلول» في المستقبل، فقالت «مثلما أعطت جائحة (كوفيد - 19) دفعة للصحافة العلمية وصحافة البيانات والتدقيق في المعلومات، فإن عالم ما بعد (كوفيد - 19) (إن كانت الجائحة قد انتهت طبعا)ً يحتاج إلى الحلول، وإن ظل الأمر نسبياً، واختلف من بلد لآخر».
وتلفت الكعلي الانتباه إلى أن «ثمة العديد من التقارير التي نشرها معهد (رويترز) من قبل، ذكرت أن الناس يحبون قراءة القصص الصحافية التي تقدم حلولاً. بل إن تقارير أخرى توصلت إلى أنه كلما كانت القصة متكاملة، وفيها أدلة وحدود، اهتم الجمهور بالقصة أكثر». وتوضح الأكاديمية التونسية أن «الانطباع العام الذي يحدثه لدينا الانحياز السلبي في الأخبار من قبيل أننا لا نستطيع فعل شيء حيال الأمر، هو أحد الأسباب التي تدفع الناس إلى تجنب متابعة الأخبار. لذا فإن إقدام الصحافة على تقديم حلول قد يفتح المجال أمام تفاعل الجمهور مع القصص الصحافية بشكل مختلف».
في المقابل، لا يعتقد يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، وهو رئيس ومؤسس مركز الإعلام ومبادرات السلام في نيويورك ومؤسس موقع «ذا سوليوشن نيوز» The Solutions News أن صحافة الحلول) ستكون هي مستقبل الصحافة، إلا أنه قال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنها «ستكون أكثر وضوحا كجزء من الدور المحوري للإعلام في الدول الديمقراطية وفي وضع السياسة العامة».
وفي هذا السياق، يعرف إكو «صحافة الحلول» بأنها «نوع من التقارير الإعلامية يتضمن استجابة قوية لمشاكل المجتمع. وهي صحافة كاملة لا تكتفي بتسليط الضوء على المشاكل، بل تتتبع الأصل من أجل إيجاد حلول، وهذا الشكل من الصحافة ينشط المواطن ويحفز أدوات المحاسبة لإحداث تغيير ذي معنى».
وتضع الشبكة الدولية لصحافة الحلول 4 ركائز أساسية لهذا النوع من الصحافة، وهي التركيز على عرض حلول أو استجابات لمشاكل المجتمع أولاً، وبيان كيف تعمل هذه الحلول، ولماذا لا يتم تفعيلها، وثانياً توضيح ما الذي يمكن تعلمه من هذه الاستجابات، ولماذا هي مهمة لجمهور غرف الأخبار، وثالثاً جمع الأدلة والنتائج الشاملة التي تثبت فاعلية هذه الحلول، وأخيراً رسم الحدود ووضع الحلول في سياقها، وبيان مدى إمكانية تنفيذها ماديا، ومدى ملاءمتها للبيئة.
هنا توضح الكعلي أنه «حتى نصنف قصة على أنها في (صحافة حلول) يجب أن يكون الحل هو أساس السرد من جهة، وأن يتم احترام منهجية محددة، وأن تتضمن القصة الأدلة والبراهين على نجاعة الحل، والحدود، وإمكانات إعادة تطبيق التجربة، وإلا ستتحول إلى ريبورتاج دعائي أو قصة انطباعية». وتشير إلى أن «الصحافي ليس هو من يقدم الحل، أو يتوصل إليه؛ بل ينقل نجاح تجربة ما، ومدى إمكانات إعادة تطبيقها، حتى وإن كانت الحدود ستجعل القصة أقل جاذبية، ولكنها ستكون عملية». وتؤكد أن «(صحافة الحلول) غير مكلفة، ولا تتطلب مهارات إضافية، مثل (صحافة البيانات) ولكنها تتطلب تدريباً، وتوجيها، وأيضا مرونة لتطبيقها في غرف التحرير، أو إقناع رؤساء التحرير بطرح جديد للقصة».
في هذا الإطار تقول الشبكة الدولية لصحافة الحلول إنه «جرى إنتاج 13 ألف قصة صحافية من صحافة الحلول بواسطة 6 آلاف صحافي يمثلون 1600 وسيلة إعلامية من 187 دولة». وتشير في دراسة نشرتها منتصف العام الماضي إلى أن «79 في المائة من المبحوثين يؤكدون أهمية تقديم معالجات صحافية تتضمن حلولا للمشاكل، وأن القصص الصحافية التي تتضمن حلولا تجتذب عددا أكبر من الجمهور وتخلف انطباعات إيجابية، وأن 83 في المائة يثقون في قصص صحافة الحلول، مقابل 55 في المائة يثقون في القصص التي تقدم مشاكل المجتمع».
فتحي أبو حطب، الخبير الإعلامي المصري، يوضح أن «الهدف من صحافة الحلول هو الضغط لإيجاد حلول للمشاكل بطرح أفكار جديدة، وهو أمر مختلف عن الترويج للمشاريع الذي تتبعه بعض الصحف». ويوضح أبو حطب لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك بعض الدراسات التي تشير إلى أن أحد أسباب نفور الناس من متابعة الصحف هو طرحها للمشاكل طوال الوقت. ومن هنا جاءت فكرة صحافة الحلول كوسيلة إيجابية لطرح المشاكل مع الحلول... وبالتالي، صحافة الحلول هي وسيلة للنقد والاعتراض لكن بطرح حلول واضحة».
على صعيد ثانٍ، أفادت دراسة نشرها «مركز المشاركة الإعلامية» بجامعة تكساس بأن «صحافة الحلول تستطيع مواجهة مشاكل كثيرة تعاني منها غرف الأخبار، لا سيما تلك المتعلقة بانطباعات الجمهور عن مدى سلبية الأخبار، وتراجع نسب قراءة ومتابعة الأخبار». وأفادت الدراسة بأن «كثرة من المؤسسات الإعلامية تعمل حالياً على تحقيق موازنة الأخبار السلبية، عبر تقديم تقارير إيجابية عن قصص نجاح، وأبطال يصنعون فرقاً في مجتمعهم».
عربياً، لفتت الكعلي، إلى «وجود بعض التجارب المتخصصة بصحافة الحلول في المنطقة العربية، مثل «إيجاب»، إضافة إلى تجارب أو محاولات تقدم قصص نجاح، أو جوانب إيجابية للأخبار، مثل بعض البرامج الإذاعية في تونس التي تدرج فقرات تقدم فيها نظرة إيجابية للأمور، أو حلولا لبعض المشاكل». وتضيف أن «بعض هذه التجارب قد لا تندرج بالضرورة ضمن صحافة الحلول، لكنها قد تكون محاولات أولى».
وحسب أروى الكعلي «في العالم العربي انطباع بأننا نحتاج إلى الصحافة التقليدية القائمة على نقل المشاكل وتسليط الضوء عليها، وذلك لكثرة التحديات والمشاكل التي نواجهها... وهنا قد تبدو صحافة الحلول، أو المقاربة الإيجابية في الأخبار، أمراً ثانوياً». ومن ثم تشدد على أن «صحافة الحلول يجب أن تقوم على جمع المعلومات، وإبراز نجاعة الحل، وتقديم الأدلة على ذلك... والأهم حدود هذا الحل وكيفية إعادة تطبيقه». أما أبو حطب فقال عن تجربة صحيفة «المصري اليوم» الخاصة في مصر مع هذا النوع من الصحافة إن «الصحيفة كانت تتعاون مع مؤتمر صحافة الحلول لنشر صفحات سنوية مع صحف أخرى في العالم، لكن الأمر لم يتخط ذلك، ولم يتحول إلى أسلوب صحافي مستقر في الصحيفة»، مشيراً إلى أن «الصحف العربية تتعامل مع صحافة الحلول كأسلوب للنشر ليس إلا».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.