فيل جونز: ما زلت جيداً بما يكفي ولن أستسلم أبداً

مدافع مانشستر يونايتد يتحدث عن معاناته مع المتصيدين والمنتقدين والإصابات التي أبعدته عن الملاعب

في عام 2017 أشاد مدرب إنجلترا ساوثغيت بجونز ووصفه بأنه أفضل مدافع في إنجلترا (رويترز)
في عام 2017 أشاد مدرب إنجلترا ساوثغيت بجونز ووصفه بأنه أفضل مدافع في إنجلترا (رويترز)
TT

فيل جونز: ما زلت جيداً بما يكفي ولن أستسلم أبداً

في عام 2017 أشاد مدرب إنجلترا ساوثغيت بجونز ووصفه بأنه أفضل مدافع في إنجلترا (رويترز)
في عام 2017 أشاد مدرب إنجلترا ساوثغيت بجونز ووصفه بأنه أفضل مدافع في إنجلترا (رويترز)

يتعرض مدافع مانشستر يونايتد فيل جونز لانتقادات لاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي وبشكل شخصي، بسبب تاريخه الطويل مع الإصابات وغيابه عن صفوف الفريق لفترات طويلة، على الرغم من أنه كان أفضل لاعب في مانشستر يونايتد في المباراة الأولى التي لعبها بالدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم بعد غياب دام شهوراً طويلة، وقبل المشاركة أمام ليفربول في مباراة مؤجلة من المرحلة الثلاثين. يقول جونز: «أشعر بأنني محظوظ. أنا محظوظ بنسبة 100 في المائة لأنني لعبت في نسختين من كأس العالم، ولعبت أيضاً في نهائيات كأس الأمم الأوروبية، وقضيت بعض اللحظات الرائعة في ملعب أولد ترافورد مع بعض اللاعبين المميزين. بالطبع يقول الناس إنه يتعين علي القيام بهذا الأمر أو ذاك، لكنني أشعر بأنني محظوظ للغاية».


جونز لا ينسى إشادة فيرغسون به والفوز معه ببطولة الدوري الإنجليزي (غيتي)

وعندما تنظر إلى جونز من الخارج، تشعر بالفعل بأنه شخص محظوظ، فهو يحصل على راتب كبير للغاية، ولا يزال في الثلاثين من عمره ويأمل في أن يواصل اللعب لعدد من السنوات المقبلة، كما أنه سعيد في حياته الزوجية وأب لابنتين صغيرتين ذهب معهما إلى الحديقة في نزهة بمجرد نهاية هذه المقابلة الشخصية معه. لا يزال جونز يحب مانشستر يونايتد ويتحدث بإعجاب كبير عن كل المديرين الفنيين المشهورين الذين لعب تحت قيادتهم واللاعبين العظماء الذين واجههم. وقد يكون من الغريب أن نعرف أن عدد المباريات التي لعبها جونز مع مانشستر يونايتد أكبر من عدد المباريات التي لعبها مدافعون عظماء مع الشياطين الحمر، مثل بول ماكغراث وياب ستام، كما لعب 27 مباراة دولية مع المنتخب الإنجليزي. ويبدو أيضاً أنه مقتنع تماماً بأن أيامه المقبلة ستكون أفضل في عالم كرة القدم.
ومع ذلك، ربما يكون جونز أكثر لاعب أشاد به المديرون الفنيون البارزون، لكنه لم يقدم المستويات المتوقعة منه في نهاية المطاف. ويُنظر إلى جونز الآن على أنه مادة دسمة للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، وليس مدافعاً بارزاً، ومن المؤكد أن السبب في ذلك يعود إلى أخطائه الكثيرة وتعبيرات وجهه الغريبة. ويتعرض جونز أحياناً للإساءة اللفظية عندما يكون في نزهة مع ابنتيه، ووصل الأمر إلى درجة أن حتى ريو فرديناند، الذي كان جونز يحترمه كثيراً عندما كان طفلاً، أشار ذات مرة إلى أن جونز كان «مضيعة للوقت» دون أن يدرك حجم الإصابات التي كان يعاني منها.


لم يقدم جونز المستويات المنتظرة منه تحت قيادة سولسكاير الذي كان يعاني هو الآخر (أ.ف.ب)

كان الأمر كان مختلفاً تماماً في السابق، فقبل تسع سنوات من الآن، وبعد أن ساعد جونز مانشستر يونايتد في الفوز بلقبه الأخير للدوري الإنجليزي الممتاز بالفوز على أستون فيلا، قال المدير الفني الأسطوري للشياطين الحمر، السير أليكس فيرغسون، إن هذا المدافع يمكن أن يصبح في نهاية المطاف «أفضل لاعب لدينا على الإطلاق». لم يكن فيرغسون يدلي بهذه التصريحات بسبب سعادته الغامرة بالفوز باللقب أو بسبب اقترابه من اعتزاله التدريب، لكن أعظم مدير فني في تاريخ كرة القدم البريطانية كان معبجاً للغاية بقدرات وإمكانات اللاعب وسعى لأول مرة للتعاقد معه في يناير (كانون الثاني) 2010، بعد أن لعب جونز مع بلاكبيرن أمام مانشستر يونايتد في إحدى مباريات كأس الاتحاد الإنجليزي للشباب.
يقول جونز: «هزمنا مانشستر يونايتد في تلك المباراة بثلاثية نظيفة على ملعب إيوود بارك، على الرغم من أنهم كانوا أفضل بكثير منا من الناحية الفنية». ابتسم جونز عندما سألته عما إذا كان أي لاعب في فريق الشباب بمانشستر يونايتد الذي لعب تلك المباراة قد واصل اللعب على أعلى مستوى بعد ذلك، ورد قائلاً: «أعتقد أن بول بوغبا لاعب مشهور وناجح جداً! يبدو أنني لاعب متواضع، لكن عندما كنت في هذه السن الصغيرة كنت معجباً للغاية بنفسي، وأريد أن يراني الجميع وأنا ألعب بشكل جيد. الفوز على مانشستر يونايتد على أي مستوى يعد شيئاً كبيراً للغاية».
وبعد عشرة أشهر، اقتنع فيرغسون تماماً بقدرات وإمكانات جونز البالغ من العمر 18 عاماً آنذاك، والذي كان يلعب بشكل بطولي على الرغم من خسارة بلاكبيرن أمام مانشستر يونايتد بسبعة أهداف مقابل هدف وحيد. يقول جونز ضاحكاً: «لا أريد أن أتحدث عن ذلك. أتذكر أحد الأهداف الرائعة لمانشستر يونايتد، بعد أن تبادل واين روني وديميتار برباتوف الكرة بينهما نحو خمس مرات قبل تسجيل الهدف. وقبل نهاية المباراة بخمس دقائق، ذهبت ووقفت بجانب واين، حتى أكون أول لاعب يطلب الحصول على قميصه بعد نهاية المباراة».
لكن فيرغسون رأى شيئاً مختلفاً، وهو ما يعترف به جونز قائلاً: «قال إن هذه المباراة أظهرت أنني أمتلك إرادة كبيرة، فقد كنت ألعب بحماس كبير وأتدخل بقوة لاستخلاص الكرات، رغم أننا كنا متأخرين في النتيجة بسبعة أهداف مقابل هدف وحيد». استفسر تشيلسي وليفربول وآرسنال عن إمكانية التعاقد مع جونز، لكن فيرغسون كان مصراً للغاية على إتمام التعاقد معه في عام 2011، ورتب لمقابلة جونز في جنوب فرنسا. يتذكر جونز ما حدث آنذاك قائلاً: «إنها تجربة لا تصدق، وهو رجل استثنائي. كنت متوتراً للغاية، لكنني مدين له بالكثير».
يقول جونز عن مواسمه القليلة الأولى مع مانشستر يونايتد: «لعبت في كل المراكز، فقد لعبت ظهيراً أيمن، وقلب دفاع، ومحور ارتكاز، كما لعبت في خط الوسط مع المنتخب الإنجليزي. لقد لعبت في كل مكان». وأدلى بوبي تشارلتون بتصريح شهير عندما قال إن جونز يذكره بدنكان إدواردز. أما المدير الفني السابق لمنتخب إنجلترا، فابيو كابيلو، فقد شبه جونز بفرنكو باريزي. وفي عام 2017 أشاد المدير الفني للمنتخب الإنجليزي، غاريث ساوثغيت، بجونز ووصفه بأنه أفضل مدافع في إنجلترا. لكن يبدو الأمر الآن كأنه قد مر وقت طويل للغاية على الفترات التي كان يتألق فيها جونز، الذي يقول عن ذلك: «ربما لم تقدم لي هذه الإشادات الكبيرة أي خدمة، وما زال الجميع يتذكرون هذه التصريحات».

فكرة الرحيل عن مانشستر يونايتد مقبولة لجونز (غيتي)

وبالحديث عن مدح كابيلو، لا بد أن جونز ما زال يتذكر الصعوبات الكبيرة التي واجهها عندما لعب تحت قيادة المدير الفني الإيطالي مع منتخب إنجلترا أمام منتخب إسبانيا القوي في عام 2011. يقول جونز عن ذلك: «لعبنا أمام إسبانيا وفزنا بهدف دون رد أحرزه فرنك لامبارد، لكننا واجهنا صعوبات كبيرة على مدار 90 دقيقة، وكانت مهمتي صعبة للغاية أمام بوسكيتس وتشافي وإنييستا في خط الوسط».
لكن ماذا يتذكر بشأن تصريحات فيرغسون عنه؟ يقول جونز: «كان أمراً لا يصدق أن يدلي شخص بمكانة السير أليكس فيرغسون بهذه التصريحات، لكنني لم أكن أهتم كثيراً بما أقدمه على المستوى الشخصي ما دام أننا فزنا في تلك المباراة وفزنا بلقب الدوري. كانت أفضل لحظة بالنسبة لي عندما لعب روني تمريرة رائعة من مسافة 40 ياردة إلى روبن فان بيرسي، الذي نظر ووضع الكرة من فوق حارس المرمى في مشهد كروي رائع. إنني أشعر بالقشعريرة عندما أفكر في هذا الأمر الآن. لقد كان شيئاً لا يصدق أن أفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز وأنا في الحادية والعشرين من عمري».
ومنذ ذلك الحين، لم يفُز مانشستر يونايتد بلقب الدوري مرة أخرى، وتراجعت مسيرة جونز الكروية كثيراً بسبب الإصابات والانتقادات اللاذعة التي يتعرض لها من الجماهير. فهل تسبب هذا القدر الكبير من المديح والثناء في مشكلة له بعد ذلك؟ يقول جونز: «لا أعتقد أنه تسبب في مشكلة بالنسبة لي، لكن ربما أصبحت موضع شك من قبل الناس في الخارج. لكنني لم أتعامل أبداً مع هذه الإشادات على أنها أمر مسلم به، لأنني أعرف تماماً أن لاعب كرة القدم يتعرض لمستويات صعود وهبوط، وهذا أمر طبيعي. يمكنك أن تصل إلى السماء في لحظة واحدة، وفي اليوم التالي تكون في أدنى المستويات. وبالتالي، كنت أحاول قدر الإمكان أن أحافظ على اتزاني».
ويتعرض جونز لكثير من الانتقادات والسخرية، وهو الأمر الذي جعله يعاني من الاكتئاب في بعض الأوقات. ويقول: «لكن خلال العامين الماضيين، تعلمت حقاً كيفية التعامل مع ذلك، وأن أركز على ما أقوم به وأن أنظر إلى المستقبل». كما تعلم جونز أن يرد على تلك الانتقادات والسخرية بالفكاهة التي ساعدته. يقول المدافع الإنجليزي الدولي: «تلقيت تعليقات سخيفة بعد أن واجهنا إيطاليا خارج ملعبنا، وتعرضت للانتقادات مرة أخرى، وتبادل أندريا بيرلو الكرات مع أحد زملائه بجوار الراية الركنية. لقد حاول المنتقدون مقارنتي به من أجل انتقادي فقط».
في الحقيقة، لم يكن هناك أي شكل من أشكال المتعة عندما يقوم رجال بالغون بإهانة جونز أمام عائلته بينما كان يقضي يوماً عادياً كأب وزوج. يقول جونز: «لقد حدث ذلك عدة مرات، ومن الصعب للغاية أن تمر بهذه الأوقات العصيبة وأنت مع أطفالك. هناك وقت ومكان لكل شيء - لكن لا يجب أن يحدث لك ذلك وأنت تمشي مع ابنتك الصغيرة التي تسألك عما يقولونه. لكنني تجاوزت ذلك، وأصبحت أكثر إيجابية مما كنت عليه في ذلك الوقت».
ويرتبط تفاؤل جونز المتجدد بالعمل الجديد الذي سيساعد في إطلاقه هذا الأسبوع، حيث سيكون الوجه الدعائي لـ«نادي ريد ليون الرياضي»، وهو منصة رقمية ستسمح لمجتمع الإنترنت بالتجمع حول الأحداث الرياضية الكبرى - بدءاً من التصفيات في الدوري الأميركي لكرة السلة للمحترفين وصولاً إلى كأس العالم لكرة القدم. وسيضم النادي في البداية نحو 4 آلاف عضو سيدفعون نحو 160 دولاراً لشراء رمز غير قابل للاستبدال يعمل كبطاقة عضوية رقمية. وسيستضيف النادي عروضاً حية حصرية سينضم إليها جونز ورياضيون ومشاهير آخرون. يقول جونز: «لقد حاولت الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي على مدار السنوات الماضية، لكن هذا المشروع يقدم فرصة رائعة للأشخاص للانخراط في مجتمع صديق للعائلة».


عانى جونز من لعنة الإصابات التي أبعدته عن الملاعب فترات طويلة (غيتي)

كما يشعر جونز بالفخر بشأن الطريقة التي لعب بها مع مانشستر يونايتد أمام ولفرهامبتون في يناير (كانون الثاني) الماضي. ومنذ ذلك الحين، لم يلعب جونز سوى أمام ليفربول مؤخراً (4 - صفر لصالح ليفربول)، ثم المشاركة بديلاً في كأس الاتحاد الإنجليزي في المباراة التي خسرها مانشستر يونايتد أمام ميدلسبره، لكن جونز لعب بقوة وثقة وقدم أداء جيداً في المباراة التي خسرها مانشستر يونايتد على ملعبه أمام ولفرهامبتون، لدرجة أن جمهور مانشستر يونايتد المحبط قد تغنى باسمه في المدرجات. سألته عما إذا كان قد رأى الصورة المذهلة التي تم التقاطها له قبل المباراة - صورة لجونز وهو يقفز عالياً، وقدماه مستقيمتان استعداداً لبدء المباراة، بينما يبدو زملاؤه في الفريق في حالة من الفتور واللامبالاة.
يقول جونز عن ذلك: «لقد رأيت ذلك أنا وكل أصدقائي. كنت أستعد للعب لأول مرة منذ فترة طويلة، وشعرت بالراحة والإلهام من تلك الأجواء في ملعب أولد ترافورد. إنه لأمر رائع أن تلعب أمام هؤلاء المشجعين، وأنا أعرف جيداً مدى تأثير ذلك عليهم، وأعرف ما يتوقعونه منا».
ويضيف: «أعتقد أنني قدمت أداءً جيداً، لا سيما بالنظر إلى أنني لم ألعب منذ 15 شهراً. لم أكن أشعر بأي خوف، لأنني كنت سعيداً جداً بالوجود في الملعب. وحتى لو لم أقدم تلك المستويات الجيدة، كان ذلك سيظل إنجازاً. أعتقد أن هذا الإنجاز يعادل إنجاز الفوز بلقب الدوري بالنسبة لي. قد يعتقد الناس أنني أبالغ في مثل هذه التصريحات، لكن عندما تعود للمشاركة في المباريات بعد الغياب لهذه الفترة الطويلة، فإن الأمر يكون استثنائياً».
لكن كيف كان شعوره عندما سمع رد فعل الجماهير؟ يقول جونز: «لقد كان شيئاً استثنائياً ومؤثراً للغاية، لأنها كانت المرة الأولى التي تشاهداني فيها ابنتاي الصغيرتان. لقد كانتا صغيرتين جداً عندما مررت بكل مشاكلي (مع الإصابة والتعرض للانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي) حتى تفهمتا حقاً ما يفعله والدهما من أجل لقمة العيش. لقد كانتا تظنان أن كل ما أقوم به هو أنني أركل الكرة في الحديقة مع زملائي. لذا فإن وجودهما هناك مع زوجتي، ورؤيتهما لي وأنا ألعب، جعل هذه المناسبة استثنائية بالنسبة لي».
وبسؤاله عما قاله له المدير الفني الحالي لمانشستر يونايتد، رالف رانغنيك، رد جونز قائلاً: «لقد كان مجاملاً للغاية، وقال إنه سعيد بعودتي للمشاركة في المباريات من جديد، وأكد أنني أستحق الحصول على فرصة. لكن دعونا نرى ما سيحدث. آمل أن أشارك لبعض الوقت في المباريات، خصوصاً أنني أبذل قصارى جهدي في التدريبات كل يوم». ويقبل جونز فكرة أنه قد يضطر إلى الرحيل عن مانشستر يونايتد في الصيف، لكنه يقول: «ما زلت في الثلاثين من عمري فقط، وقد غبت عن المشاركة في المباريات لفترة طويلة. آمل أن أستعيد لياقتي ومستواي وأن أستمتع بلعب كرة القدم. عندما كنت مصاباً كان الأمر صعباً للغاية، لكنني لن أستسلم أبداً. وأشعر أنني ما زلت جيداً بما يكفي، ولدي الكثير لأقدمه، لذلك فأنا متفائل جداً، ومستعد للعب مرة أخرى».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.