إيفا جانادان: مسألة الإسلام في فرنسا طُرحت بأسوأ الأشكال أثناء الانتخابات

صدور العدد الخامس من المجلة الفصلية «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»

سيران أتيس
سيران أتيس
TT

إيفا جانادان: مسألة الإسلام في فرنسا طُرحت بأسوأ الأشكال أثناء الانتخابات

سيران أتيس
سيران أتيس

صدر أخيراً عدد جديد من المجلة الفصلية المرموقة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين» التي تريد تنوير المسلمين عن طريق إخراجهم من عقلية القرون الوسطى وإدخالهم في عقلية الحداثة وأجواء القرن الحادي والعشرين الرحبة المتسامحة من دون إفراط ولا تفريط. وهذا ما فعله أسلافهم العظام من أمثال ابن رشد وابن سينا والفارابي عندما أخرجوا أوروبا من ظلاميات العصور وأناروهم ونوّروهم وساعدوهم على تحقيق نهضتهم المقبلة. وبالتالي فهذي بضاعتنا ردت إلينا. فالتنوير كان عربياً إسلامياً في البداية قبل أن يصبح أوروبياً. نحن السابقون وهم اللاحقون. والسلام على من اتبع الهدى. وقد اشتملت المجلة على عدة فصول. الفصل الأول كتبته إيفا جانادان، الباحثة الضليعة المختصة في شؤون الفكر الإسلامي، قديمها والحديث. وهو عبارة عن استعراض مطول للمداخلات والأفكار التي وردت في مؤتمر المؤسسة، الذي عقد مؤخراً في قصر اليونيسكو. وسوف نعود إليه مطولاً بعد قليل نظراً لأهميته وشموليته وعمقه الفكري. وأما الفصل الثاني فقد كان بعنوان؛ الإسلام والبيئة، أو الإسلام وعالم الحيوان. حقل لاهوتي للاكتشاف أو إعادة الاكتشاف. وقد كتبه الباحث أوميرو مارونغيو - بيريا. وهو عالم اجتماع مختص بدراسة الإسلام في فرنسا. كما أنه عالم دين لاهوتي منخرط في عملية الحوار بين الأديان، وبالأخص بين الإسلام والمسيحية. نذكر من بين مؤلفاته ما يلي؛ لقد آن الأوان لكي نتخلص من الأفكار الخاطئة عن الإسلام والمسلمين. ثم كتاب؛ مسلمو فرنسا... المحنة الكبرى... إلخ.
وأما الفصل الثالث من المجلة فقد كتبه الباحث المغربي الأصل مروان سيناصر، وكان بعنوان؛ هل الحجاب إسلامي حقاً؟ المقصود؛ هل هو محصور بالإسلام فقط، كما يتوهم كثيرون، أم أنه كان شائعاً لدى الأديان والحضارات السابقة أيضاً؟
وأما الفصل الرابع والأخير فهو عبارة عن مقابلة ممتعة ومطولة مع الباحثة التركية الأصل، الألمانية الجنسية، سيران آتيس. وهي ليست فقط كاتبة، وإنما محامية أيضاً، ولها مكتب خاص في برلين. وكانت قد وفدت إلى ألمانيا مع عائلتها عام 1969 وهي في سن السادسة فقط. وهي صاحبة عدة مؤلفات تدافع فيها عن حقوق المرأة وحقوق الرجل على حد سواء. وهي منذ أكثر من 35 عاماً أحد أهم الأصوات المنددة بالعنف اللاهوتي البطريركي التقليدي ضد المرأة. نضيف إلى ذلك المعلومة الهامة التالية؛ لقد دشنت مؤخراً في العاصمة الألمانية برلين مسجداً بعنوان جميل هو؛ مسجد ابن رشد - غوته. غني عن القول إنها تنتمي إلى التيار الليبرالي المستنير داخل الإسلام. وهي تقول ما معناه؛ فكرة تأسيس مسجد ليبرالي باسم «ابن رشد - غوته» خطرت على بالي، بعد أن شاركت لمدة 4 سنوات في أعمال المؤتمر الألماني الكبير عن الإسلام. وقد فعلت ذلك بعد أن لاحظت للأسف الشديد أن معظم المنظمات والجمعيات الإسلامية في ألمانيا متزمتة عموماً ولا تمثلني بصفتي مسلمة ليبرالية متسامحة. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى، فبالإضافة إلى كوني مسلمة روحانية مؤمنة بالله، فإنه كان ينقصني وجود مسجد يتناسب مع قناعاتي الدينية وأسلوب حياتي. هذا، وقد لاحظت أن كثيراً من الأشخاص من مسلمين ومسلمات يرغبون بوجود مسجد ليبرالي مستنير في ألمانيا. ولكن لماذا أطلقتم عليه اسم ابن رشد - غوته؟ على هذا السؤال تجيب الباحثة التركية - الألمانية، قائلة ما معناه؛ صحيح أن ابن رشد العربي المسلم (1126 - 1198) ينتمي إلى عصر مختلف تماماً عن عصر غوته الألماني المسيحي (1749 - 1832). وذلك لأنه تفصل بينهما 7 قرون. لكن هناك تشابهات مشتركة فيما بينهما. فكلاهما كان عالماً كبيراً ذا فضول معرفي واسع جداً. وكلاهما كان يشكل جسراً أو صلة وصل بين الشرق والغرب. وكلاهما كان منفتحاً على عدة أديان وعدة ثقافات وعدة رؤى للعالم. فابن رشد كان منفتحاً جداً على الفلسفة اليونانية وبخاصة فلسفة أرسطو كما هو معلوم. وأما غوته فكان منفتحاً على الحضارة الإسلامية ومعجباً بها جداً. انظروا بهذا الصدد كتابه الشهير؛ الديوان الشرقي. وبالتالي، فكلاهما ركز على ما يجمع بين الشرق والغرب، لا على ما يفصل بينهما. كلاهما ركز على المحبة والتسامح بين الأديان المختلفة، لا على الكراهية والتعصب. وبالتالي، فهما يشكلان رمزاً كبيراً لنا. وهذا الرمز يساعدنا على بلورة مفهوم جديد ومنفتح ومتسامح عن الإسلام. وهو مفهوم أصبح ضرورياً جداً لمواجهة المد الزاحف للمفهوم الظلامي المسيطر حالياً على أوساط الجاليات الإسلامية في الغرب. نعم، إن المثال العالي لابن رشد وغوته يساعدنا على التعايش بعضنا مع بعض، على الرغم من الاختلاف في الدين والعقيدة والعرق والأصل.
لكن لنعد الآن إلى بعض محاور المداخلة المطولة التي تفتتح المجلة، والتي كتبتها الباحثة المرموقة إيفا جانادان. إنها تقول لنا ما معناه؛ عندما نراقب عن كثب الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية، ماذا نلاحظ؟ نلاحظ أن مسألة الإسلام مطروحة من أسوأ أبوابها، وبخاصة لدى جماعات اليمين المتطرف. إنها مطروحة من زاوية الكره والحقد ورفض الآخر، أي الإنسان المسلم هنا. لا يوجد أحد في الحقل الإعلامي لكي يقول للناس إن الإسلام ليس هكذا. لا أحد يقول للناس إن الإسلام لا يتطابق مع الصورة المخيفة التي يقدمها عنه المتطرفون الشعبويون، وإنما هناك مفهوم آخر للإسلام غير هذا. للحق والإنصاف، فإن معظم القادة الفرنسيين المستنيرين يفرقون بين الإسلام كدين روحاني وعالمي كبير، وبين تيار الإسلام السياسي المتطرف والمتعصب الذي يتعاطف مع «القاعدة» و«داعش». قادة اليمين المتطرف وحدهم لا يفرقون. وبالتالي، فلا ينبغي خلط الأمور بعضها ببعض. لا ينبغي الخلط بين اليمين المعتدل واليمين المتطرف. لقد أصبح الاندماج عملية مؤلمة مرادفة للتفكك والانقسام، في وقت يتزايد فيه التمييز ضد الأشخاص ذوي الأصول المغاربية، بالمعنى الواسع للكلمة. هذا من جهة. ولكن من جهة أخرى، نلاحظ ظاهرة معكوسة، وهي أن فرنسا تظل البلد الأوروبي الأول من حيث الانفتاح على الآخر، على الغريب المهاجر. والدليل على ذلك كثرة الزيجات المختلطة بين الفرنسيين الأصليين والمهاجرين المسلمين. وبالتالي، يوجد هنا تناقض كبير بين انفتاح فرنسا على الآخرين وانغلاقها. وهذا يعني أن فرنسا ليست ذلك البلد العنصري الذي يتحدثون عنه. إنها أكبر من ذلك. فهي تظل على الرغم من كل شيء بلد الأنوار والثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي قدمته كهدية للعالم كله عام 1789. إنها بلد الشعار الشهير المنقوش بأحرف من نور على جميع المباني الرسمية للدولة الفرنسية؛ حرية، مساواة، إخاء.


حكيم القروي

لتشخيص المشكل بشكل أعمق، يقول لنا الباحث الكبير المطلع حكيم القروي ما يلي؛ لأن بعض الشباب المسلمين الفرنسيين لم يجدوا لهم مكانة في المجتمع الفرنسي، ارتموا في أحضان الجماعات «الإخوانية» والسلفية المتطرفة. لو أنهم وجدوا فرص العمل والعناية والرعاية والمكانة اللائقة لما انخرطوا في صفوف الجهاديين الدمويين. ثم يطرح الباحث هذا السؤال؛ كيف يمكن أن نفهم أن 90 في المائة من المتطرفين هم ذوو جنسية فرنسية ولغة فرنسية وثقافة فرنسية، على الرغم من أن أصولهم مغاربية؟ ثم بالأخص كيف يمكن أن نفهم أن 30 في المائة منهم هم من أصل فرنسي قحّ؟ لقد اعتنقوا الإسلام لأول مرة، ثم أصبحوا جهاديين متطرفين. على أي حال، لا ينبغي أن نتحدث بعد اليوم عن المناطق التي خسرتها الجمهورية الفرنسية، وإنما عن المناطق التي أهملتها الجمهورية الفرنسية. فهناك ضواحي كثيرة وأحياء فقيرة محرومة من التعليم والمعلمين، من رجال الأمن والشرطة، من الأطباء والمشافي الصحية... إلخ. وبالتالي، فالحل الوحيد لعلاج مشكلة التطرف هو استثمار الأموال الضخمة في ضواحي الإسلام المحيطة كزنار بالمدن الفرنسية وتطويرها وإشعارها بالأمل. فهنا سوف يُحسم مصير فرنسا، هنا ينبض قلبها. ولكن هنا أيضاً يمكن أن يتوقف قلبها عن الخفقان إذا لم تنتبه الدولة إلى هذه المسألة الضخمة؛ إخراج الضواحي المهمشة من عزلتها وفقرها وكآبتها، حيث يكثر العاطلون عن العمل، وحيث ينعدم الأمل، وحيث انسدت في وجوههم الآفاق. هذه مسألة هامة جداً جداً. ولكن هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية تتعلق بضرورة مكافحة ظاهرة التطرف الديني وتحجيمها ووضع حد لها. فالمسألة ليست مادية فقط، وإنما فكرية أيضاً. وهنا ينبغي على المثقفين أن يبلوروا فكراً جديداً مستنيراً عن تراث الإسلام الكبير. فهو تراث ضخم حمال أوجه، ولا يمكن اختزاله في التيار الظلامي الذي يؤمن «بالعنف المقدس» ويحلل التفجيرات العشوائية شرعاً. هذا ليس من الإسلام، وإنما من الإجرام. فالإيمان بالله والعنف شيئان متناقضان لا يجتمعان. والفهم الصحيح للإسلام يحرم العنف الديني، ولا يعتبره مقدساً على الإطلاق. إنه يرفض ارتكاب العنف باسم الدين رفضاً قاطعاً. فالإسلام جاء رحمة للعالمين، لا نقمة عليهم. ينبغي على المثقفين أن يبلوروا فكراً جديداً مستنيراً قادراً على مواجهة التيار المنحرف الخاطئ الذي شوّه صورة الإسلام في شتى أنحاء الأرض. ينبغي أن يعيدوا قراءة النصوص التراثية على ضوء المنهجية الحديثة التاريخية - النقدية. وإلا فلن نخرج من المشكلة، ولو بعد ألف سنة! هذا التجديد الرائع للفكر الديني هو الحل والمنقذ والخلاص. وهذا ما تحاول أن تفعله مجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين».


مقالات ذات صلة

الشعر مواجهاً جروح الذات

ثقافة وفنون الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل

عمر شهريار
ثقافة وفنون إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ

يذهب الباحث محمد المالحي في كتابه «نجيب محفوظ... حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، الصادر عن دار «البديع العربي»، إلى مناطق أقل تداولاً في سيرة «أديب نوبل»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

للشاعر السعودي، إبراهيم زولي، صدر مؤخراً كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن مجموعة «متون للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

ميرزا الخويلدي (الدمام)
المشرق العربي قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

غداء بيروت في 8 فبراير 2005 كما ترويه المذكرات: تحذير أخير لرفيق الحريري، ورسالة من ماهر الأسد عبر صاحب صحيفة، وحماية تقلّصت من خمسين عنصراً إلى ستة

«الشرق الأوسط» (لندن)

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.