«تويتر» بين مطرقة حرية التعبير وسندان الرقابة

هل سيغيّر ماسك وجه المنصة ويعيد ترمب إلى أحضانها؟

«تويتر» بين مطرقة حرية التعبير وسندان الرقابة
TT

«تويتر» بين مطرقة حرية التعبير وسندان الرقابة

«تويتر» بين مطرقة حرية التعبير وسندان الرقابة

«يتمتع تويتر بقدرات هائلة سوف أطلق العنان لها»، كلمات عكست حماسة الملياردير إيلون ماسك بعد الموافقة على صفقة شرائه للمنصة، وألقت بظلالها على الساحة السياسية الأميركية التي حبست أنفاسها بانتظار الكشف عن غموض هذه التصريحات.
فماسك ليس سياسياً مخضرماً، لكنه رجل أعمال محنّك يتقن فنّ التلاعب بمشاعر السياسيين واستفزازهم أحياناً. يتغنّى ماسك بحرية الرأي والتعبير، ويصوّر نفسه «حامياً لحرية الرأي». وبرر قراره شراء تويتر باعتقاده أن «لديه القدرة على أن يكون منصة لحرية التعبير حول العالم». فقال: «أؤمن بأن حرية الرأي ضرورة اجتماعية لديمقراطية فعالة».
تصريحات بسيطة في ظاهرها، فحرية الرأي والتعبير هي التعديل الأول في الدستور الأميركي، يحميها القانون. لكن باطنها مشبع بالتعقيدات التي يعاني منها المجتمع الأميركي منذ هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على تحركات المشهد السياسي. ويعلم ماسك طبيعة هذه التجاذبات السياسية جيداً، ويستغلها على نطاق واسع، فلم يتردد في تأكيد معارضته لحظر حسابات مسؤولين، ما يفتح الباب أمام عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى المنصة، بعد حظره منها إثر أحداث اقتحام الكابيتول في يناير (كانون الثاني) 2021.

انقسامات حزبية عميقة
طفت هذه التجاذبات السياسية على السطح بمجرد الإعلان عن الصفقة التي أبرمها ماسك لشراء تويتر، فأظهرت تخوفاً ديمقراطياً من الخطوة مقابل ترحيب جمهوري واسع، خصوصاً من طرف داعمي الرئيس السابق. وغرّدت السيناتورة الجمهورية مارشا بلاكبيرن: «هذا يوم رائع للمحافظين على تويتر»، مضيفة: «شراء إيلون ماسك لتويتر يرعب اليسار لأنهم لا يريدون خسارة سيطرتهم على رقابة المحافظين». من ناحيتها، غرّدت النائبة الجمهورية لوران بورت ساخرة: «أصبح إيلون ماسك الآن مالكاً رسمياً لليبراليين»، فيما قال النائب الجمهوري جيم جوردان: «حرية الرأي عادت».
في المقابل، حذّرت السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن من تداعيات الصفقة، ووصفتها بـ«الخطرة» على ديمقراطية الولايات المتحدة. وغرّدت السيناتورة الليبرالية: «أصحاب المليارات أمثال إيلون ماسك يلعبون بناء على قواعد مختلفة عن الجميع، فهم يكرسون قوتهم لمكاسبهم الشخصية». وأضافت: «نحتاج إلى إقرار قواعد جديدة لمحاسبة شركات التكنولوجيا الكبيرة».
موقف كرّره البيت الأبيض، الذي رفض التعليق بشكل مباشر على خطوة ماسك شراء تويتر، لكنّه شدد على ضرورة «احتواء» وسائل التواصل الاجتماعي عبر إقرار تعديلات على القوانين الموجودة حالياً التي تعطي هذه الشركات حصانة من المحاسبة. فقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي: «لطالما كان الرئيس قلقاً من السلطة التي تتمتع بها وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها في حياتنا اليومية، بغضّ النظر عن الشخص الذي يملك تويتر». وأضافت ساكي: «الرئيس يعتقد أنه من الضروري محاسبة المنصّات هذه على الأضرار التي تتسبب بها».

المادة 230 وحصانة وسائل التواصل
توقّفت ساكي عند كلمة السر: «المادة 230»، التي توفر الحصانة لوسائل التواصل الاجتماعي. وتنصّ هذه المادة التي تقع ضمن قانون التواصل الأميركي الذي أقره الكونغرس في عام 2016 على «أن المنصات الموجودة على الإنترنت لا تتحمل مسؤولية قانونية عمّا ينشره المستخدمون على صفحاتها»، كما تمنح هذه الشركات «حصانة من أي تبعات لقيامها بحذف مواد منشورة في منصاتها». وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الرئيس يدعم تعديل هذه المادة، وإنه «متفائل بدعم الحزبين في الكونغرس لتعديل من هذا النوع».
وبالفعل، هناك توافق نادر من الحزبين على ضرورة محاسبة وسائل التواصل الاجتماعي، رغم الاختلاف على طرق المحاسبة وأسبابها. فالديمقراطيون يعتبرون أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تعالج نشر الأخبار المغلوطة والكاذبة بالشكل اللازم، فيما ينتقد الجمهوريون القيود التي تفرضها هذه الوسائل على بعض المستخدمين. ورغم محاولات متكرّرة وجلسات استماع حامية عقدها الكونغرس للدفع باتجاه إقرار تعديلات على القوانين التي تحمي شركات التكنولوجيا، فإن كل هذه الجهود باءت بفشل ذريع.
ويتحدث النائب الديمقراطي رو خانا عن هذا الفشل، رغم تمتّع الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي الكونغرس، فيقول: «لقد خلدنا للنوم وراء مقود السيارة... من المقلق جداً أن تغييراً في ملكية المنصة يستطيع أن يخلق تغييراً في التوجه العام». وهذا ما أشار إليه ماسك في أحد تعليقاته عندما قال: «إذا أراد الأشخاص قيوداً على حرية التعبير، لكانوا طالبوا الحكومة بإقرار قوانين بهذا الشأن».
ويدعو بعض المشرعين إلى استدعاء ماسك للإدلاء بإفادته أمام الكونغرس وعرض وجهة نظره بعد الاستحواذ على تويتر، لكنهم يخشون أن تتحول الجلسة إلى «مسرح هزلي» بسبب شخصية ماسك الفريدة، إذ إنه هاجم بعضهم أكثر من مرة بعبارات استفزازية على «تويتر»، آخرها عندما أطلق على السيناتورة إليزابيث وارن اسم «السيناتورة كارن».
بحسب تصريحاته الأخيرة، وقع ترمب في حب منصة أخرى، هي «تروث» (الحقيقة) وهي المنصة التي أسّسها مؤخراً بعد رفض «تويتر» و«ميتا» إعادة إحياء حساباته. ونفى ترمب أنه ينوي العودة إلى «تويتر» بعد شراء ماسك للمنصة، فقال: «لا لن أعود إلى تويتر، سوف أكون على منصة تروث سوشيال… لن أعود إلى تويتر».
رغم هذا التأكيد، يشكّك المقربون من الرئيس السابق بقدرته على الابتعاد عن منصته المفضلة سابقاً في حال إعادة حسابه. وقالت أليسا فرح التي عملت في البيت الأبيض في عهد ترمب: «لا أرى أي سيناريو يستطيع فيه الابتعاد عن تويتر».
ومن المرجح أن يدفع الجمهوريون بالرئيس السابق إلى العودة إلى المنصة في حال السماح له بذلك، فهم ينظرون إلى هذه العودة كفرصة ذهبية لهم لانتزاع الأغلبية من الديمقراطيين في الانتخابات التشريعية المقبلة، إذ إن ترمب الذي لا يزال يتمتع بشعبية واسعة في صفوف مناصريه، أثبت مهارته في استقطاب الأصوات عبر تويتر من خلال مهاجمة منافسيه وأعدائه. وهذا ما يقلق الديمقراطيين إلى حد كبير، وهم لا يزالون يعولون حتى الساعة على رفض ماسك إعادة حساب ترمب على المنصة.

ماسك بين الإشادة والانتقاد
تجمع علاقة متميزة بين ماسك وترمب، فقد عيّن الرئيس السابق ماسك في مجلسين استشاريين للبيت الأبيض، ووصفه بأحد «عباقرة العالم العظماء». أما علاقة ماسك ببايدن، فيشوبها الكثير من التوترات، إذ انتقد رجل الأعمال بايدن أكثر من مرة بسبب ما وصفه بـ«الفشل في الاعتراف بأهمية دور شركته تسلا في عالم السيارات الكهربائية». وقال لشبكة «سي. إن. بي. سي» إن «بايدن تجاهل عن قصد تسلا مراراً وتكراراً…».
وأتى تصريح آخر لماسك بعد الموافقة على صفقته لشراء المنصة، ليصب النار على شكوك الديمقراطيين، إذ انتقد تعليق تويتر لحساب صحيفة «نيويورك بوست» في عام 2020، بعد نشرها تقريراً حصرياً يتهم نجل بايدن هنتر بالفساد. فقال: «تعليق حساب مؤسسة إخبارية كبيرة بسبب نشرها قصة واقعية هو أمر غير مناسب أبداً». إلا أن أحد موظفي تويتر رد على مديره الجديد، فذكّره بأن قرار التعليق ارتكز على نشر معلومات مقرصنة ضمن التقرير، «ما يتعارض مع سياسة المؤسسة»، وهي حجة يرفضها الجمهوريون الذين يتهمون شركات التواصل بحماية بايدن ودعمه للفوز في الانتخابات الرئاسية.
فهل سيلجأ ماسك إلى صفقته للثأر من بايدن وإعادة إحياء علاقته السابقة مع ترمب؟ أم أنه سيتحفّظ على اتخاذ قرارات جذرية في موسم انتخابي حاسم؟
قواعد أوروبية
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، شدّدت المفوضية الأوروبية على ضرورة احترام «تويتر» قواعد التكتل الأوروبي.
وقال المفوض المسؤول عن السوق الداخلية بالاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، إن بروكسل لن تعقب على استحواذ إيلون ماسك على موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي، لكنه ذكّر بأن التكتل المؤلف من 27 دولة لديه قواعد صارمة لمنصات الإنترنت للتصدي للمحتوى غير القانوني.
وقال تيري بريتون لوكالة «رويترز»، بعد الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» لشراء «تويتر» مقابل 44 مليار دولار، إن «الأمر سيرجع إلى تويتر لتكييف أنفسهم... مع قواعدنا». وأضاف قائلاً: «أظن أن إيلون ماسك يعرف أوروبا بشكل جيد جداً. هو يعرف تماماً أننا لدينا قواعد لصناعة السيارات... وهو يتفهم ذلك. ولذلك في أوروبا، فإنه لحماية حرية التعبير وحماية الأفراد، فإن أي شركات سيتعين عليها أن تفي بهذا الالتزام». وقال بريتون إن المنصات الكبرى تواجه غرامات مالية، أو ربما الحظر، إذا لم تتبع قواعد الاتحاد الأوروبي التي تنظم عمل منصات الإنترنت.
وحول توجّه عملاق التواصل الاجتماعي، قال رئيس «تويتر» التنفيذي باراغ أغراوال للموظفين، مطلع الأسبوع، إن الضبابية تكتنف مستقبل الشركة. وقال أغراوال، وفق ما نقلت عنه «رويترز»، إن ماسك سيشارك موظفي تويتر في جلسة أسئلة وأجوبة في وقت لاحق.
وعندما طُرحت عليه أسئلة من الموظفين حول خطط ماسك بالنسبة للشركة واحتمالات تسريح عاملين ومبررات مجلس الإدارة لقبول الصفقة، أجّل أغراوال الكثير من الأسئلة باعتبارها أسئلة يجب طرحها على ماسك. غير أنه قال للموظفين إنه ليست هناك خطط حالياً لتسريح عاملين.



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».