البُعد الفانتازي في رواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي

تقوم على هيكل معماري متماسك رصين تعززه حبكة متينة

غلاف «شاهندة»
غلاف «شاهندة»
TT

البُعد الفانتازي في رواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي

غلاف «شاهندة»
غلاف «شاهندة»

تلعب فكرة الانتقام دورًا مهمًا في البناء المعماري لرواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي، وقد تذكِّرنا بمحاولة انتقام هاملت من قاتل أبيه، لكن الأمر يتطلب وقتًا طويلاً من الانتظار الذي قد يُحيلنا هو الآخر إلى انتظار غودو أيضا مع فارق التشبيه، فحينما وقعت شاهندة في غرام محمود لم تكن تحبه أصلاً لأنه ابن سالم النخّاس الذي باعهم عبيدا، وسلبهم حريتهم الشخصية، وهي أثمن شيء في الوجود. فهي تُحبه وتكرهه في آنٍ معًا. وحينما اعترضها على مقربة من البيت المهجور، غرزت أنيابها في صدره، لكنها في الوقت ذاته كانت تريد أن تُوقعه في حبها، والأغرب من ذلك أن تجعله عبدا مملوكًا، لها في محاولة لردّ الاعتبار لكرامتها المسلوبة، وأن تكون سيدة عقله وقلبه في الوقت ذاته.
لقد بنى النعيمي روايته على هذه المفارقة والموقف الإشكالي الذي لا يخلو من تناقض ملحوظ، الأمر الذي يضعنا أمام شخصية مركّبة في أقل تقدير؛ فلقد استطاعت هذه الفتاة الوافدة الحسناء، أن تقلب قرية الحيرة رأسًا على عقب بدلعها ودلالها ومشيتها الفاتنة التي قضّت مضاجع الرجال حتى إن أحدهم، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال، قد طلب يدها للزواج، لكنها رفضته لأنها تحب محمودًا، ابن سالم، وتريد أن تقترن به ويكون من نصيبها على الرغم من فظاظة والده الذي لا يجد حرجًا في المتاجرة بالبشر.
تتعمّق العلاقة العاطفية بين شاهندة ومحمود إلى الدرجة التي تمنحه معها أعزّ ما تملك، وحينما تعرض عليه فكرة الزواج يتذرع بأنه لا يستطيع التمرّد على الأسرة والتقاليد الاجتماعية، فكان ردّها على محمود بأنه «جبان ونذل وحقير»، ثم يوغل في الإساءة إليها حينما يتهمها بممارسة البغاء «كفاكِ، كفاكِ.. لم تكوني لي وحدي قط». (الرواية، ص146). عند ذلك تهدده وتتوعده بأنه سوف يدفع ثمنًا باهظًا لخيانته. تُرى، ما الطريقة التي ستنتقم بها شاهندة من محمود؟ قد يعتقد القارئ أنها قد تقتله لتشفي غليلها وتنتقم لشرفها المُضاع بسببه، وقد تفكر بقتله معنويًا كي تُطفئ النار المتأججة في أعماقها؟ هكذا يتشظى البناء المعماري للنص، وتتوسع أحداثه؛ حيث تغرق السفينة ويموت النوخذة شهداد، لكن ميتته هي بالتأكيد ميتة بطل عظيم.
لم ينتبه حسين إلى جمال شاهندة من قبل، ولم يصخ السمع إلى الأقاويل التي شاعت عن «بغائها» كما يدّعي الوشاة الطامعون بها. وها هو الآن ينظر إليها امرأة ناضجة، بل يطلب منها أن تجلس إلى جواره طالما أن كل شيء مُباح للرجل في هذه المضارب الصحراوية، لكنها ترفض بشدة، الأمر الذي يدفع إلى الانتقام منها، فيبيعها إلى التاجر جابر بن سلطان حتى من دون أن تودّع أمها، فلا غرابة أن تتسع الرغبة عندها للانتقام من كل الرجال على حدٍ سواء.

نموّ الشخصيات

لا شك في أن شاهندة شخصية ذكية، قوية الملاحظة، سريعة التعلّم، أحبّت محمودًا، لكنه خانها وطعنها في الصميم، فقررت الانتقام منه، ومن كل الرجال الذين يمكن أن تطالهم، فحينما طلب جابر أن يقضي وطره منها، قالت له: «هاك جثتي بين يديك.. افعل بها ما تشاء» (الرواية، ص194)، الأمر الذي يدفعه للزواج منها على سُنّة الله ورسوله، وتُنجب له فتاة سوف تسمّيها حليمة، لكنها سوف تخونه مع خادمه عبد الله الدلال الذي لا يتورع عن إيصالها إلى مخادع التجار الأثرياء والموسرين في القرية. حينما عاد زوجها من إحدى رحلاته، جلب معه امرأة شقراء، فعرفت بحس الأنثى وغريزتها التي لا تُخطئ بأن جابرًا قد واقعها في ظلام الصحراء، فقررت في نفسها أن تخونه مع علي، الشاب الأسمر الذي أبدى إعجابه بها غير مرة، وحينما استدرجته إلى كهف مجاور للقرية انقضّ عليها مثل حيوان مفترس، فصرخت بأعلى صوتها وادعت أمام مجموعة من الرجال أنه حاول الاعتداء عليها، فانتقمت من رجلين في آنٍ معًا!
لم يكن عبد الله يحب سيده جابر، ولكنه يخشاه، كما أنه لم يكن يحب شاهندة، بل كان يشتهي جمالها الأخاذ، فلا غرابة أن يأخذها إلى أثرياء القرية ويتاجر بجسدها الغضّ، فلا فرق بين تجارة العبيد وتجارة البغاء! وحينما اكتشفت شاهندة طريق البغاء لوحدها، هدّدها الخادم عبد الله بالانتقام، وعاشت أيامًا غير قليلة بانتظار أن يصبّ هذا الأخير جام غضبه عليها، لكن جابرًا قد سبقه إلى الانتقام من الزوجة الخائنة والخادم غير الأمين، وشعر بأنه قد أخطأ حينما ترك الذئب والحَمَل في قفص واحد!
لم يكن انتقام جابر سهلاً، فلقد أمر رجاله أن يتركوا عبد الله كي يموت من العطش وتنهشه الصقور حتى الموت. أما شاهندة، فلقد تركها عند رجل وحيد في السبعين من عمره ماتت زوجته، وهرب أولاده بحثًا عن الحياة، وظل هو وحيدًا في هذه الواحة مكتفيًا بما لديه من ماء وطعام. لكن هذا الرجل الطاعن في السن فارق الحياة، فانقطعت القوافل. وحينما قررت أن تهيم على وجهها، سقطت في غيبوبة، ثم وجدت عند رأسها عددًا من الرجال الذين يصيدون الحُبارى، حيث سقوها بضعة قطرات من الماء واصطحبوها معهم إلى المدينة.

النهاية الفانتازية

على الرغم من أن الحياة تنطوي على مفاجآت كثيرة، فإن نهاية شاهندة لم تكن لتستقيم لولا استعانة الروائي راشد عبد الله بالبُعد الفانتازي الذي يُذكِّرنا بالأساطير والقصص الخرافية. فشاهندة التي سُلبت منها حريتها الشخصية وأصبحت أَمَةً تُباع وتُشترى للأثرياء والموسرين، تجد نفسها فجأة في صحبة قائد الحرس الملكي وتحت رعاية زوجته التي أحبتها وعاملتها كشقيقة لها، كما وجدت فيها ضالتها المنشودة بعد وفاة الملك؛ إذ كانت تتمنى أن يصبح زوجها وزيرًا، وسوف تكون شاهندة مفتاحًا لهذه الحقيبة الوزارية المغلقة.
قد تشتبك الأحداث في القصر الملكي «المُفترض» الذي «تتضبب» صورته تمامًا وكأننا أمام بلاط أسطوري بالفعل، حيث تصبح شاهندة محظية الملك الأولى وتطلب منه تعيين قائد الحرس وزيرًا، وحينما تُنجب له الأمير فايز، تصبح ملكة البلاد ومحط اهتمامه الأول على الرغم من وجود كثير من المحظيات. وبعد مرور سنتين تطلب الملكة شاهندة عبدا يُدعى محمود سالم النخّاس، فيؤتى به سريعا، وحينما تسأله إن كان يعرف فتاة اسمها شاهندة، يرد بالإيجاب، ثم تستفسر عن مكان وجودها، فينفي معرفته بذلك، مكتفيًا بالقول إنها رحلت قبل خمس عشرة سنة، ثم تصل إلى ذروة ما تصبو إليه، وربما كانت تجد عزاءها الوحيد في إجابته عن هذا السؤال ذي الشقّين المتوازيين: هل كنت تُحبها؟ فيجيب: لا يا مولاتي. وهل كانت تُحبكَ؟ لا يا مولاتي. لقد كانت بغيًا لكل شباب القرية. حينها تضطر للمواجهة فتخبره: أنت كاذب وحقير. ارفع رأسك وأنظر يا ابن النخّاس أنا شاهندة! عندها يقع مغشيًا عليه. ويبدو أن نبوءتها قد صدقت، ولكن ما شكل الطريقة التي ستنتقم بها منه وهي السيدة الأولى في هذه المملكة المُفترضة. أمرت قائد الحرس أن يأخذه معه ويعود به بعد أسبوع وقد أصبح أحد «آغوات» القصر، ووصف الآغا آنذاك هو الرجل الذي يُقطع عضوه الذكري كي لا يشكِّل خطرًا على نساء القصر.
لم يكتفِ عبد الله راشد بصدق نبوءة شاهندة وانتقامها القاسي من محمود الذي خانها، وشهّر بها، وجعلها مجرد وعاءٍ جميل لشهواته الإيروسية العابرة، بل ذهب أبعد من ذلك حينما جعل شاهندة تبكي بشكل متواصل ومرير حتى تحوّل القصر إلى دير موحش، بينما انقلبت هي إلى راهبة متوحدة فيه على الرغم من أنها سيدة البلاد الأولى.
نخلص إلى القول إن «شاهندة» رواية متماسكة، لأنها تقوم على هيكل معماري رصين، تعززه حبكة متينة جمعت بين دفتيها شخصيات متنوعة على الرغم من هيمنة شاهندة على مدار النص الروائي، الذي مزج فيه الكاتب بين الحقيقة والخيال، ليقدّم لنا نصًا روائيًا رائدًا استطاع الصمود على مدى أربعة عقود ونيّف، ولما يزل يقدّم نفسه نصا حديثا قابلا للقراءة كأي نص روائي متجدد ومتوهِّج على الدوام.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».